النفس في الذات الانسانية / التوافق مع الذات (3)

عمر قاسم أسعد
2023 / 4 / 15

النفس في الذات الانسانية / التوافق مع الذات ( 3 )

إن كل ما يتعرض له الانسان من مشكلات تمر به في مسيرة حياته وتسبب له الكثير من المعاناة والألم ما هو إلا انعكاس للمعاناة والألم التي يسببها الانسان لنفسه من خلال الصراع الأزلي بين الانسان وذاته فيما هو كائن أو ما يريد أن يكون ، بما هو ملكا له أو أن لا يكون ملكا له .
وهذا التضاد المترسخ في النفس الانسانية يسبب الكثير من المعاناة لأنه في هذه الحالة يكون توجه الانسان نحو الخارج المحيط به في محاولة منه ليكون جزء من هذا المحيط والتوجه إليه بدل أن تكون كل أجزاء ذاته متوجهه نحو الذات لضبطها والسيطرة عليها للتخلص من كل أنواع المعاناة .
إن وجود العلاقة بين الذات ( كذان انسانية متكاملة ) ــ الذات المطلقة أو الذات الخاصة للانسان ــ وما بين الذات التجريبية والتي تعني الكيان الاجتماعي للانسان من خلال ما يحيط به ، مما يؤكد أن المعاناة التي يعيشها الانسان هي نتيجة الصراع بين أقانيم الانسان التي تشكل ذاته المتكاملة والمادة التي تحيط به ، والصراع الذي يسببه الانسان لذاته يزداد كلما تقمص أدوار ليست له وهو بهذه الحالة يضع ذاته المتكاملة في مكان وزمان ليس من المفرض ان يكون به .
وعلى سبيل المثال لا الحصر اذكر هذا المثال من الواقع
( أنت جالس في بيتك مع اسرتك وتشاهد فلما مشوفا في التلفاز ، يظهر بطل الفلم وهو يكافح ويقاوم الاشرار ، البطل يتعرض للهجوم من عدد كبير من الاشرار ، الهجوم يزداد عنفا وقسوة لدرجة أن البطل تعرض لاصابات بالغة .
إن شعورك وأنت تشاهد هذا الفلم أنك تقمصت شخصية البطل وانصهرت معه ونقلت ذاتك إلى مكان وزمان أخر ليس من المفروض أن تتواجد فيه . يزداد انفعالك . يزداد توترك وتتوحد مع الحدث الوهمي.
أنت تتعرض للهجوم بدلا من بطل الفلم والمثيرات الخارجية تزداد قوة في داخلك مما يحتم عليك أن تبدي استجابه ، تزداد وتيرة الانفعالات والتوتر وتزداد المعاناة التي سببتها لذاتك من خلال تقمصك الخاطيء ، يبدأ جسدك بالتحرك واعطاء اشارات للبطل بالتحرك هنا أو هناك أو الابتعاد عن مكان تلقي الضربات ، ويبدأ عقلك بالتفكير والبحث عن طرق الخلاص من الحدث التي وضعت ذاتك به . يتحدث معك أحد أفراد الاسرة ، لا تسمعه ، وإن سمعته لا إجابة .
ينتهي عرض الفلم ، تعود إلى واقعك ــ زمانك ومكانك ــ ، تشعر أن جسدك ــ المادي ــ بدأ يعود لمكانه ووعيك بدأ يدرك ما حوله ، وحالتك النفسية تستقر تدريجيا لتتنتهي حالة التوتر ، أي أنك تسعى لاجراء عملية التحرر من المعاناة التي خلقتها لذاتك ، على الرغم من أنك متحرر مسبقا ــ قبل عرض الفلم ـــ من المعاناة لأنك لست بطل الفلم الذي تقمصت دوره ولست في الزمان ولا المكان الذي وضعت ذاتك فيه ،
((( وأوكد مرة ثانية أنك تسعى لاجراء عملية التحرر من المعاناة التي خلقتها لذاتك على الرغم من أنك متحرر أصلا قبل عرض الفلم )))
إذن هي ذاتك الوهمية من سبب لك كل هذه المعاناة الوهمية وذاتك الوهميه من خلقت هذا الصراع بين الذات والذات من خلال التوحد مع قضايا لا يجب أن تتوحد فيها .
إن التوحد الخاطيء بين الشخص والأخر أدى إلى بروز ظاهرة المعاناة وبالتالي بدأ الألم ، إن التوحد مع الذات بكل أقانيمها كذات انسانية متكاملة لا يمكن أن تسبب الذات لنفسها أي نوع من المعاناة والألم ، بل أن التوحد الخاطيء بين اقنوم وأخر على حساب باقي الاقانيم يجلب المعاناة ...
عندما ندرك ذاتنا بالشكل الصحيح نتخلص من المعاناة ، عندما ندرك أننا نمتلك روحا ننتمي اليها ولا نتجه نحو الانتماء للمادة بمعنى أننا كذات انسانية كيان ( نفسي روحي وجداني ) أكثر منه كيان عضوي مادي، لأنه إذا نظرنا لأنفسنا أننا ذات متجسدة في الكيان العضوي المادي فإننا سنناضل من أجل المحافظة على وجودنا العضوي المادي .
عندما لا نسمح لانفسنا بخلق المزيد من حالات ( الأنا ) ولا نعمل على تقويتها لأننا إن فعلنا ذلك سيتم تحويل ذاتنا وكل ما يحيط بنا إلى ( لي أو ليس لي ) ( خاصتي أو ليس خاصتي ) وهذا ما يعزز وجودنا ككيان عضوي مادي ، وكلما زاد تعلقنا بمشكلات ومواضيع ــ هامشية ــ تدعونا للمحافظة على ذاتنا كذات عضوية مادية كلما زاد الارتباط بكل هذه المواضيع والمشكلات خوفا من فقدان الذات للخبرات والتجارب التي تثير فيها الشعور باللذة .
وكلمات بدأت الذات بالنظر إلى موضوعات تهددها ــ كذات عضوية مادية ــ هنا تقوم الذات بإعطاء استجابة وبروز الشعور بالكراهيه والمقت الشديد للتخلص والقضاء على كل ما يهددها مما يؤدي إلى أن تظهر لدى الذات قوتان متضادتان الأولى قوة التعلق بالأشياء وحبها ، والقوة الثانية الكره والمقت وينتهي الصراع بتغلب قوة على أخرى مما يؤدي إلى المزيد من المعاناة .
إن كل ما سبق يؤكد لنا أن الانسان كأقانيم متصارعة متضادة يسعى كل أقنوم للتغلب على غيره لتحقيق الانتصار سيجلب له المزيد من المعاناة والألم ،
لذا فإن على الذات كذات متكاملة أن تعمل من خلال فهم ذاتها كذات انسانية متكاملة وعندما يتحقق ذلك ستكون الذات قادرة على امتلاك القوة للقضاء على كل القوى المضادة التي تدعم وتقوي كل اقنوم على حده وبالتالي تزيد من حجم الألم والمعاناة ،
عندما تتوحد الذات مع الذات سيكون بمقدور الذات إنهاء كل عمليات تقيدها بموضوعات لا تنتمي إليها

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت