قراءة في كتاب -حصار الثقافة بين القنوات الفضائية والدعوة الأصولية- لمصطفى حجازي

صلاح الدين ياسين
2023 / 4 / 10

كتاب من تأليف المفكر والأكاديمي المصري مصطفى حجازي، صدرت طبعته الأولى في العام 1998 عن المركز الثقافي العربي. بالرغم من أن هذا العمل صَدَر على مشارف القرن 21، في مسعًى لاستشراف الرهانات والملامح العامة للألفية الثالثة، فإنه ما يزال يكتسي راهنية كبيرة، لجهة الموضوعات والأفكار الهامة التي يحفل بها الكتاب. ووعيًا منه بأهمية الثقافة، كعنصر لا غَناء عنه في نهضة أي أمة، أضاء حجازي على المأزق الثقافي الجديد، الذي ألقى بثقله على العالَم بأسره، والمتمثل في التقاطب الناشئ بين ثقافة الصورة والثقافة الأصولية، مما أفضى إلى تهميش الفكر العقلاني – النقدي، والعجز عن مجابهة التحديات الكونية:
مرتكزات ثقافة الصورة وأبعادها
يذهب المؤلف إلى أن ثقافة الصورة تروج لإيديولوجيا السوق، واللهاث وراء الربح السريع، الذي حل محل الإنتاج الاقتصادي بمفهومه الكلاسيكي ذي المنزع العقلاني، لما كان يقتضيه من إعداد، وتنظيم، وتخطيط مسبق. وهكذا، تطفو ثقافة الصورة على السطح، في ضوء الانتشار المتعاظم للفضائيات التلفزيونية الكبرى، التي أمست في جلها خاضعة لسيطرة الشركات الاقتصادية والتجارية، ليصبح شغلها الشاغل ترويج ثقافة السلعة والاستهلاك، من طريق التمادي في عرض الإعلانات التلفزيونية، التي تخاطب لاوعي المشاهد وغرائزه، بغية إشباع رغبة الرأسمال في الربح السريع، مع ما يُوَلده ذلك من تعطيل للحس النقدي لدى المشاهد.
وتأسيسا على ذلك، يؤدي تغلغل ثقافة الصورة إلى ضرب من تنميط الأذواق والميول، وتشكيلها على مقاس الرأسمال (ثقافة الأكل السريع لدى الناشئة... إلخ)، مما من شأنه أن يحد من التعددية الفكرية والثقافية. كما تنبني ثقافة الصورة على إلغاء العقل النقدي، وتبسيط الظواهر المعقدة، بدل إخضاعها للتحليل المعمق، وهو ما يَبرُز - على سبيل المثال لا الحصر - في عرض بعض المحطات التلفزيونية للأحداث السياسية والمآسي العالمية، صدورًا من مقاربة سطحية، لا تأخذ في الحسبان سياقها السياسي والتاريخي، وأسبابها وأبعادها العميقة.
مرتكزات الثقافة الأصولية وأبعادها
يشير الكاتب إلى أن العودة القوية للأصوليات - بما فيها الدينية - هي ظاهرة كونية، في ضوء الانتشار المتنامي لوسائل الإعلام والاتصال، الذي زاد من نفوذها (ظاهرة المبشرين الدينيين التلفزيونيين بأميركا كمثال). وفيما يتعلق بالتأصيل المفاهيمي للظاهرة، يورد مصطفى حجازي بأن مصطلح الأصولية يعود بجذوره إلى حركة بروتستانتية – أمريكية – محافظة، نشأت في القرن التاسع عشر، والتي استندت إلى التأويل الحرفي لنصوص الإنجيل، والاعتقاد بالعصمة من الخطأ، وعودة المسيح الثانية الوشيكة... إلخ. ثم ما لبثت أن انتعشت بعد الحرب العالمية الثانية، في سياق مواجهة الشيوعية، وما تصفه بظواهر الانحلال الاجتماعي، مثل الإجهاض والمثلية والنسوية... إلخ. وعليه، استُعملت الكلمة في السياق العربي – الإسلامي، كترجمة للفظة Fundamentalism الأميركية الأصلية، للدلالة على المناداة بالعودة إلى أصول الإسلام الأولى، واحتذاء السلف الصالح.
كما تناول المؤلف الأسباب العميقة لاستشراء الظاهرة الأصولية، ففي دول الغرب الصناعي، نجد الشعور بالتفكك والاغتراب، كنتيجة لتغول النزعة المادية – الاستهلاكية، وطغيانها على ما هو روحي، ناهيك بتبدد الشعور بالهوية والانتماء، بفعل العولمة الكونية التي فسخت حدود الزمان والمكان، فضلا عن انكماش جماعات الانتماء الأولية (كالأسرة) وفقدانها لسلطتها، وهكذا يبدو الانتماء إلى الحركات الأصولية لدى البعض سبيلا لاستعادة معنى وقيمة الوجود. أما في دول "العالم الثالث" تحديدًا، وفي جملتها البلاد العربية، تَبرز مجموعة من المسببات للزحف الأصولي، لعل أوضحها إخفاق مشاريع التنمية والتحديث، التي حملت مشعلها حركات التحرير الوطني، دون إغفال استفحال الأزمات المعيشية (فقر، بطالة، تهميش... إلخ).
وعطفا على ما سلف، تستند الثقافة الأصولية إلى جملة من المرتكزات، في مقدمتها الاعتقاد في امتلاك الحقيقة المطلقة، والجواب اليقيني الجاهز، المتمثل في العودة إلى نقاء العقيدة، أو العرق، أو القومية، مع ما يبعث عليه ذلك من نبذ للآخر، ومصادرة لحقه في الاختلاف، مما قد يفضي إلى نشوء العنف والصراع، ناهيك بالموقف المتشدد حيال الذات ورغباتها، وما يُثيره ذلك من كبت وقهر نفسي، وصولا إلى استتباع المرأة وإخضاعها، بالنظر إلى الطابع الذكوري لتلك الحركات.
الذكاء الجماعي كحل لمآزق الثقافتين
لعل المشترك بين ثقافة الصورة والدعوة الأصولية حصارهما للثقافة العقلانية – النقدية، وما يتصل بها من قيم سامية: الانفتاح، والتعددية، والحوار، والتسامح... إلخ. ومن مظاهر معاداتهما للعقلانية: الزعم بقطعية الحقيقة بدل الاعتقاد بنسبيتها، وأد التفكير العلمي والنقدي، الانصراف إلى إثارة الغرائز العدوانية للإنسان، السعي إلى تجريد الدولة الوطنية من مشروعيتها ووظائفها الحيوية، سواء بذريعة خروجها عن الملة عند الأصوليين، أو بوصفها قيدا على حرية التنافس الاقتصادي لدى دعاة السوق الرأسمالية الحرة، الإخلال بالتوازن الوجودي الضروري للإنسان، من حيث إشباع الحاجات الحسية والروحية على السواء، إذ تُمعن ثقافة الصورة في تعميم النزعة المادية - الاستهلاكية الجامحة، بينما تتنكر الثقافة الأصولية لحاجة الإنسان المتأصلة إلى الترفيه والترويح عن النفس.
وعليه، تبدو الحاجة ماسة - أكثر من أي وقت مضى – إلى إعادة الاعتبار للثقافة العقلانية النقدية، وتكريس التفكير المشترك والبناء الجماعي، إيمانًا بوحدة المصير الإنساني المشترك، إذ أن خيار العزلة والتشرنق على الذات ما عاد ممكنا في عصر العولمة في ظل التحديات والمخاطر التي تتهدد كوكبنا (= التلوث والتغير المناخي، التفاوتات الاجتماعية الفاحشة، أسلحة الدمار الشامل بما هي تهديدٌ لوجود البشرية، حروب الهوية... إلخ)، واغتنام الفرص التي يعج بها عالمنا، في سياق الانتقال إلى اقتصاد المعرفة، القائم على المعلومة، والاتصال، والابتكار، والإنتاج الفكري... إلخ.
وترتيبا على ذلك، تتصدر الأجندة الفكرية جملة من الأولويات الملحة: ضرورة تجديد الفكر العربي الذي ما فتئ يجتر المواضيع والقضايا عينها، وهو بذلك يبدو عاجزا عن مواكبة التحولات العالمية المتعاظمة، ناهيك برهان الانخراط في العولمة دون تفريط في الجوانب الحية من هويتنا الثقافية، فضلا عن المساهمة في الإنتاج الحضاري عوض الاقتصار على استهلاك منتجات الآخر، مرورا بمحو الأمية المعرفية لكسب رهانات اقتصاد المعرفة، عبر تجديد مناهج التعليم بتنمية التفكير النقدي والإبداعي، وصولا إلى ترسيخ الثقافة الوطنية المدنية كبديل للولاء الأعمى للعصبيات بمختلف أنواعها (طائفية، مذهبية... إلخ)، دون إغفال موضعة الإنسان في قلب أي مشروع نهضوي بوصفه القيمة والغاية الأسمى.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت