قراءة في المجموعة القصصية ( السقوط وقوفا) للأديب سداد هاشم البياتي إرهاصات الحالمين في مدينة أزلية

محمد حسين الداغستاني
2023 / 4 / 4

ليست المدينة مجرد هياكل إسمنتية وشوارع ومساحات مأهولة أو مهجورة، إنما هي ذلك الكيان الذي يمتلك حضورا وبُعدا إجتماعيا ونفسيا عميقين، كما وان لهذا الحضور تأثير في كينونة الإنسان وحركاته وتصرفاته وتطلعاته المديدة ، ففيها اناس يعيشون في دفق عفوي وبالفطرة النابعة عن الغريزة، وفيهم من يغرقون في احلام اليقظة او ينسجون الأساطيروالحكايات لأطفال يملؤن الأمكنة بالصخب والشيطنة أو فيهم من يستكين علي فرش وثيرة تحفها ظلال السقوف العالية او فيهم من يصارع يومه في دور تئن من عبئ السنين وأحزان الفقر والهوان.
وكركوك أو(أرابخا) - كما كان جليل القيسي إبنها البار الذي أسرف بذكرها في قصصه ومسرحياته - عشقها الشعراء والفنانون والادباء والمؤرخون، والآتون إليها َمن جهات الارض ليتدفئوا ويتبركوا بنار بابا كركر الأزلية، كذلك النسوة القادمات من كل حدب ليغرسن سكاكينهن في التربة المحيطة بالنار ويمسحن بطون العاقرات عسى تصدق النبوءة وتكتحل أعينهن بمولود جميل .
وسداد هاشم البياتي في مجموعته القصصية (السقوط واقفا) يصطف مع رهط عشاق المدينة فيتناول بحس يشوبه الكثيرمن الحنين أوالكمد والشجن، وكأنها أشاحت بوجهها عن البهجة التي تسخو بها المدن السعيدة على ناسها، وهو في ذلك يورد الشواهد والاحداث في مسعى رمزي لما عاصرتها وعاشتها من حروب عبثية وأحلام مؤجلة وفساد ناخر في العظم وتغييب للحقوق والعدالة.
ولا يحصر البياتي مساحة المدينة بحدود ضيقة وإنما يمتد عبر فضاء رحب ليصل حبلها السري الي رحم المدينة الأكبر، الوطن، فتتزاحم الأسماء في نواة قصص المجموعة الى ابواب بغداد العاصمة وكذلك الاثيرة على قلبه كركوك فيجوس في َمقابرها ومعالمها وحاراتها في (القلعة) وَ(مقبرة الشيخ محي الدين) و(باباكركر) و(ابو علوك) و(مرقد الامام قاسم) وغيرها ثم يستطيل سقفه نحو سماوات أخرى غير مرئية ووديان رهيبة عميقة بين جبال (حصاروست) و(حمرين) وقصبة (ديانا) ثم ينحدر من قمم الجبال المعلقة ويعود الى المدينة ليتحدث بوجع عميق عن بؤس أولئك الذين يستمرئون قتل (طيور مدينته الزاخرة بالأحلام، بعيارات طائشة)
في قصته (المدينة) يتحدث البياتي عن سيدة عائدة الى المدينة بعد أن غابت عنها زمنا طويلا وحالما تصلها سيارة الاجرة يسألها السائق عن الوجهة التي تريد الوصول إليها، لكنه سمعها تبكي (هكذا شعرت ، هيأت أشياءها الصغيرة المبعثرة ، تعذر على السائق معرفة سبب بكائها أو إدراك مغزاها، شهقات تتبعها آهات ، وكلمات مبهمة بينما ظلت تردد ( في كل بقعة من هذه المدينة هي عنواني) لقد ولدت ثانية هنا، نشوة تدغدغ أعماقها وتنساب كخرير الشلالات وهي تتوجه الى أعماق المدينة)
وفي قصة (الذاكرة) يفسح البياتي فضاءََ واسعا للحديث لما يدور في المدينة العريقة ، فتدرج في ذاكرته الصور، لقد ( كان دائما حتى في اللحظات العصيبة أيام طفولته غارقاً بالشجن ومثقلاً بالهموم ، كم كان يخشى أن تقتلع العواصف أشجار مدينته الحالمة بدفء النار وندى الصباحات الربيعية ، وفي الطريق القصي من الشارع المؤدي إلى المدينة في ذلك الأفق البعيد وأمام تلك البيوت القديمة في تلك المنطقة الشعبية كانت الاشباح والملايين من الاشكال غير المعروفة الدلالات والتسميات تحوم حول ذاكرته باجنحة نارية… )
في خضم الوجل الذي يتجذر عميقا في اعماق المدينة ، كان هناك رجال يؤسسون لتقاليد غريبة عنها بعد ان هيأت لهم الكراسي فرصا لا تتوافق مع مؤهلاتهم، يتقلدون شعارات براقة ويظهرون غير ما يكتمون، يحاربون الكفاءات و يبعدون الاوفياء للمدينة وناسها، فيشيح عنهم بطل قصة (المدير) وهم غارقون في الاكاذيب والافتراءات في إحدى الجلسات متسائلا مع نفسه (أية سذاجة لدى هؤلاء ، يصدقون باستعراضاتهم الكلامية الجوفاء عند ساحة واسعة تتفرع إلى اتجاهات عدة ، يقف متفرساً الوجوه كلها ، لعله قد يفلح بشخص يمنحه معلومات كافية عن الذي يتبوأ الجلسة حتى يمنحه الميزان ، بعد انتظار طويل ينزع خطاه من محطة الانتظار ،ليمضي بعيداً ويتيه تحت أضواء وجع تلك المدينة السابحة بشعار الرجل المناسب في المكان غيرالمناسب).
في موقف يفتقر الى الانصاف يواجه بطل قصة (السقوط وقوفا) واقعا دراماتيكيا بعد اكتشاف إستبعاده من الترشيح في احدى اامقابلات الرسمية ، ترك المبنى رغم انه استلم استمارة للاعتراض على قرار اللجنة، وقف حزينا لما آلت إليه الأحوال في المدينة الأم بغداد على جسر (التحرير) الذي بصل صوبي الكرخ والرصافة ، هناك استرجع ذاكرته المشحونة بالأماني الضائعة، تامل الملف الذي يحمله في اتون هواجس وتداعيات وإرهاصات، وأحلام جميلة إغتالوها مع سبق الاصرار، وقرر في لحظة رفض نادرة ان يتخلص من هذا الملف لقد كان ( القرار صعباً للغاية. فمن هنا ينزع من المظروف محتوياته، أوراق بعناوين شتى يبعثرها مانحاً إياها جميعاً عنواناً موحداً للتحرر أوراق تتطاير لتطفو فوق مياه ذلك النهر الخالد أبداً أبداً. بينما أمنيات أخرى تقفز مع محتويات ذلك المظروف إلى ذاكرته بعملية عكسية أو
انه لم يعد قادراً على استيعاب ما يجري، ففي تلك القصاصات إشارات ترمز إلى حروف أربعة بضياعها يفقد ‎‏كل شيء… كل شيء!)

إضاءات المدينة
في الوجه الآخر من المدينة /الوطن، يتوقف البياتي في محطات فريدة تعج برجال فتحت لهم الوقائع الفاصلة مصاريع إنسانية بهية يطلون منها على ميادين للشجاعة وقهر الخوف ومجابهة الموت بنبض الفرسان. ففي قصته (مجهول) يتسائل البياتي عن لغز النصب التذكارية في ساحات الجندي المجهول .. وتتزاحم الاسئلة في مخيلته، فساحة المعارك هي وحدها التي تسبغ سمات البطولة على عشاق مدنهم واوطانهم. وان ضياعهم في المعمة لا يسلب حق المقاتل في الخلود، قد (تكون هويته تمزقت بتلك الاطلاقات المجنونة التي مزقت جسده الموشوم بحب الوطن، فتاكيدا لهذا الحب الاسطوري استقرت مئات الشظايا الطائشة بين اضلعه وخارطة جسده) لكن اسمه الجديد (الشهيد ) ينتشله من بين ملايين المغمورين فيضيف عليه القدسية والفخار.
وفي قصة (البرقية) بطلها عسكري يؤدي خدمة الاحتياط كمسؤول لقلم احدى الوحدات، استقل سيارة (واز) حاملا برقية فورية ومستعجلة الي الموقع المتقدم والمراصد الأمامية، سلكت السيارة منعطفات ومرتفعات شاهقة ووديان سحيقة، ثم اضطر الي المشي علي مسلك افعواني نجح في اجتياز المنطقة الخطيرة باستخدام وسائل تمويه واختفاء بحذر شديد وذكاء مفرط.. وهو في خضم الموقف الساخن يسمع نداء (الاسلحة حرة) بهدف قيام الوحدات باطلاق النارعلى طيارتين معاديتين سقطت إحداها ولاذت الثانية بالفرار، وعند سماع النداء (ركض سائق الواز نحو زميله مسؤول القلم ، وعند لقائهما ينطلق صاروخ ويسقط بقربهما فيستشهدان ويُحمل نعشيهما ملفوفين بالعلم. )
لقد اجاد البياتي خلال قصصه العشرة التي احتوتها المجموعة بلغة سلسة وإسترسال رشيق موح في رصد سيل من الانفعالات والتساؤلات والمشاعر المكبوتة، وافلح في النهاية التوغل عميقا في وعي القارئ وجعله يتناغم مع نبض ابطاله َوإقحامه في معترك الاحداث عبر طريق سالك نحو مجد مدينة أزلية لكن هذا الطريق ((ليس فيه مأوى للمسافرين).

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت