الاستعمار بين المثالية والواقعية

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 4 / 5

لكوننا في أغلبيتنا الساحقة أبناءً لدول معاصرة حديثة العهد بالاستقلال السياسي قد قضت جَلَ عمرها البالغ القدم في عُهدة تسلسل طويل من المستعمِرين الذين قد وثبوا فوقها بين عصر وآخر من هنا أو هناك، وربما ندين لهم حتى بوجودنا ومعظم مُوَّرِثاتنا، فلا مناص من أن تتباين بشدة توجهاتنا نحو هذا المكون التاريخي غير المشكوك فيه في تكوين الأمم والحضارات؛ وقد تميل أغلبيتنا الساحقة نفسها إلى شجبه ومعاداته على نحو انفعالي دون محاولة جادة وموضوعية لفهم أو إدراك الظاهرة التي قد تشكل من رحمها وجودنا أنفسنا والعالم أجمع. بجانب هؤلاء، هناك أيضاً البعض ممن يميلون إلى التمييز فيما بين صنفين من الاستعمار قياساً على طبيعة المستعمِر ذاته والنتائج المترتبة من استعماره على بلدانهم من حيث آثارها السلبية والايجابية، على حجة أن هناك استعمار يحفز ويدفع بمستعمراته إلى الأمام، وآخر آثاره عكسية وتدميرية في مجملها.

أولاً، المفهوم الإدراكي للاستعمار
الاستعمار" وفق الاشتقاق اللغوي كلمة إيجابية الدلالة تعني تعمير بقعة ما من الأرض كانت قبل استعمارها، أو هكذا رآها مستعمِرها، إما (1) مهجورة بلا صاحب، أو (2) شحيحة السكان وتفتقر إلى العمران، أو (3) تسكنها أعداد ضخمة من البشر لكنهم تركوها خربة دون عمران ومتخلفة وربما حتى عالة وعبء وتهديد على سواهم في أرجاء المعمورة المتحضرة، تلك التي ينطلق منها المستعمِرون في الغالب. وعلى مر التاريخ كانت منطقتنا تقع ضمن الفئة الأخيرة.

كما تجدر الإشارة إلى أن لفظة "الاستعمار" هي في الأصل من إنتاج الشعوب المستعمِرة حتى لو استعملتها فيما بعد الشعوب المستعمَرة بمدلول سلبي مناقض لمدلولها الحرفي. ومن هنا يستمد اللفظ إيجابيته لكونه، من وجهة نظر واضعيه، يعني التعمير ونشر التقدم والحضارة والرخاء والهداية إلى الحق الإلهي- وحديثاً الديمقراطية والشيوعية والمساواة والإخاء وحقوق الإنسان الخ- إلى مناطق غارقة في ظلمات الجهل والتخلف بغرض النهوض بشعوبها نحو الهداية أو التقدم أو الكرامة الإنسانية. بمعنى آخر، هناك دائماً وأبداً عبر التاريخ وحتى اليوم نوع ما من التبرير الإيثاري يستند إليه ويتذرع به كل مستعمِر قديماً وحديثاً. كذلك، "الاستعمار" ظاهرة عالمية شاملة، بمعنى أنه لا يوجد مستعمِر دائم ولا مستعمَر دائم، بل أحوال متبدلة ودول بين هذا وذاك. هكذا كانت أمريكا المستعمِرة اليوم مستعمَرة بريطانية سابقة، وكذلك روسيا وبريطانيا وفرنسا ومصر والسعودية وكل الدنيا.

ثانياً، المفهوم الواقعي للاستعمار
من أجل نشر رسالتهم السامية والنبيلة حتى تغمر بثمارها المبشرة أبناء الشعوب التي تعيش الجهل أو الفقر أو التخلف، وإزاء الرفض والممانعة المتوقعة في كل الأحوال من جانب النخب المحلية المسيطرة وصاحبة المصلحة والحاكمة هناك، لم- ولا ولن- يجد المستعمِرون أمامهم من سبيل آخر غير استعمال القوة القتالية. وهذا، على سبيل المثال لا الحصر، هو بالضبط ما قد فعله صحابة رسول الله وخلفائه من بعدهم من أجل نشر رسالة الإسلام السامية والنبيلة؛ وهو ذاته ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية لكي تحرر أبناء العراق من ديكتاتورية صدام حسين ونظامه وتنشر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في المنطقة، عبر سياسة أسمتها "الفوضى الخلاقة. بتعبير آخر، مهما كانت الغاية سامية ونبيلة لابد من تلويثها بالعنف والدم إذا ما أُريد لها أن تنبت وتنمو على الأرض، في غير تربتها الأصلية. هكذا ينشأ تعريف جديد للاستعمار، هذه المرة من الواقع العملي وليس التصور اللغوي: الاستعمار هو استعمال القوة بغرض فرض قيم ومبادئ شعب ما على شعب آخر ليست هي قيمه مبادئه. وهنا قد يحتج المستعمِر أو المتعاطفون معه بكون الأغلبية الساحقة من هذا الشعب الآخر مقهورة ومغلوبة على أمرها وإذا ما أُعطيت حرية الاختيار لاختارت ذات القيم والمبادئ أو على الأقل نسختهم الخاصة محلية الطابع لكن المتطابقة والمنسجمة مع ما لديهم. ومن ثم تصبح مهمة المستعمِر مجرد تدمير هذا العائق الذي يحول دون عامة الشعب وبين الهداية إلى الإسلام أو الديمقراطية أو الشيوعية أو أياً ما كان آخر. لكن حتى لو سلمنا بذلك جدلاً وكان هو النتيجة المتحققة فعلاً، سيظل الاستعمار على أرض الواقع فعل قتالي دموي وتدميري قوامه العنف، لكونه لا يتحقق بغير ذلك.

باختصار، الاستعمار غاية نبيلة لا تتحقق إلا عبر وسيلة قذرة.

هنا يفرض السؤال الكبير نفسه: وهل الغاية تبرر الوسيلة؟ ألم يكن نشر الإسلام، أو المسيحية، ممكن بغير وسيلة جيوش الفتوحات الإسلامية والحملات الصليبية التي حتماً ولابد قد قتلت وحرقت ودمرت الكثير في طريقها؟ ألم تكن هناك من وسيلة أخرى لإزاحة الديكتاتورية وإحلال الديمقراطية في العراق بغير الغزو العسكري؟

في الختام، تجدر الإشارة إلى تيار فكري معارض يعتبر ما سبق مجرد كلام فارغ من المعنى ومحض هراء. المدرسة الواقعية تبني نظريتها حول الاستعمار باعتباره أشبه بالظواهر الفيزيائية، يتبع مسارات وقوانين معلومة غالباً وحتمية الوقوع أحياناً أشبه بظواهر الطبيعة ولا يمت بصلة لأي مما يرفعه ممارسوه وأنصارهم من مبررات أو غايات أو شعارات براقة لكنها خادعة. بل تعزو الاستعمار إلى الاختلالات في موازين القوى بين الشعوب والأمم، فيما يشبه المرتفعات والمنخفضات الجوية، حيث من الطبيعي والمتوقع أن تجتذب المنخفضات نحوها فوائض القوة السكانية أو التقنية أو القتالية أو غيرها من أماكن أخرى. في قول آخر، سواء وجدت أو انعدمت الغاية النبيلة، الاستعمار سيقع لا محالة كلما لاح اختلال كبير في موازين القوة، إلى الحد الذي يقنع المستعمِر بأن نسبة الربح من مغامرة الاستعمار تفوق كثيراً نسبة خسارته في الدم والثروات التي سيدفعها ثمناً له في الغزو العسكري.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت