لماذا تعويم الجنيه المصري وليس الدينار العراقي ؟

محمد رضا عباس
2023 / 3 / 31

لكل داء دواء في الاقتصاد , في وقت السلم والحرب , ولكن أيضا للدواء جوانب سلبية . تذكر عندما فرض الحصار العالمي على العراق بعد دخوله دولة الكويت ومنع عليه بيع نفطه , السلعة الوحيدة القابلة للتصدير في العراق , فقر العراق ماليا , واصبح الدولار سلعة عزيزة , بعد ان سمح الرئيس السابق صدام حسين تشغيل مكائن طبع النقود بكامل طاقتها . استفاد النظام من تمشية حاجاته , ولكن على حساب فقر العراقيين . زيادة عرض الدينار العراقي الغزيرة في الأسواق العراقية أدى الى ارتفاع في معدل أسعار السلع الخدمات في ذلك الوقت الى ارتفاع لم تشهده المنطقة من قبل , حوالي 20,000% , أي اصبح راتب الموظف الشهري لا يكفي لأكثر من يومين , وفي هذه الاثناء استخدم الموظف كل ادخاراته وباع كل ما يملك من مقتنيات من اجل توفير الطعام والدواء الى عائلته.
في هذا الوقت تخلى البنك المركزي العراقي من توفير الدولار , وأصبحت قيمة الدينار العراقي بوجه الدولار الأمريكي تتحدد بحجم العرض والطلب على الدينار . وطالما وان عرض الدينار كان اكثر بكثير من الطلب عليه , فكان هو الضحية , حتى وصلت قيمته 3000 دينار للدولار الواحد , بعد ان كان الدينار العراقي يساوي 2.8 دولار. في هذه الحالة الحكومة العراقية والبنك المركزي تركت سعر الدينار الى السوق (تعويم ) , أي السماح لسوق العرض الطلب على تحديد أسعاره , وبدون تدخل حكومي في حركته صعودا او نزولا.
بالطبع , بعد التغيير رجعت حالة الاقتصاد الوطني الى عافيته و كذلك الدينار , ولكن بسعر تحويل جديد . اخر قرار للبنك المركزي هو تثبيت سعر الصرف للدينار بوجه الدولار ب 1300 دينار للدولار الواحد , وفي هذه الحالة يكون البنك المركزي العراقي قد ثبت قيمة الدينار بوجه الدولار , وهو ما يسمى بالصرف الثابت , أي ان كل مواطن يملك 1300 دينار عراقي بمقدوره الذهب الى البنك المركزي العراقي و استبدالها الى دولار واحد .
لماذا لم يستمر العراق باستخدام التعويم بدلا من سعر الصرف الثابت بعد التغيير ؟ لسببين : الأول تدفق هائل للدولار الأمريكي من بيع نفطه الى الخارج , والسبب الثاني معالجة التضخم المالي الذي خرج من عقاله . وهذا هو احد اهم الأسباب باستخدام البنك المركزي العراق سياسة الصرف الثابت , تدفق واردات النفط الهائلة , ومن ثم انتقال ميزان المدفوعات العراقي من العجز الى الفائض . يضاف الى ذلك هذه السياسة النقدية تسمح للحكومة العراقية بإدارة الاقتصاد حسب الحاجة , تراجع في النمو الاقتصادي وازدياد عدد العاطلين عن العمل يمكن معالجتهما بزيادة المصروفات الحكومية , وتقليص مصاريفها في حالة ارتفاع الاسعار . كما يجب ملاحظته , هو ان معظم البلدان التي تتغلب عليها روح المركزية تستخدم هذا النوع من الصرف . بمعنى ان تدخل الدولة من خلال البنك المركزي يعطي انطباع لمواطنيها قوة وهيبة الدولة , سيكولوجي .
وعلى العكس من الحكومات المركزية , فان جميع الدول التي تستخدم النظام الاقتصادي الحر تستخدم طريقة التعويم , الدولار الأمريكي , الجنيه الإسترليني , الين الياباني , منطقة اليورو , والدولار الأسترالي . جميع أصحاب هذه العملات لا يتدخلون بتحديد قيمة عملاتهم وبوجه العملات الأخرى , وانما تركوها الى العرض والطلب على عملتهم دون تدخل . هذه الدول وجدت ان التعويم اكثر فائدة من نظام الصرف الثابت , لان التعويم يؤدي الى استقرار في ميزان المدفوعات . انخفاض قيمة العملة تؤدي الى زيادة الطلب الخارجي على منتجاتها وفي الأخير يرجع ميزان المدفوعات الى توازنه. هذا النظام لا يحتاج الى ضوابط حكومية وبالتالي لا تحتاج الى القلق ان زاد او نقص قيمة العملة المحلية . كما وان هذا النظام لا يحتاج الى احتياطي عظيم للدفاع عن العملة في حالة انخفاض قيمتها , وبإمكان البنوك المركزية بالتصرف بما لديها من عملات اجنبية في دعم الاقتصاد الوطني , مثل شراء البضائع الرأسمالية , مثل المكائن والآلات الثقيلة او صرفها على بناء المزيد من البنى التحتية .
مصر العربية ليست مثل العراق , انها تعاني من مشكلتين رئيسيتين وهما التضخم المالي و عجز مزمن في ميزان المدفوعات . في الآونة الأخيرة , حاولت الإدارة المصرية بمحاربة التضخم برفع أسعار الفائدة , ولكن على الرغم من رفعها الى حدود 18% , الا ان التضخم مازال محلق عاليا في سماء مصر , حيث كانت نسبته ما يقارب 40% في شهر شباط من هذا العام. البعض يعتقد ان تخفيض قيمة الجنيه هي قارب النجاة للاقتصاد المصري , أي ترك الجنيه ( تعويمه) الى سوق العرض والطلب . التعويم اول الامر , بدون شك , سيؤدي الى انخفاض قيمة الجنيه , ولكن بالمقابل سوف تزيد من الصادرات المصرية وتقلص من استيراداتها وبالتالي يرجع ميزان المدفوعات الى توازنه و الاستقرار الاقتصاد الوطني في الأمد الطويل . وهذا ما تقوم به الدول الصناعية , انها تستخدم التجارة الخارجية والداخلية كقوة نشطة للمحافظة على نمو اقتصادهم . مصر تعاني من نقص في النقد الأجنبي من اجل الوفاء بالتزاماتها , ومن اجل ذلك على القيادة المصرية إدارة قطاعها السياحي والزراعي والصناعي من خلال جذب الزائر الأجنبي وتشجيع المستثمر للمواطن المصري والاجنبي الداخلي , ومن خلال هذه القطاعات يتقلص الاعتماد على السلع الأجنبية , ويتحول ميزان مدفوعاتها من السالب الى موجب , أي من العجز الى الفائض .
هذا ويجب الإشارة الى ان نظام الصرف الثابت الذي يستخدمه العراق ليس بدون ذنوب . نظام الصرف الثابت مسؤول عن عدم قدرة الحكومة على تغيير سعر الفائدة بسهولة , وهو اجراء مهم جدا في دفع التنمية الاقتصادية للأمام . ان رفع سعر الفائدة , على سبيل المثال, يقلص كمية تداول النقد بالأسواق مما يولد ركود اقتصادي وبنفس الوقت انخفاض في قيمة العملات الأجنبية , مما يضطر البنوك المركزية بتغيير سعر الصرف . كما وان نظام الصرف الثابت يتطلب وفرة في العملات الأجنبية خاصة عندما تكون العملة المحلية غير مستقرة كما يحدث في لبنان الان , حيث اصبح في هذا البلد الجميل الراقي و المنكوب بنفس الوقت سوقين , سعر صرف رسمي , واخر غير رسمي , الرسمي حوالي 15 الف ليرة للدولار الواحد , في حين الغير رسمي وصل الى حوالي 107 الف ليرة للدولار الواحد .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت