قراءة في كتاب -هل نسير إلى الهاوية- لإدغار موران

صلاح الدين ياسين
2023 / 4 / 2

كتاب من تأليف إدغار موران، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي المعاصر، صدرت طبعته العربية عن أفريقيا الشرق بالمغرب سنة 2012، ترجمة عبد الرحيم حزل، وهو (= الكتاب) ينصرف في إطاره العام إلى تناول أخطر الأزمات التي نرزح تحت نيرها راهنًا، والدالة على اختناق مشروع الحداثة وانسداد آفاقه، مما يتأدى بنا إلى مساءلة الوعود الكبرى التي أطلقها. وهكذا، ينتظم هذا العمل تحت نسق "ما بعد الحداثة"، من حيث هو الاتجاه الذي يُعنى بنقد صيرورة الحداثة، لا بدافع معاداتها جملةً وإحياء النزعات الماضوية التي كانت سائدة قبل بزوغ "العصر الحديث"، وإنما بغية تصويب مسار الحداثة وتقويم اعوجاجاته. وفيما يلي أبرز مضامين وطروحات الكتاب:
وعود الحداثة تحت المجهر
يرى إدغار موران بأن عصرنا الراهن شاهدٌ على تهافت الوعود الكبرى المؤسسة لمشروع الحداثة. فوعد الأخيرة بالتقدم الحتمي، صدورا من رؤيتها التبشيرية لمستقبل وردي للبشرية، قد تَبَخر في ضوء شعور اللايقين الجاثم علينا بفعل استفحال الأخطار الوجودية وضبابية المستقبل. كما أن التقدم العلمي والصناعي والتقني الذي بشرت به الفلسفة الوضعية الحداثية، وإنْ أسهم في تطوير البشرية وحل جملة من المشكلات المعقدة، فإنه بالمقابل تمخض عن مخاطر تتهدد بقاء النوع البشري، من قبيل أسلحة الدمار الشامل (القنبلة الذرية، الأسلحة البيولوجية... إلخ)، والإضرار المهول بمحيطنا الحيوي وبيئة كوكبنا. هذا دون إغفال عواقب رأسمالية السوق المنفلتة من أي عقال لجهة تكريسها لظواهر الفقر والتفاوت الطبقي، وهي الإيديولوجيا الاقتصادية التي قدمها بعض دعاتها ومشايعيها بوصفها "نهاية التاريخ"، والبلسم الشافي لأدواء البشرية، والسبيل الأوحد لتعميم الرفاه والرخاء.
وعطفا على ما سبق، فإن إمعان الحضارة الحديثة في النزعة المادية الاستهلاكية الجامحة، قد جعل منها حضارة بلا روح، الأمر الذي يجد تجسيده الأوضح، عند الكاتب، في العقل الأداتي، المجرد من الوجدان والمشاعر، والمسكون بهاجس ترويض الطبيعة والسيطرة على العالم، والذي لا يلجمه أي وازع إنساني أو أخلاقي، ولعل تدمير النظام الإيكولوجي للأرض من أخطر تبعاته ونتائجه. هذا ناهيك بمفهوم التنمية الذي ينم، بحسب المؤلف، عن المركزية الثقافية الغربية المقيتة، والسعي في استتباع اقتصادات الدول النامية، والأنكى أنه (= مفهوم التنمية) غالبا ما يُحصر في أبعاد اقتصادية وتقنية ضيقة، لا تعترف سوى بلغة الأرقام والمؤشرات الإحصائية، وهي بذلك معزولة عن كل ما يمت بصلة للحس الإنساني والفكر والوجدان.
تحديات العولمة
يعتقد إدغار موران في أن العولمة، وبفضل ما واكبها من تطور غير معهود في وسائل الاتصال والإعلام التي تَعَدت الحدود القطرية للدول، قد أتاحت إمكانيات غير مسبوقة لانبثاق مجتمع عالمي قوامه الوعي بالمواطَنة العالَمية (الكسمبوليتية) واستبطان المصير المشترك للإنسانية. بيد أن ظهور ذلك المجتمع العالمي المنشود تحول دونه مقاومة الدول القطرية وجموح سلطانها، فضلا عن عجز المنظمات الدولية - وفي مقدمتها الأمم المتحدة - عن النهوض بأدوارها الحيوية، إذ نشهد اليوم عودة قوية للحروب والصراعات التي تحركها الهويات الضيقة، وانبعاث الوطنية الشوفينية لا سيما في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي في شرق أوروبا، ناهيك ببروز الولايات المتحدة الأميركية كقوة إمبريالية مهيمنة، الشيء الذي أذكى مقولات الصدام بين الحضارات والحرب على أساس الهوية.
أما فيما يتعلق بجدلية الثقافة والعولمة، فإن الأخيرة قد أسهمت، برأي الكاتب، في إبراز الثقافات المحلية وعولمتها، مما يصب في صالح تحقيق رهان التنويع والتمازج بين الثقافات، ولكنها بالمقابل يُأخذ عليها (= العولمة) تكريسها للتنميط الثقافي من طريق فرض هيمنة ثقافة واحدة نابعة من المركز الأمريكي، دون إغفال إذعان الإنتاج الثقافي والفني والأدبي لمنطق السوق الاقتصادية، كخضوع تصنيف الكتب في عدد من المكتبات لمعيار الكتب الأكثر مبيعا، بدلا من اعتبار الجودة والقيمة المضافة.
وفي مواجهة كل ذلك، يدعو الكاتب الفرنسي إلى فكر خلاق قائم على تكامل التخصصات، ومن ثم نبذ التفكير التجزيئي النازع إلى تبسيط المشكلات والظواهر عوض النظر إليها في كليتها وشموليتها، ناهيك بالحاجة إلى القطيعة مع النزعة البراغماتية المطلقة التي تشدد على قبول الواقع كما هو، وبالتالي التسلح بوعي نقدي أخلاقي قمين بتحسين أوضاعنا، في أفق تفعيل سياسة إنسانية تكافلية تراعي احتياجات الشعوب الفقيرة، وتتقيد بالمقاربة التشاركية في مواجهة المخاطر والتهديدات المتربصة بنا (التغير المناخي... إلخ).

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت