باجس ابو عطوان -مات البطل، عاش البطل- معين بسيسو

مهند طلال الاخرس
2023 / 4 / 21

باجس ابو عطوان "مات البطل، عاش البطل" كتاب لمعين بسيسو يقع على متن87 صفحة من القطع المتوسط، وهو من اصدارات مجلة فلسطين الثورة بطبعته الاولى سنة 1974 ، ودار الفارابي في بيروت/لبنان بطبعته الثانية سنة 2014.

هذه الرواية تتحدث عن سيرة ومسيرة الفدائي البطل باجس ابو عطوان والملقب ب [ابو شنار]، قائد احدى اشهر واقوى الخلايا والمجموعات المسلحة العاملة في الجبل/منطقة الخليل داخل الارض المحتلة فلسطين، والذي استشهد في 20/6/1974 ليدفن في بلدة دورا ، والتي خلدت سيرته عبر جدارية معبرة تتسيدها صورة ابو شنار الشامخ والشامخة .

باجس أبو عطوان الذي يعرف الارض جيدا، والمعجون بها عجناً حتى صار جزء منها [لذلك سمي ابو شنار] لذلك فهو يعرف طبيعة هذه الارض وابنائها ايضا، وعند التحاقه بالثورة وظف كل ذلك في سبيل الثورة، فكانت بندقيته تعرف حدها وطريقها، فقد خبر جيدا قيمة البندقية وحقها وواجبها ومقتلها ايضا!؟ لذلك كان يعرف حق المعرفة "أن البندقية حينما لا تجد ما تأكله تموت يد صاحبها".

باجس ذلك الفدائي الجسور الذي لا يعرف للخوف طريقا شق طريقه في الثورة بالدم والتضحيات الجسام وقدم نموذجا في الجرأة والجسارة منقطعة النظير، فها هو [وكما ورد على ظهر صفحات الرواية] يتصل في الحاكم العسكري: آلو، انا أبو شنار/ باجس أبو عطوان، أريد أن أقول لك إن “أبو علي” راعي الغنم قد ولد له طفل هذا اليوم، وان فلاحا من دورا قدم لنا ثلاثة ديوك وسلة تين وصحارة عنب، وبدأنا نزرع القمح والتين والعنب في الجبل، ولدينا طاحونة، ونحن نأكل خبزا ساخنا، ولدينا بقرة، نحن نشرب الحليب. ثم يُلقي باجس بالسماعة ويصرخ الحاكم العسكري آلو آلو.. ثم يعتقل والده وشقيقاته ويُنسَف بيت أبو باجس.

وكانت ملامح الجرأة والجسارة متأصلة في باجس وكأنها ولدت معه منذ الصغر؛ فهذا هو بعد معركة السموع يبعث برسالة الى الملك حسين، ربما كانت أغرب رسالة تصل للقصر الملكي؛ رسالة موجهة للملك الأردني الحسين بن طلال، وموقعة باسم “باجس أبو عطوان”. سأل الملكُ رئيس ديوانه: من هذ الذي يخاطب الملوك بهذه اللغة ؟!!، لا بد أنه شخص مهم .. وماذا يقصد بعبارته: “أدعوكم لتحريك قواتكم المسلحة على الفور، للثأر لشهداء السمّوع، والدفاع عن قرانا وخِـرَبنا” ؟!! جاء في تقرير رئيس المخابرات العامة: “شاب مجهول، عمره ستة عشر عاما، يسكن في بلدة فلسطينية اسمها “دورا” .. ترك المدرسة قبل سنة، يعمل مع والده في مقهى البلدة الوحيد “.. مـرَّ عام كامل، لم يتلقَّ باجس ردا من القصر، لم ينتظر اكثر؛ فكان ان عرفت خطواته طريق العاصفة فالتحق بمجموعاتها العاملة في الجبل...

ولتتوالد الحكايات وتتناقل الالسن سيرته ومسيرته الخالدة من جيل الى جيل حتى اصبحت حكايته رمزا للاسطورة الشعبية والتي تناولتها الاقلام والصفحات، ومنهم شاعرنا الكبير معين بسيسو، الذي عزز مكانة تلك الاسطورة حين نقلها لصفحات الرواية : " في تلك الليلة التي دفن فيها باجس أبو عطوان رأى الفلاحون في دورا رؤى عجيبة ، رأوا طيورا في حجم كبير تحمل في مناقيرها عناقيد العنب ، تلقي بها فوق سقوف بيوتهم .
أما والدة باجس أبو عطوان فلقد رأت نحلة في حجم طائر الشنار يحط فوق تراب القبر ثم يطير ، فلاح عجوز حينما سمع الرؤيا تطلع إلى السماء وتمتم هذا دم باجس أبو عطوان تحول إلى قرص عسل .. مات البطل عاش البطل" .

باجس ابو عطوان حكاية اثيرة من حكايا الزمن الفدائي الجميل، التي تستحق ان تكتب بماء الذهب؛ تلك الحكاية المجبولة بالدم والتضحيات واسماء من عشقوا الوطن وهاموا بكل تفاصيله وتلاوينه.

وعن بطلنا ابو شنار وتجربته الفريدة والمتفردة كتب مَـاجد أبو شـرار يقول:"باجس موسى أبو عطوان، فلاح فلسطيني، نشأ في عائلة فقيرة وجدت مصلحتها الحقيقية عبر النضال ضد الاحتلال فقدمت الأب المحكوم بالسجن ثماني سنوات في الأرض المحتلة ثم قدمت الابن البكر باجس الذي استشهد. وبين التحاق باجس بالثورة وسقوطه شهيداً بطلاً فوق جبال الخليل، تجربة نضالية إنسانية فذة حاول الشاعر الفلسطيني معين بسيسو أن يبلورها من خلال هذه الرواية القصيرة".

انها حكاية باجس ابو عطوان ابو شنار وعملياته ودروسه وغزواته في مقارعة المحتل واعوانه، انها حكاية ابو شنار صاحب 52 عملية فدائية ناجحة ومبهرة ضد المحتل في جبال الخليل على مدى اربع سنوات متواصلة، هذه المنطقة الشهيرة بخربها وكهوفها وجبالها وتصاريسها، والاهم انها شهيرة بابنائها اصحاب الايدي الكبيرة والاقدام المغروسة بالارض حتى الجذور، هذه المنطقة ابناؤها الاشاوس كانوا قد اسسوا للفعل الثوري والعمل الفدائي باكرا، وانطلقوا مع الثورة خطوة خطوة وارتقوا معها نحو المجد والعلياء، فكان اول من اسس هذه المجموعات في الجبال علي ابو مليحة، والذي ملأت سيرته وعملياته افواه ابناء المنطقة والعارفين بخبايا الامور ؛ وما ان استشهد الفدائي علي ابو مليحة حتى نودي بصاحبنا ابو شنار خليفة له وقائدا لتلك المجموعات العاملة في الجبال برتبة نقيب في القيادة العامة لقوات العاصفة التابعة لحركة فتح.

حكاية ابو شنار وعملياته وبطولاته ضد الاحتلال صورة مثالية لصورة الفدائي الذي نحب ونعشق، والذي قاربت صورته في مخيلتنا حد الاسطورة، تلك الاسطورة ان سلمنا بها، يجب ان ندرك تماما ان باجس ابو عطوان وعلي ابو مليحة احد اهم النماذج والامثلة الحية عليها؛ ليس هذا وحسب بل ان اسماء مثل علي ابو مليحة وباجس ابو عطوان خير نموذج على سطوة الاسطورة في التاريخ الفلسطيني على الذاكرة الجمعية والمخيال الشعبي، وفي هذا المخيال الخصب، وداخل قاع الذاكرة، تقبع الاسطورة والتي يستمد منها الشعب الفلسطيني احد اهم اسباب قوته ومنعته وبقاءه، وهناك ايضا في قاع الذاكرة يعاد استيلاد الاحداث واسطرتها وبثها ثانية على نحو خارج عن المألوف والمعتاد، فهذا الشعب يعرف حق المعرفة ان من لاذاكرة له، لا مستقبل ينتظره.

وهذا بالضبط ما حدث مع شاعرنا الكبير معين بسيسو في هذا الكتاب؛ فمعين علاوة على شعريته المفرطة فهو انسان وطني ومناضل من الطراز الرفيع، ووطنيته هذه والمغروسة والمتجذرة بتراب الوطن حتى النخاع، اهلته لان يكتب نصا روائيا ماتعا ومشوقا، يعد من اجمل وابدع النصوص التي كتبت في هذا المضمار من ادب المقاومة، بل لا ابالغ حين اقول ان هذا النص اضفى على السيرة والحدث والحكاية بمجملها لمسة جمالية وادبية مشوقة ما كان للحكاية ان تكون بهذا الجمال لولاها.

يكفي لان نعرف ان احدى اللمسات التي تسببت بجمالية هذا النص وجودته الفائقة؛ هو ان الكاتب والقائد ماجد ابو شرار تجمعت لديه كل التفاصيل والوثائق والاوراق المتعلقة بمجموعات الجبل التي قادها علي ابو مليحة ومن ثم باجس ابو عطوان، فما كان منه إلا ان اودعها بين يدي معين بسيسو مُسنداً له هذه المهمة العظيمة، فكانت هذه الرواية التي بين ايدينا، والتي حال دون اكتمالها على اكمل وجه الضرورات الامنية التي كان من الواجب اتباعها، لكن حتى كل هذه الاعتبارات لم تفلح ولو للحظة واحدة بتجريد الرواية من صدقيتها وروعتها الفائقة الجمال.

#مهند_طلال_الاخرس

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت