على تخوم المسألة الشرقية .. حرب الخرطوم انموذجاً.

مظهر محمد صالح
2023 / 4 / 17

 1-تمهيد :
بدأ السودان مسيرة التحول إلى الديمقراطية بعد انتفاضة شعبية في أبريل / نيسان عام 2019 أطاحت بحكم عمر حسن البشير، وهو حاكم إسلامي نأى عنه الغرب وحكم البلاد لنحو ثلاثة عقود.
 وبموجب اتفاق أُبرم في أغسطس 2019، وافق الجيش على تقاسم السلطة مع مدنيين ريثما يتم إجراء انتخابات. لكن ذلك الترتيب تعطل فجأة نتيجة انقلاب عسكري في أكتوبر 2021 تسبب في سلسلة من الاحتجاجات الحاشدة المطالبة بالديمقراطية في أنحاء السودان.

هالني مايجري في العاصمة السودانية الخرطوم منذ صباح يوم 14 نيسان 2023 من اقتتال بين الشعب الواحد ، وهو امر ليس ببعيد عن الموجات العارمة التي اجتاحت التخوم الجغرافية لخريطة بقايا بلدان وتقسيمات ما اسميه
بالمسألة الشرقية Eastern Question ،
انه صراع الدول الاوروبيه التاريخي على أملاك الدولة العثمانيه اثر ضعفها وهو الحوار الذي دار في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ومطلع القرن العشرين في اوروبا حول مصير مناطق الدولة العثمانية .ففي يوم بدأ الحديث عن المسألة الشرقية عام 1774 مع الحرب الروسية العثمانية (1768-1774) وانهزام العثمانيين ، ساد اعتقاد أن انحلال الدولة العثمانية بات وشيكاً، فانخرطت القوى الاوروپية في صراع على السلطة لضمان مصالحهم العسكرية والاستراتيجية والتجارية في أراضي الدولة العثمانية. فاستفادت روسيا القيصرية من اضمحلال الدولة العثمانية بينما سعت كل من النمسا والمجر ،وبريطانيا إلى الحفاظ على الوضع القائم لأن ذلك يصب في مصلحتهما. وقد انتهت المسألة الشرقية بعد الحرب العالمية الاولى التي كان أحد نتائجها انهيار الدولة العثمانية، وقد رتبت
‏‎اتفاقية سايكس بيكو (وهي المعاهدة السرية الموقعة في العام 1916بين بريطانيا وفرنسا
‏‎بمصادقة من الإمبراطورية الروسية وإيطاليا ) اقتسام منطقة الهلال
‏‎الخصيب بين فرنسا وبريطانيا نفسها.

2- كتب المفكر السياسي حسين العادلي وهو يخترق دخان معارك الخرطوم وضحاياها من الشعب السوداني ليصف وضع الشرق وتخوم المسالة الشرقية بمقال تحليلي واسع عنوانه : موت الدولة الشرقية .
اذ يؤكد العادلي بالقول :
• ماتت الدولة الشرقية أو هي في طريقها إلى الموت أو إعادة الإنتاج.
هذا ما تعيد تأكيده التطورات في مختلف دول المنطقة، فهي بين موت كلي لنظامها السياسي بفعل حركات الثورة والعصيان والتمرد الداخلي، وبين موت/التغيير الذي يجريه قادتها على طبيعتها ونظامها وهويتها، أو ما زالت تعيش مأزق النظام والوحدة والإستقرار. فلم يعد نموذج هذه الدولة صالح للحياة على اختلاف أنظمتها وأيديولوجياتها، والعمل جار لإعادة إنتاجها.

• موت وولادة دول،.. هذه هي سمة الأبرز لحركية التاريخ في منطقتنا، تاريخ يحمل من المتغيرات الجوهرية ما سيطال بنى المجتمعات الشرقية في جوانبها السياسية والمجتمعية والإقتصادية والثقافية كافة، وسيغير من بنية الدولة التقليدية التي قامت منذ بواكير القرن التاسع عشر الميلادي. فرياح التغيير شملت وستشمل دول المنطقة بأسرها، وسيعبّر هذا التغيير عن نفسه بانقلاب شامل أو جزئي لأسس ومعايير وإدارة هذه الدولة أو تلك، فقد انهارت أنظمة بشكل كلي، وتسعى أنظمة أخرى لإعادة إنتاج داخلها السياسي والإجتماعي والإقتصادي.. للخروج بأقل الخسائر الممكنة.

• قد تفلح قيادات بعض الدول بإجراء تغييرات جذرية حقيقية تلبي طموحاً مقبولاً لمعايير الدولة الوطنية مما سيقلل من خطر تداعي النظام العام ووحدة الدول وسلامة مجتمعاتها،.. إلاّ أنَّ الفشل ما زال قائما بتخطي أزمة الدولة هنا وهناك، بفعل حدة انقسام أمم الدول إلى هويات مجتمعية فرعية متحاربة، وبفعل غياب البديل الوطني الناضج والقادر على شغل الفراغ بدل الإتجاهات المتطرفة، وبفعل الفشل التنموي وعدم التأهيل المجتمعي السياسي والثقافي الذي قاد إلى العدمية السياسية، وبفعل صراع الأجندات الكبرى إقليمياً دولياً.

• بموت الدولة انكشفت تناقضات أمتها الوطنية، وهذا هو وصف المشهد الحالي لأمم الشرق الأوسط،.. لقد انبعثت جميع القوميات والطوائف والإثنيات والإيديولوجيات لتعبر عن نفسها وخصوصياتها ورؤيتها وإرادتها، في مشهد يسوده الخلاف البنيوي والصراع الدموي تجاه جميع قضايا الدولة المراد إعادة إنتاجها. وهو أمر طبيعي إلاّ أنه غير صحي، فهو طبيعي لأنَّ مشروع الدولة لدينا قام واستمر على وفق مقومات الإستبداد والتمييز والأدلجة، فحطم وحدة أمّة الدولة وفشل ببنائها وفق معايير المواطنة والمشاركة والتنمية وأبقاها تقليدية غير مؤهلة. وهو غير صحي كونه يجري وسط تناقضات مجتمعية اقتصادية ثقافية حادة وصراع هويات غرائزي واحتراب مصالح وأجندات كوني.

• أمم الشرق الأوسط اليوم تمر بمرحلة اكتشاف وبناء الذات السيادية، إلاّ أنه إكتشاف وبناء في لحظة مرضية وقلقة وخطرة ومصيرية،.. فهي لحظة تاريخية مريضة ومأزومة، بسبب أنّ المجتمعات تمارس الإكتشاف من موقع الذات العرقية الطائفية الإثنية السياسية المتضخمة والمندفعة بجنون للتعبير عن الخصوصية والمصلحة بعد عقود التمييز والقهر والحرمان. وهي لحظة قلقة لا يمكن التأسيس عليها لتشظيها واستلابها وانفعالها بغريزتها العاطفية المطلبية غير المعقلنة، وهي خطرة كونها موهمة وإلغائية تحول دون اكتشاف المشترك الوطني والمصالح الكلية لإعادة بناء الدولة من جديد، وهي مصيرية كونها تأسيسية وتجري وسط توظيف مصالحي تآمري إقليمي دولي.

• دول الشرق الأوسط تعيش المخاض، فإما أن تلد دول وطنية موحدة عادلة وناجحة، وأما أن تفترسها دويلات عرقية وإمارات طائفية وكيانات إثنية لتشكل خرائط سيادية جديدة، وأما أن تعيد إنتاج الفشل باعادة إنتاج أنظمتها القديمة، وأما أن تبقى تعيش الصراع والفوضى والفساد والإستلاب.
ولقواها ونخبها ومجتمعاتها الخيار، وعليها الإختيار.
3-يال روعة المنطق والتحليل التاريخي السياسي الاجتماعي للدولة الشرقية كما شخصها المفكر العادلي ، فهي الدولة بكياناتها التي انتقلت من ارث الاستعمار الى ارث الانظمة الشمولية ،ابتدأتها باستبداد الملكيات وانحدرت بها الدكتاتوريات الجمهورية.. مع هيكلة ايديولوجية وتبدلات معتقدية تخبطت بين الفكر السياسي الغربي المركزي وبين الفكر المعتقدي لتخوم الشرق ، حتى ولد لدينا اليوم مزيج فكري هجيني لا ينتمي للحاضر ويحمل الكثير من اللاشيء نحو المستقبل.

4- استبدلت النتائج السياسية للشرق في اخر المطاف وعبر معارك شوارع الخرطوم وعبر قرن من الزمن جمهورياتها المستبدة بدويلات الطوائف وهو النمط الهجيني السياسي الشرقي الجديد المتكسر والمفعم بايديولوجيات ملونة تعجل تلقائياً من حالة الاحتضار قبل زوال الوجود السياسي التقليدي بكل تطوراته ومنحدراته نحو الابهام !.
انها قصة مئة عام عاشتها نتائج المسألة الشرقية وخلصت بتجرية سياسية انتهت تتعثر بتنوع سبل زوالها .

ختاما،بين موت الدولة على تخوم المسالة الشرقية من طرابلس الغرب الى صنعاء مرورًا بالخرطوم وغيرهم ، يختزل الشرق الاوسط مشهد الدولة- الامة التي تمزقت الى شتات من دويلات -الطوائف والقبائل والاثنيات سواء الرسمية منها او الموازية، لنخلص بنتيجة واحدة مفادها .. موت الدولة الشرقية .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت