خرائط اعالي الشرق السياسية: المصالحة السعودية- الايرانية

مظهر محمد صالح
2023 / 4 / 3

1-كانت البداية في مقال تحليلي استقرائي كتبته بتاريخ 17- ايلول/سبتمبر -2021 على موقع الحوار المتمدن بعنوان : خرائط اعالي الشرق السياسية
تناولت فيه تحديدا قضايا التحول في الاجتماع السياسي لدول الشرق منوهاً وقتها :
أن الشعوب أخذت ترسم بألوانها المختلفة على صخور الشرق الصلبة وقممهِ العالية لوحة مستقبلها الانتقالي السياسي من فايروس الاحتلال وتسفيه الديمقراطية في الدولة - اللاوطنية بأدوات تطبيق جديدة ربما هي اشد فتكاً عبر التبشير بنظم محلية شديدة التطرف والتشوه واحلال الدولة-القبائلية كنموذج لحركة التحرر الوطني ، وعد القبائلية (الأفغانية المغلفة بالتجارات العابرة للحدود ) على سبيل المثال وسلوك القبيلة الخيار الاشد وطنية ضد الهجين الاجنبي المصطنع ،انها ايديولوجيا العالم الثالث المسكون بالارتدادات الى ولاءات ماضوية لاستعصاء الحاضر في رسم المستقبل ،انها ابنية جديدة لأمم لاتعرف معنى تراكم المدنية السياسية واللجوء الى نماذج فتاكة من التراكم الاولي للمجتمعات القبلية في تدهور سلبي نحو النشأة الاجتماعية البدائية لإدارة منظومات سياسية (ترسم وطنيتها) بأدوات مشروطة بالتخلف والماضوية. هذه هي حركة التحرر وأشكالها المتحولة سياسياً في عصور الانغلاق الاجتماعي وتفكك العولمة والتشرذم الاقتصادي على اذرع طريق الافيون واحزمته.
2- كذلك ضمت مقالتي حول خرائط اعالي الشرق السياسية نصا غريبا ومبكرا عندما تناولت مستقبل القضية الايرانية في المنطقة مبيناً بالنص :
((….اما ايران اليوم فأن خرائطها السياسية قد غيرت من قواعد ثباتها . فما كتبتهُ وتنبأتُ بهِ شخصياً في تعقيب على ماكتبه المفكر السياسي العراقي الكبير ابراهيم العبادي عن نتائج انتخابات ايران الرئاسية في عموده المنشور بتاريخ 21 حزيران / يونيو 2021 جعلني اُسلط الضوء على تلمس انفراط عقد الاصلاحيين إزاء الانقلاب الديمقراطي المحتمل للمتشددين والتحول من صناديق انتخابية ضعيفة الى مطبخ السياسة الهادئة وبناء المستقبل . 
اذ ان (رئيسي) هو نقطة التغيير في السياسة الايرانية سيُلبس المتشددون في هذه المرحلة بدلة الاصلاح وبسلطة مركزية اقوى في مطبخ الداخل الذي وهن سياسياً ، وهي بداية الانفراج لثبات النظام الايراني الثيولوجي او الديني بشكل عصري براغماتي او عملي ليمسي الغاية الاولى في بناء مستقبل ايران قبل ان تُضيع البلاد نفسها في طموحات امبراطورية مبهمة كلفتها ثمنا باهضاً امتدت عبر الشرق الاوسط ،والنتيجة ولادة مناطق جائعة وتفكك خطير في جغرافيا المنطقة لاتقوى ايران على مسكها تحت اي مسمى اديولوجي. فايران القوية في اقتصادها وعلاقاتها الدولية هي الغاية الفضلى للمتشددين بدلاً من ايران الامبريالية المتشددة المحاصرة والممزقة الموارد والسير نحو مجاهيل السياسة الدولية.
فايران الغد المتشددة ستصبح اكثر رفاهية واستقراراً في السياسة الاقليمية والدولية من ايران الامس الاصلاحية المفككة المفاصل)) نهاية النص.

3- طالعنا المفكر السياسي ابراهيم العبادي بتاريخ 3-نيسان /ابريل 2023 بعمود مهم عنوانه : المصالحة الايرانية - السعودية :التحديات والفرص ، قائلا: ((ان نجاح مشروع المصالحة سيكون بداية تحول نوعي كبير في المنطقة ليس في العلاقات البينيةفحسب وانما داخل هذه الدول ايضا ، ولذلك ستعمل جهات تستشعر بخطر هذا التحول على تقويضه أوجعله هشا وبلا تنفيذ لكامل بنوده ، وقد تعمد الى اطالة مدة الاختبار وهز ثقة الاطراف ببعضها لمنع تطبيق بنوده ،فالاتفاق سيقود الى خسارة وجودات عديدة لنفوذها الصاخب وغطائها السياسي والاعلامي، وقد تضمر فعالياتها وينحسر وجودها تدريجيا .
النتائج الكبرى المفترضة والمتوقعة من اتفاق المصالحة له انعكاسات كثيرة تندرج تحت عنوان الاحترام المتبادل لسيادة وامن كل طرف ومنع التدخل في الشؤون الداخلية ،اي ان مشروعا للامن الاقليمي او لنقل بين كبرى الدول الاقليمية في طريقه الى التنفيذ ،وسيقود ذلك مسار الامن الثنائي والاقليمي نحو صياغة جديدة تقتضي مصالحات وهدوء واستقرار لعديد من الساحات الداخلية، تمتد من البحرين الى لبنان مرورا بالعراق وسوريا وقد يبدأ ايضا مسار طويل لعودة اليمن الى التوافق الداخلي ،فما دفع السعودية وايران للتصالح كان حسابات الامن القومي بمعناه الواسع ،اي ضمان الامن الداخلي ،وحماية الاستقرار السياسي ،ومواجهة تحديات الامن الاقليمي المتزايدة بما فيها انتشار السلاح خارج نطاقات الدول، وظهور فاعلين لايمتثلون لمنطق الدولة ويحملون مشاريع ايديولوجية عابرة ،علاوة على متغيرات كبرى تضرب بنية النظام الدولي ،وانتقال ثقل ومركز التنافس العالمي نحو الشرق الاقصى وليس اوربا والشرق الاوسط .
مادفع السعودية الى اتخاذ جريء في اعادة مسار العلاقات مع ايران من القطيعة الى التواصل ومن الخصومة الى التعاون والتفاهم ،هو متطلبات الانتقال السلس والهاديء من بنية اجتماعية متصلبة وسياسيةداخلية تقليدية تربط بين العقيدة والقبيلة الى بنية منفتحة وحديثة مع ازاحة المؤسسة الدينية عن التأثير المباشر وغير المباشر في السياسات الداخلية والخارجية ،السعودية ادركت ان حروب الاستنزاف وحروب الوكالة تصرف الاهتمام والتركيز عن مباشرة التحديث في مجتمع تبدي بعض فئاته ممانعة للتحول الى نمط فكري -اجتماعي -سياسي حديث يحفظ للدولة استقرارها ومواكبتها للمتغيرات دون الوقوع في مطبات التطرف والتطرف المضاد ،لدى السعودية مشكلاتها الخاصة التي تتطلب منها التحرر من عقدة اليمن وحرب الاستنزاف فيها ،وعقدة المواجهة المستمرة مع ماتسميه اذرع ايران الاقليمية ،فالسعودية مشتبكة امنيا في طول وعرض الاقليم الشرق اوسطي ،فهي تنظر بعين قلقة على نفوذها في لبنان وسوريا وتراجع حضورها فيهما …….))
4- اجد من جانبي ان خرائط اعالي الشرق السياسية قد دخلت حقاً مرحلة الوفاق والمصالحة كما تنبأت في 17 ايلول 2021 ….لاقول ثانية بشان اتفاق المصالحة الايرانية السعودية ماياتي:
أ-هناك دولتان كبيرتان ناميتان لايمكن اضعافهما بتناطح الرؤوس بالانابة بعد استنفاد حروبهما الاقليمية وانتهاءها بنتائج مبهمة لا تعرف نهاياتها الا الخراب . فاخفاق الاستطالة الايديولوجية المذهبية في توليد امتداد إمبراطوري متماسك بات مستحيلاً في عصر تلاشي الاديولوجات ازاء تنامي الامبرياليات بالوانها المختلفة.
فالذهاب الى طاولة المفاوضات برعاية الدولة العظمى الاكثر توافقا جاء من الصين (الامبريالية الحمراء red imperialism ) وهي (الاكثر قبولاً والاقل حروباً) لدى طرفي التنازع الاديولوجي الاقليمي كي تضع النزاعات اوزارها في حروب استنزاف لم تبق ولم تذر في اعالي خرائط الشرق .
ب- ان التحول نحو السياسة الواقعية للبلدين real politics قد حلت محل حروب العصر الوسيط والحروب الايديولوجية المدمرة التي تفكك الداخل الامبراطوري قبل ان تجمع الامتدادات والأطراف لمصلحتها .انها دروس وعبر في ادراك اوهام صراعات الدول الامبراطورية - بصبغات ايديولوجية في العالم الثالث التي لاتحصد الا اللاشيء ازاء فرص السلام والتنمية.
ختاماً ، ظلت توقعاتنا (في بناء خرائط اعالي الشرق السياسية في 17 ايلول/سبتمبر 2021 ،على موقع الحوار المتمدن ) معروضة على طاولة اتفاق بكين بين ايران والسعودية لتحصد نتائجها في 10 آذار /مارس 2023 ، مؤكدةً في الوقت نفسه ان (فرص )السلام والنماء والازدهار امام شعوب الشرق ستبقى اقوى من (تحديات ) التفكك والضياع في حلبات الصراع الايديولوجي والسعي الفارغ لازالة المستقبل بعتاد الماضي المستعر واوهامه بلا رحمة.
انتهى

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت