التصارعية وازمة الثقافة المشرقية

مظهر محمد صالح
2023 / 4 / 18

1- تمهيد:
يتداول العلم السياسي الحديث فكرة ( التصارعية Agonism) بكونها نظرية تتناول الجوانب الإيجابية المحتملة في بعض أشكال الصراع السياسي ،وتقبل الوجود الدائم لمثل هذه الصراعات، ولكنها تسعي لإظهار كيف يمكننا قبولها وتوجيهها بصورة إيجابية لتاخذ مساراً في التغيرات التاريخية من خلال الانماط الديمقراطية كبديل للمادية التاريخية وعلى وفق المنحى الماركسي في التطور المادي لحركة التاريخ. فثمة كاتبين دافعا عن التصارعية لايجاد مناخ توفيقي متناغم ما بين قوة التحليل الماركسي التقليدي بشان المادية التاريخية من جهة وبين النظرية التصارعية نفسها من جهة اخرى وهما :
‏ Ernesto Laclau and Chantal Mouffe ذلك في كتابهما الموسوم : الهيمنة والاستراتيجية الاشتراكية : نحو علوم سياسية راديكالية -Hegemony and Socialism Strategy
‏(Towards a Radical Democratic Politics )Second Edition -Verso 1985.
ففي الوقت الذي ظلت تتعارض فيه التصارعية مع أنواع المفاهيم السياسية للماركسية المسمى «بالمذهب المادي» كما ذكرنا آنفاً ، نجد بعض تياراتها يرى في كارل ماركس انه قد اتفق مع مؤيدي (نظرية التصارعية )ذلك طالما يشهد المجتمع عبر تغيراته حالة من الصراع الذي يتولد من خلاله ، مستندين على ماجاء في البيان الشيوعي ( المانيفستو) الذي كتبه ماركس وزميله في العام 1848 واكدا وقتها ان : «تاريخ جميع المجتمعات القائمة إلى الآن هو تاريخ من الصراع الطبقي».وبهذا فان نتائج الصراع هي معالم حتمية للمجتمع الحالي وتحديداً المجتمع الراسمالي وان التاريخ يتطور بطريقة تجعله يدمر في النهاية الرأسمالية نفسها ويستبدلها بمجتمع متناغم ًًًً.
وبالرغم من ذلك وخلال فترة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين تحديدًا، اشترك العديد من المفكرين الغربيين ، ومن بينهم أكاديميون، في إجراء تحليل دقيق للماركسية في ضوء فكرة التصارع agonism وتوصل منهم الى أن (التطور المادي للتاريخ ) لا يقدم سببًا كافيًا للشعور بالأمل في بناء مجتمع متناغم ومن بينهم الكاتبين Laclau and Mouffe ذلك في كتابهما المذكور آنفا (الهيمنة والاستراتيجية الاشتراكية) على الرغم من انهما ينتميان الى خلفيات ماركسية وعاشا الحراك الاجتماعي للقرن الماضي .

2- في تحليل استنباطي مهم حول الادوار التي مازال يؤديها المثقف في حاضنة الاجتماع السياسي في العراق ، تصدى المفكر ابراهيم العبادي من خلال مقال مهم الى مسألة تشخيص حالة المثقفين في العراق وماهية دورهم ؟ .اذ سلط الكاتب في جدليته الضوء على حالة المثقف ودوره في العراق ، على وفق مسار منهجي تتبع جذور( التصارعية الثقافية cultural agonism ) في بيئة اجتماعية مشرقية شديدة التعقيد ومحاكاة جوهرية بالغة الدقة للاجتماع السياسي الشرقي كله.

اذ يرى ابراهيم العبادي : ((ان المثقف العراقي قد استقطبته مناخات متصارعة مختلفة للتعبير عن كينونته النقدية مؤكدًا بالقول : .
((في بلادنا العراق لم يكتب الكثير عن المثقفين العراقيين ومسؤولياتهم ومساهماتهم الفكرية والتغييرية والنقدية ، كان ذلك مفهوما ومعلوما بسبب هيمنة الشمولية والاستبداد ردحا طويلا وبسبب الصراع الفكري والايديولوجي الذي انخرط به مثقفون عراقيون توزعوا بين تيارات قومية وماركسية واسلامية ،ومن طبيعة الصراعات الايديولوجية انها تترك ظلالا من التشكيك في قيمة الافكار وتأثيراتها الاجتماعية وطبيعة تلقيها في البيئة المجتمعية ،برز الراحل علي الوردي (ت1995) بوصفه مثقفا نقديا ساهمت اطروحاته النقدية في اثارة نقاش اجتماعي عام بشأن قضايا جوهرية يحفل بها الواقع العراقي ،مما له ارتباط بالشخصية والسلطة والتخلف الاجتماعي والسلوك السياسي والتعصب مقتحما مناطق ممنوعة نوعا ما، ولم تتغلف مواقفه بصبغة ايديولوجية، فكان نموذجا للمثقف المستقل المكون تكوينا علميا ومعرفيا جيدا ، وذا رسالة تنويرية وتغييرية جعلت من اطروحاته محور الجدل العام بين موافق ورافض وناقد وشارح ،وحركت مياها راكدة كثيرة، وكشفت طبقات من الوعي الزائف والعلاقات التسلطية التي كبلت حياة العراقيين افرادا ومجتمعا ، وكلها مشكلات بنيوية اعاقت تنمية المجتمع واستقرار الدولة وساهمت في تغول السلطات ، ثم انتجت لنا هذه التوليفة العجيبة من ثقافة الصراع والتغالب والعنف والتفاخر والارتكاس في التخلف الاجتماعي بكل تصنيفاته بدون اكتراث لذلك ،حتى وصلنا الى مانحن عليه من امراض مجتمعية وسياسية ، ابرزها انتشار العنف وسيطرة علاقات القوة على الدولة ، وانخفاض انتاجية المجتمع وسوء الاداء والعيش الاستهلاكي على الريع النفطي وتراجع مؤشرات التنمية وصعود مظاهر التعاسة والقلق الدائم على المستقبل .
جسد الوردي انموذج المثقف المستقل وليس المثقف التقليدي الملتحق بالسلطة ولا مثقف التيارات الايديولوجية والداعية المتحمس لها ،يعود ابرز مشكلات الثقافة والمثقفين وتراجع ادوارهم الى ظاهرة تصنيف المثقف وفقا لمنحدره الطبقي والاجتماعي وانتماءه السياسي وربما المكاني والمذهبي ،يربط الكثير من الباحثين بين المثقف العراقي ونشوء الطبقة الوسطى ،ويتواصل الجدل في الوسط العلمي والثقافي بين تدهور دور المثقف وبين تراجع الطبقة الوسطى ذات المصلحة في الاستقرار السياسي والحرية الاقتصادية والنظام الديمقراطي التمثيلي المجسد لمصالح القوى المجتمعية ،وحيث هيمنت الشمولية والقمع والحصار والفقر والافقار فيما سبق وانهارت الطبقة الوسطى كاملا ،لم يكن متيسرا الحديث عن مثقف عضوي منحاز الى المجتمع ومدافع عن الحريات وكاشف لطبقات التسلطية داخل البنية الاجتماعية والسياسية وناقد للدوغماتية ،بل كان المثقف ينوس بين الالتحاق بالسلطة وبين الهروب من مخالبها الى حيث المنافي ودور الهجرة والتهجير والمراقبة عن بعد وربما دون معايشة مباشرة ، بعدما سقطت الشمولية كان متوقعا ان يستعيد المثقف النقدي دوره لكن شيوع الاحتراب السياسي جعل الدفاع عن الوجود والبقاء قيد الحياة أولوية حياتية لدى الافراد اتقاء لشر العنف والصراع الهوياتي وأدى ذلك الى ظهور سلوكيات الاستسباع السياسي والطفيلية المالية المحمية بجماعات الدفاع عن مصالح الطوائف والقوميات ،ثم ظهرت مكاسب الحالة الانتقالية نتاج الاضطراب والقلق السياسي ، لتشيع قيم ومعايير سلوكية جديدة اضافت مشكلات جديدة للمشكلات السابقة التي عانى منها العراق ،لذلك كان الحديث عن دور االمثقف في مجتمع خارج من الحروب والعنف ويعيش علاقات سلطة تقوم على التنازع والصراع نوعا من البطر والاوهام ،فليس هناك سوقا لبضاعة المثقف الفكرية والتنويرية لدى جمهور محبط مشغول باولويات تفرضها انساق القوة والسلطة وسباق الجري على الثروة وأوهام العيش الرغيد والحصول على الجاه الاجتماعي والموقع السياسي النافذ ، في هذه الاحوال يبدو المثقف العراقي باحثا عن دور غير متاح له ،انه يعيش اغترابه النفسي والواقعي والعملي بين الوظيفة والدور المفترض ، وبين تقلص مساحات الفعل والتأثير فهو محاصر بين حزبية راسخة غير مرئية ،وبين امكانات شحيحة ومساحات مغلقة ،أخطرها انغلاق الوعي الاجتماعي على الهامشي والسطحي من الاهتمامات ، في حين تتجه الدولة والمجتمع الى وجهات غير أمنة سياسيا واقتصاديا ، ويتدهور الراسمال الاجتماعي والثقافي الى مستويات متدنية تسودها قيم العشيرة والطائفة، وتنحدر فيها السلوكيات السياسية والمجتمعية الى مزيد من الانحطاط الاخلاقي دونما وقفة جادة لمنع هذا الارتكاس المتزايد ،لدينا مشكلات كبرى وكبيرة تبتدأ في اصل العلاقة بين المواطن والدولة وتمر بالهوية والاحزاب ووجهة المجتمع المستقبلية وامن البلاد وتنميتها وطرق اقتسام السلطة والثروة وتوزيع الدخل وبناء الانسان والثقافة والتعليم وتكوين الراسمال الثقافي وعلاقة كل ذلك بالقوانين والمؤسسات والادارة والتخطيط وقيادة العملية السياسية التي تنبثق منها رؤية السياسات العامة……)) .

3- التصارعية المشرقية Oreintal Agonism: رؤى وتصورات .
هالني ما عرضه المفكر السياسي ابراهيم العبادي في عموده المهم والمنوه عنه :المثقفون في العراق ، ماهو دورهم ؟
ولكون هوامش الصراع السياسي والاجتماعي والمذهبي والديني والاثني والنزاعات القائمة بين امم الشرق والغرب ، اخذت جميعها تقضم من حافات المثقف العراقي واستقطاباته وعلى مدار الاعوام المئة الاخيرة في بلادنا ، فقد امست الثقافة تخضع بالغالب الى ظاهرة نقدية يطلق عليها : ان اجاز لي التعبير بالتصارعية المتحيزة - biased agonising وهي هيمنة ثقافية متحيزة في جوهرها - Biased cultural hegemony اذ تتكتل بين الجماعات الثقافية المتناثرة ولاسيما ضمن شتات الطبقة الوسطى .
لذا فان التصارعية المتحيزة كمسالة ثقافة نقدية مجتزأة امست نظرية سياسية احتماعية تؤكد على اظهار الجوانب الايجابية في محضر الدفاع عن الفئة او الطائفة او الاثنية التي ينحاز اليها المثقف بكونه ناقد ضمن الجماعات ذلك عند اظهار الجوانب السلبية للطرف المناوئ سواء اكان ذلك الطرف سلطة او طائفة او حزب او قومية وعبر معادلة اساسها ((التصارعية الايجابية المتحيزة )). وبهذا يُظهر المثقف الناقد قدر واسع من الاقناع او القبول وباشكال مختلفة المحتوى والمضمون وبايجابية من الاندفاع لمصلحة مجموعته (اي مجموعة الطرف الناقد )ضمن ثقافة تفكير فرضها العقل الجمعي الشديد (التحيز )الضعيف في استقلاليته الفكرية والمتخبط بمناخات ايديولوجية خلت من مرتكزاتها الموضوعية النقدية بالغالب وعلى مدار القرن الاخير .
4- ختاما، ما يمكن قوله ان التصارعية المشرقية المتحيزة الحالية للمثقف النقدي بنيت على عقد اجتماعي سياسي ظل يقوم على ثلاثية ريعية قوامها : الغنيمة والقبيلة والعقيدة، وهي (ثقافة تصارعية مغتربة -An alienated cultural agonism ) لا يتوافر لها اي اساس تاريخي تراتبي يحقق الانتقال الى حوار بناء في الاجتماع السياسي يوصل الى مجتمع ديموقراطي راسخ يفضي الى الحرية والرفاهية الفردية. ففي خضم غياب تحولات اجتماعية رصينة تقوم على التطور التاريخي اساسها :توافر بنية تحتية تاريخية لقوى الانتاج وعلاقات الانتاج الاجتماعية ) لا تقود بلا ريب الى توافر سببية موضوعية لقيام (بنية سياسية فوقية ) يولد من خلالها حراك المثقف النقدي التصارعي الذي (يستجوب السلطة مقابل سلطة الاستجواب ) . فالثقافة التصارعية المشرقية (المغتربة ) ستبقى نتاج قوة سياسية قائمة على (العِقد الاجتماعي الشرقي التقليدي ) الذي مازال متطرفًا في ثلاثيته : الغنيمة والقبيلة والعقيدة.
(( انتهى )).

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت