ما مشكلة الاستبيان الاخير حول العراق ؟

محمد رضا عباس
2023 / 4 / 9

نشرت معظم الصحف العراقية وبعض الصحف العربية نتائج استبيان اراء العراقيين عن وضع العراق القائم مقارنة مع النظام السابق ,اعد من قبل مؤسسة غالوب الدولية وهي مؤسسة تهتم بجمع المعلومات ومعروفة على النطاق العالمي . الاستبيان كشف من ان اغلب العراقيين يحنون الى فترة صدام حسين , وهو خبر اثلج قلوب انصار النظام السابق في الداخل والخارج .
ليس لدي أي اعتراض على خبرة مؤسسة غالوب , فهي معروفة بخبرتها العالمية , وليس لدي مشكلة مع حجم العينة والتي كانت 2,024 شخص, ولا عن درجة نقاوة النتائج , الا انه يوجد اعتراض على الية اجراء الاستبيان واعمار المشاركين في الاستبيان . حسب ما قراءته من على صحيفة " المدى" العراقية وما ذكره السيد منقذ داغر , المسؤول عن اجراء الاستبيان , بشمول الشباب ومن كل محافظات البلد وان اختيار المشاركين جاء وفق طريقة الاستبيان العشوائي " Probabilistic " . هنا أقول اذا كانت نتائج هذا الاستبيان جاءت من أجوبة عراقيين من اعمار 20 عاما او 30 وحتى 40 عاما , فان نتائج الاستبيان باطلة وليس لها أي قيمة و للأسباب التالية:
1. ما علاقة الاستبيان بالمليشيات . من المفروض ان يكون الاستبيان سريا , أي بحضور مسؤول الاستبيان و الشخص المستبين فقط , خاصة وكما قيل عن الاستبيان بانه اخذ العينات بطريقة احتمالية " probabilistic". الأستاذ منقذ ادخل كلمة مليشيات ولم اعرف الهدف من ذكرها , حيث يقول " يخشى بعض الناس التعبير عن آرائهم خاصة وسط النفوذ المتزايد للميلشيات". اغلب الظن ان الأستاذ منقذ أراد ذكر " مليشيات " ليعطي انطباع من ان المليشيات ما زلت تلعب بمصير العراق , ارضاء لبعض الجهات .
2. كما هو معروف ان نتائج الاستبيان تتأثر بالكثير من العوامل , الطقس, الوضع الاقتصادي للمستبين , العمر , الجنس و الدجة الثقافية وهو ما اعترف به السيد منقذ حيث ذكر ان الطقس وانقطاع الطاقة الكهربائية المتكرر يؤثر على نتائج الاستبيان . واكثر من ذلك ان نتائج الاستطلاع وجها لوجه يتأثر بطريقة طرح السؤال , جنس القائم بالاستبيان , وحتى قيافته و جاذبيته للمستبين . بكلام اخر , وانت تتناول وجبة الإفطار وفجأة ينقطع عنك التيار الكهربائي , بالطبع ستلعن الحكومة والذي جاب الحكومة .
3. اذا كان عمر المشارك 25 عاما او 30 فانه من المستحيل الاعتماد على آرائه والسبب ان هذا الشخص كان عمره في زمن نظام حزب البعث 5 او 10 سنوات . وكما يعرف القارئ ان مثل هذه الاعمار لا تعرف ما يجري من حولها , حيث ان اعتمادهم على ذويهم يكاد يكون كليا . اذن دخول هذه الشريحة في الاستبيان ليس له معنى ويعطي نتائج غير ذو قيمة.
4. حتى أصحاب اعمار 40 عاما , والذين قضوا عشرين عاما تحت النظام السابق لا يمكنه القول ان تلك الفترة الزمنية كانت جميلة . هذه الفترة كانت بضمنها نهاية حرب ايران , دخول العراق الى الكويت , حرب الخليج الأولى والثانية وفي الاخير الحصار الاقتصادي العالمي الذي ضرب على العراق . عدا ان يكون المشارك من انصار النظام السابق , فان الاخرون ذاقوا مرارة تلك الأيام وذاق الفقر و كسر عظامهم .
5. سأكون مطمئنا لنتائج هذا الاستبيان ان كان المشاركين من اعمار 60 عاما وما فوق , وهؤلاء عاشوا كارثة العراق تحت ظل حكم حزب البعث وعاشوا العمليات العسكرية ضد أبناء إقليم كردستان , حرب العراق وايران , حرب الخليج الأولى والثانية , والحصار الاقتصادي العالمي ضد العراق. هؤلاء من ذاق ويلات الحصار ومنهم من اضطر بيع اثاث داره من اجل توفير الدواء والطعام لأبنائه . هؤلاء من دق الفقر عظامهم واضطروا الى البحث عن أي عمل من اجل توفير لقمة عيش لعوائلهم , وهؤلاء من عاش الرعب من القوى الأمنية والتي كانت كافية بإصابة افراد العائلة بمرض السكري اذا طرق الباب عليهم بعد السادسة مساءا. من عاش هكذا معاناة لا يمكنه القول ان الزمن الماضي كان زمن جميل .
6. نفهم جدا ان المكون السني في العراق ليس راضيا على التغيير, حيث انهم تثقفوا على ان يكون العراق من حصتهم وتحت قيادتهم وانهم امتدادا للحكومات التي حكمت العراق من زمن الدولة الاموية والعباسية والعثمانية و حتى اخر رئيس للجمهورية , صدام حسين. الا ان الاخوة كان من المفروض عليهم الفهم انه لا يوجد على هذا الكون شيء ثابت الا الله , وما دونه يتغير . ان المعادلة السابقة كانت غير عادلة ولابد من إعطاء مجال للأخرين الفرصة لقيادة البلد , حيث اصبح للبلد انتخابات حرة ديمقراطية وللجميع الحق في المشاركة فيها . نتيجة الاستبيان كشفت ان 54% من المكون السني يعتقدون ان الحياة كانت افضل في عهد صدام.
7. اندهش من القول ان 60% من الشعب العراقي يحن الى الماضي , وان 36% منهم قالوا ان الحياة في زمن النظام السابق افضل من الحاضر , فيما ان نظام صدام حسين قتل اقرب المقربين له . ففي اب 1979 أعلن صدام حسين من قاعة الخلد ان هناك مؤامرة ضده قتل بموجبها وبدون محاكمة أعضاء القيادة القطرية: «عبدالخالق ابراهيم خليل السامرائي ومحمد فاضل وعبدالوهاب كريم وكريم الشيخلي وصلاح صالح و فليح حسن الجاسم ومحمد عايش حمد ومحيي عبدالحسين مشهدي الشمري وعدنان حسين عباس الحمداني ومحمد محجوب مهدي الدوري وغانم عبدالجليل سعودي ومرتضى سعيد عبدالباقي الحديثي (قتل في السجن) وكردي سعيد عبدالباقي الحديثي(قتل في السجن)، والفريق الركن وليد محمود سيرت عضو قيادة المكتب العسكري للحزب قائد فليق. لا اعتقد بعثي لم تلطخ يده بدماء الأبرياء يحن الى ذلك العهد.
8. وكيف ينظر الى جمال النظام السابق وخلف وراءه عراق من افقر دول العالم , وشعب مقهور وخائف , ومقابر جماعية اكثر من 300 ؟ لا اعتقد ان شخص سوي يترحم على ذلك النظام الا اللهم كان هذا الشخص اما جاهل بما جرى من مصائب على العراق , او شخص لا يريد الخير الى هذا البلد الذي يعد جمجمة العرب .
9. بالحقيقة ان هذا الاستبيان كشف عن عمق كارثة الاعلام العراقي الرسمي والغير رسمي . وانا اتحدث عن الاعلام الرسمي والاعلام التابع الى الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم , جميعهم اجرموا بحق الشباب العراقي لعدم تثقيفه عن ماسي العراقيين تحت ظل النظام السابق . واذا وقف شاب وهو يمتدح نظام صدام حسين سوف لن اغضب عليه وانما اغضب على فشل الاعلام العراقي في توصيل المعلومة الحقيقية له . اعتب على الأحزاب الكردية على اخفاقهم في نشر ما حدث للعراقيين من قهر ورعب من النظام السابق , وكذلك على الأحزاب السياسية الشيعية , ومكاتب الحشد الشعبي. انه من اول واجبات الاعلام لهذه الأحزاب هو تثقيف المواطن عن مساوئ الديكتاتورية وعن الجرائم التي ظهرت تحت هذا النظام حتى يعرف الشباب العراقي ان الحرية التي يتمتع بها الان جاءت على جبل من جماجم العراقيين.
10. وبالطبع لا انسى تقصير مديرية المتاحف او من يدير المتاحف في العراق واذكرهم ان الملايين من البشر تزور متحف الهولوكوست في واشنطن , فلا اعتقد ان صرف عشرة ملايين دولار لبناء متحف يخلد شهداء ذي قار كثيرة على ميزانية العراق , ولا كثيرة على بناء متحف في البصرة يخلد شهدائها او في بغداد . السرقات في العراق بلغت المليارات من الدولارات , صرف 50 مليون دولار لبناء متاحف تؤرخ نضال الشعب العراقي ضد الديكتاتورية ليس مبلغ كبير , إضافة الى ذلك ان هذه المشاريع توفر فرص عمل لأبناء العراق و تضيف جمالا الى مناطق بناءها وتفتح باب رزق لعشرات الكسبة. وهنا استذكر مقال شيق للأستاذ خالد القشطيني وهو يقترح تأسيس " السياحة الصدامية " و بناء متحف على القبو الذي كان يختفي فيه الرئيس السابق صدام حسين وتضع لافته تقول :
( زوروا العراق ! تفرجوا وانظروا كيف خنع شعب عريق في المدنية لطاغوت جاهل)
( زوروا العراق ! تفرجوا على مشانق أبو غريب وكيف يشنق الاحرار بالجملة)
( زوروا العراق ! انظروا قوائم الدفع والعطايا للمثقفين العرب الذين باعوا ضمائرهم وخانوا رسالتهم)

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت