النفس في الذات الانسانية / التوافق مع الذات ( 1 )

عمر قاسم أسعد
2023 / 4 / 9


الانسان يتعرض ــ غالبا ــ إلى مشسكلات مما يضعه أمام عدة خيارات لعل أهمها المواجهة أو الهروب وفي كلتا الحالتين لا بد من حدوث عملية التفاعل ما بين الانسيان وما يواجهه من مشاكل .
وكلما كان الانسان متوافق مع ذاته مدرك لقدراته وقادر على ضبط أقانيم ذاته فإنه بالتالي يمتلك القدرة على مواجهة ما يحيط به من مشكلات مما يعزز لديه القدرة على وضع الحلول المناسبة للخروج من المشكلة أو على الأقل الحد منها ،
ونحن إذ نعيش في عصر دائم التطور والتغيير والتقدم الهائل في وسائل الانتاج والمكنكة والتطور التكنولوجي الهائل والذي أصبح فيه الانسان ــ العادي ــ عاجز عن تكييف ذاته والسير بذات السرعة الهائلة مع التطور ، مما أدى به إلى أن تتملكه المشاعر السوداوية حول المستقبل الغامض المليء بالتعقيدات ــ وإن لم يكن قلق على نفسه أو مستقبله فهو أشد قلقا على مستقبل أولاده والأجيال القادمة .
إن كل مشكلة أو خبرة أو تجربة أو موقف جديد يحيط بالإنسان يدعوه إلى مراجعة ما تم تخزينه من خبرات وتجارب سابقة مر بها على أمل أن يكون هناك تشابه ما بين المشكلة الجديدة مع ما يتشابه لمشكلة مرت به سابقا تم تخزينها في ذاكرته مع الاخذ بعين الاعتبار بعض الاختلافات في الظروف المحيطة بهذه المشكلة أو تلك ، ولا بد من امتلاك نسبة من الذكاء والايمان بقدرة الانسان على المواجهه للخروج من المشكلة بتحقيق نصر أو الخروج بأقل الخسائر وذلك حسب نوع وحجم وظروف المشكلة .
الطفل الذي ليس لديه مخزون من تجارب أو خبرات سابقة عليه أن يخوض تجارب ( مشكلات ) ليكون لديه خبرات يتعلم منها مستقبلا . الطفل ــ بطبعه ــ يميل ويسعى لاكتشاف ما حوله وبالتالي يتعرض للكثير من التجارب من مجاله الضيق ( البيت والاسرة ) ولاكتشاف ما حوله لخوض تجاربه يقوم باللعب بادوات ورميها والقفز هنا وهناك والتفاعل بمعظم ما يحيط به من اجل تحقيق اكتشافات جديدة وخوض تجارب جديدة وأيضا ليدرك ذاته في محيطه ، هو مستعد دائما لمعاودة محاولاته عدة مرات . وعلى الرغم من زجر والديه وربما ادى الأمر الى ضربه نتيجة سلوك معين مما يحدو بالطفل ان يقارن ما بين تصرفه ( كمثير ) وزجره او ضربه ( كاستجابة ) من والديه وبعد فترة يدرك الطفل ان تصرفه تجاه مسالة معينة أدت الى معاقبته وبالتالي يتم تخزين ما تعلمه في ذاكرته ليتعلم من هذه التجربة في مواقف مشابهه ، إن الطفل الذي يمد يديه إلى مشروب ساخن امامه يتعرض للزجر أو الصراخ عليه وربما توبيخه او ضربه من قبل والديه في محاولة منهم لابعاده عن مصدر خطر ، إلا أن القدرات العقلية للطفل لا تدرك أن سلوك والديه تجاه تصرفه ما هو إلا خوف عليه من الآذى .
يكرر الطفل محاولاته مرات ومرات في اوقات مختلفة وبعيدا عن أعين والديه لانه بفطرته يكتشف البيئة من حوله من خلال محاولاته وتجاربه ، ولكن إذا وقع المشروب الساخن عليه وسبب له الأذى فإن الطفل يتعلم من تجربته ومحاولته الذاتية لان الألم الذي شعربه نابع عن تجربة قام هو بها وبالتالي هو من سبب لذاته الألم وهنا يدرك الطفل ان تجربته الذاتية انتجت خبرة ذاتية جديدة تركت في نفسه أثرا أكبر وأعمق من أي طريقة أخرى وبالتالي زاد مخزون التعلم لمواجهة تجارب مشابهه وأدرك ان اللعب بالمشروب الساخن يؤدي إلى نتيجة سلبية مر بها ، ولو حاول أحد الوالدين أن يقرب له أي مشروب ساخن فإنه سرعان ما يهرب ويبتعد عنه لأنه تعلم من خبرته بتجربة ذاتية خاضها بذاته .
هنا يدرك الطفل أن تجربته الذاتية مع المشروب الساخن تركت فيه أثرا لا يمكن محوه وان تجربته الذاتية أصبحت مقياسا لكل موقف مشابه .
كلما كبر الانسان زادت تجاربه وخبراته ، وكلما توسعت دائرة تجاربه وخبراته تطورت مداركه وتطورت قدراته وزاد تفاعله مع محيطه مما يؤدي إلى بروز فكرة انه مركز ومحور لمن حوله مما يعزز لديه المزيد من تطوير القدرات على المواجهه وحل المشكلات وبروز حالة من التوافق مع الذات بعكس الذين لم يصلوا لمرحلة إدراك ذاتهم مما تنعدم لديهم القدرة على إدراك الذات وبالتالي تنخفض قدرتهم على المواجهة وحل المشكلات .
مثال ... يحدث كثيرا أن شخص ما لديه القدرة على حل مشكلة ــ اجتماعية ــ ما تخص صديقا او عدة أصدقاء له ، يبدع هذا الشخص في التفسير والتحليل والتركيب في محاولة جادة لحل المشكلة ، وفي كثير من الاحيان ينجح ويساهم إلى حد كبير في حل مشكله صديقه أو مشاكل أصدقائه مما يعزز لديه الشعور بالنصر والرضا عن الذات لقدرته على إدراك ما حوله بما يتعلق بالمشكلة وبالتالي امتلاك القدرة على حلها .
ولكن لو حدثت ذات المشكلة معه ، فهل يكون قادرا على استرجاع خبراته السابقة والقيام بعمليات التفسير والتحليل والتركيب ؟ هل يكون قادرا على التركيز ؟ هل يكون مدركا لقدراته على حل المشكلة ؟ .
إن الانسان يكون ــ غالبا ــ في لحظة عجز لأن المشكلة ذاتيه تمسه كذات متكاملة ، وعندما يواجه المشكلة يواجهها كأقانيم متفرقة تمنعه من التفكير بحل المشكلة كمشكلة تهدد الذات المتكامله ــ مثلا ــ ربما يبدأ اقنوم المنظومة الوجدانية بحل المشكلة بمعزل عن باقي الاقانيم مما يؤدي إلى عدم تحقيق نتائج ايجابية لحل المشكلة أو حلها بشكل مؤقت ... وهنا يبرز التشتت في اقانيم الذات وبروز الصراع بينها لسيطرة كل اقنوم على غيره ويتم إلهاء الذات بإمور هامشية ليست ذات صلة مع المشكلة لتكون النتيجة عدم القدرة على حل المشكلة لأن إدراك الذات هنا لا يتم بطريقة كلية كذات انسانية متكاملة .
هي نفس المشكلة حدثت مع صديقه وقام بالتفكير بها كذات انسانية متكاملة مما عزز لديه الشعور بالقدرة لحلها من خلال استرجاع كل ما في ذاكرته من مخزون تجاربه وخبراته السابقة ــ كتجارب وخبرات ذاتية أو غيرية ــ واستطاع أن يختار ــ كذات كتكاملة ــ ما يصلح لحل المشكلة وهو في حالة إدراك لذاته ابتداء من تفكيره بالمشكلة وتحديدها وتحليلها ومعرفة أسبابها ووضع الحلول لاختيار ما يتناسب معها

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت