حلفاء روسيا هم قلة من الأمم المتنافرة والمتناقصة 2

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 3 / 24

هم تحالف من الفاشلين؛ والمتباكين على الحِقْبة السوفيتية؛ وزمرة من الانتهازيين

-2-
وداعاً لينين

هناك قرابة 30 دولة أخرى محايدة اسمياً وتميل إلى الامتناع عن التصويت على قرارات الأمم المتحدة فيما يخص أوكرانيا. معظم هذه الدول ترفض الانحياز لطرف ضد الآخر، على حد قول دميتري ألبيروفيتش، رئيس مركز سيلفرادو بوليسي أكسيليريتور الأمريكي للأبحاث. وعوضاً عن ذلك، كما يضيف، يمكن تشبيه توجههم العام بالمثل الشعبي: "ما أخس من قديد إلا عسفان"؛ دولة كفرة تحارب دولة كفرة. يولعوا في بعض!"

ثمة مجموعة فرعية من هذه الدول تؤلف جمعية لتخليد ذكرى الحقبة السوفيتية. وبينما لا تعرض هذه المجموعة تقديم أي مساعدة دبلوماسية أو عسكرية جادة، إلا أنها تميل إلى التعاطف مع روسيا، وتواظب على القيام معها بأمور مشتركة مثل التدريبات العسكرية مع قواتها المسلحة أو ترديد حججها حول إلقاء اللوم في اندلاع الحرب على توسع الناتو أو على أوكرانيا ذاتها.

ليس من السهولة بمكان الوقوف على جوهر الدوافع الحقيقية لتصرفات هذه المجموعة، لكن تبدو بعض الخطوط العريضة جلية. البعض منها، مثل الجزائر وأنجولا وجنوب أفريقيا، تقر بتعاطفها مع روسيا جزئياً بسبب روابط تاريخية مع الاتحاد السوفيتي (وتنسى على ما يبدو أن أوكرانيا كانت أيضاً جزء أصيل في ذلك الاتحاد)؛ أو، حتى لمزيد من سخرية الأقدار، لأنها تُكِّن ذكرى عطرة للاتحاد السوفيتي كحليف لنضال الشعوب المضطهدة ضد الإمبرياليين.

مع ذلك لا يعتبر الحنين للحقبة السوفيتية هو العامل الوحيد المؤثر هنا، لاسيما في أفريقيا، حيث يوجد معظم البلدان الممتنعة عن التصويت على القرارات الأممية الرئيسية. فمن الملاحظ في حالات عديدة أن الأحزاب الحاكمة أو السياسيين هناك يدينون بالولاء لروسيا لمساعدتهم في تمويل حملاتهم الانتخابية أو في جهود ترجيح النتائج في كفتهم. على سبيل المثال، يذكر أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم في جنوب أفريقيا قد تلقى تبرعات ضخمة من شركة تعدين على علاقة بروسيا. ولا يستبعد أن يكون ذلك قد ترك أثره على قرارهم استضافة السيد/ لافروف وإجراء مناورات عسكرية مع الأسطول الروسي.

الدبلوماسية الروسية في أفريقيا تركز على المساعد الأمنية ومبيعات الأسلحة. وقد أورد المجلس الأطلسي، مركز بحثي في واشنطن، في تقرير صدر مؤخراً أن روسيا وقعت سبع اتفاقيات للتعاون العسكري في أفريقيا بين عامي 2010 و2017، بينما وقعت اتفاقيات مع 20 دولة بين عامي 2017 و2021، أكثر من نصفها مع بلدان لم تكن تربطها بها في السابق روابط عسكرية.

روسيا ليست مجرد مورد كبير للأسلحة فحسب. لقد أصبحت أيضاً تاجر سلاح الملاذ الأخير، لتكسب نفوذاً في بلدان انقطعت عن الواردات الغربية على خلفية انقلابات عسكرية وانتهاكات لحقوق الإنسان، مثل مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى. حظر الأسلحة الغربية "فتح الباب [أمام الروس]"، على حد قول جي بيتر فام، المبعوث الأمريكي الخاص لمنطقة الساحل في عهد إدارة ترامب. "نحن بصراحةٍ لا نستطيع أن نلوم الماليين لأخذهم كل ما يستطيعون أخذه."

مع ذلك يلاحظ في بعض الحالات أن المساعي الروسية لكسب النفوذ قد مُنيت بفشلٍ ذريع. على سبيل المثال، تحولت مدغشقر ضد روسيا بعدما افتضحت محاولتها لترجيح كفة الانتخابات الرئاسية هناك باتجاه مرشحين موالين لروسيا في عام 2019. وعقب اختطاف الجهاديين خمسة مقاتلين من شركة المرتزقة الروس، فاجنر ، وقطع رؤوسهم في موزامبيق، اتجه هذا البلد إلى رواندا والغرب طلباً للمساعدة الأمنية.

"في كل مكان يذهبون إليه، تبدو معاناتهم جلية وفقاً لمعايير التدخل السياسي،" على حد قول صموئيل راماني، وهو أيضاً باحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة ومؤلف كتاب صدر الشهر الفائت بعنوان "روسيا في أفريقيا". الأخطاء التي ترتكبها روسيا في البلدان الفقيرة تتشابه غالباً مع اخفاقاتها الاستخباراتية في أوكرانيا، مثل المبالغة في تقدير شعبية الوكلاء أو القادة المحليين. "المسألة برمتها مردها إلى عدم الكفاءة بوجه عام، وكذلك إلى سوء قراءة المواقف المحلية،" على حد قول السيد/ راماني.

الطاقة النووية توفر لورسيا ورقة أخرى. روساتوم، شركة الطاقة النووية الروسية المملوكة للدولة، هي أكبر مصدر للمفاعلات النووية في العالم. وتورد دراسة نشرت في مجلة نيتشر انرجي الشهر الفائت من إعداد الباحثين كاسبر سزوليكي وإندرا أوفرلاند من المعهد النرويجي للشؤون الدولية أن ما لا يقل عن تسعة بلدان، من بينها بنجلاديش ومصر، ربما قد تعرضت لضغوط سياسية بسبب اعتمادها على محطات الطاقة النووية التي تبنيها أو تشغلها روسيا. وهناك عدة دول أخرى تربطها مستويات مرتفعة من التعاون النووي مع روسيا. بيد أن هذا الوضع، أيضاً، ربما يتراجع. وقد يتسبب قطع روسيا لصادرات الغاز إلى أوروبا في تقويض سمعتها العامة كمورد موثوق للطاقة.

أخذ ما يستطيعون أخذه

المجموعة الثالثة من البلدان- محور الانتهازيين- ترى في العقوبات الغربية فرصة لتعزيز تجارتها الخاصة مع روسيا وفقاً لشروط ميسرة ومربحة. يذكر أن الواردات الروسية من السلع انهارت بأكثر من 40% خلال الأشهر القليلة الأولى بعد حربها، بحسب تحليل أجراه مركز سيلفرادو بوليسي أكسيليريتور الأمريكي للأبحاث. غير أنها استطاعت بحلول سبتمبر أن تتعافى بدرجة كبيرة، عندما تدخلت الصين وتركيا على وجه الخصوص لتعويض الصادرات من أوروبا وأمريكا. وإلى الآن قد برهن الغرب على عجزه عن إغلاق الباب بالكامل أمام الواردات الروسية من السلع عالية التقنية مثل شرائح الكمبيوتر، المستخدمة في صناعة الصواريخ وأسلحة أخرى. وقد استمرت روسيا تستورد ما بين ثلث ونصف ما كانت تستورده قبل الحرب من هذه الشرائح، إلى حد بعيد بفضل زيادة ضخمة في وارداتها من الصين.

في البداية بدا وكأن هجوم روسيا على أوكرانيا قد أخذ الصين على حين غِرّة، لاسيما بعدما كانت قد وافقت على شراكة استراتيجية "بلا حدود" قبل أسابيع فقط من اجتياح الدبابات الروسية الأراضي الأوكرانية. لكن من هذه اللحظة فصاعداً لم يدخر الزعيم الصيني الأوحد شي جينبينغ جهداً لاستغلال الوضع لمصلحته، بعدما استشعر فرصة في إلهاء أمريكا عن جهودها لمواجهة الصين، بخصوص تايوان على وجه التحديد. في الوقت نفسه، حرص شي على معايرة استجابته بدقة بالغة لكي يجنب الصين أي انتقام محتمل من أمريكا أو حلفائها. هكذا يصرح المسؤولون الصينيون بحيادهم حيال أوكرانيا ويرفضون إدانة الغزو الروسي، لكنهم في الوقت نفسه يحمِّلون توسع الناتو اللوم عن اندلاع الحرب. ويبقى السؤال الكبير المطروح الآن هو إذا ما كانت الصين ستُقْدم في يوم ما على توريد الأسلحة إلى روسيا، الذي من شأنه أن يساعد في إنعاش المخزونات الروسية، وتغيير مسار الحرب.

علاقة تركيا مع روسيا أكثر تعقيداً. تركيا عضو في الناتو. وقد باعت مسيرات مسلحة إلى أوكرانيا ويعتقد أنها أرسلت مدفعية وصواريخ دقيقة التوجيه كذلك. وهي تتنافس مع روسيا على النفوذ، من الشرق الأوسط إلى آسيا الوسطى، وقد خاضت حتى حروباً بالوكالة ضدها في سوريا وليبيا. غير أن تركيا تعتمد أيضاً على روسيا من أجل الغاز الطبيعي والمساعدة في بناء محطات الطاقة النووية. وهي تكسب مليارات الدولارات سنوياً من السائحين الروس. هذا الوضع المعقد يحبس كلا البلدين في حضن الاعتماد المتبادل. من جهة، تجد تركيا أن من مصلحتها تقليب روسيا والغرب ضد بعضهما البعض. وبدورها، تبدو روسيا راغبة في أن تغض الطرف عن الدعم التركي لأوكرانيا طالما استمرت التجارة تتدفق بين البلدين.

الهند ربما تجني من تجارتها مع روسيا فائدة تفوق كثيراً ما تجنيه الأخيرة. لقد رفضت بحزم إدانة الغزو وزادت من وارداتها من النفط الروسي بسعر مخفض (رغم قولها الآن أنها ستلتزم بسقف السعر الذي فرضه الغرب). وهي تبقى مشتري كبير للأسلحة الروسية. لكن في الوقت نفسه لا يبدو أنها قد أصبحت معبراً مهماً لإيصال السلع الخاضعة للعقوبات إلى روسيا. وفي حقيقة الأمر، قد شهدت قيمة صادرات الهند إلى روسيا تراجعاً ملحوظاً منذ بداية الحرب.

لقد فعل الغرب كل ما في وسعه لإبعاد بعض من أصدقاء بوتين المتبقين. وقد نجح حتى الآن في ردع بلدان مثل بيلاروسيا من لعب دوراً أكثر نشاطاً في الحرب، وإيران من توريد الصواريخ الباليستية، الذي كان من شأنه أن يمثل تصعيداً خطيراً في دعمها. لكن حلفاء أوكرانيا قد تفرقوا حول كيفية- أو حتى إمكانية- مواجهة تمدد النفوذ الروسي في البلدان الفقيرة.

قد تتمثل الخطوة الأولى في تفادي التضخيم من أهمية الدعم الناعم المقدم لروسيا من رفقاء دربها، لاسيما حين يؤدي ذلك إلى ما لا يتعدى الامتناع عن التصويت في الأمم المتحدة أو إيماءات المؤازرة الرسمية. "أخشى من أن نضع أنفسنا في دائرة عبثية وعقيمة إذا ما حاولنا التصدي لكل صغيرة وكبيرة من تجليات النفوذ الروسي،" على حد قول أندرو فايس من مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي الأمريكية. "في بعض الحالات، نحن نخاطر بدفع ثمن باهظ للتعامل مع مشاكل لا تشكل في حقيقة الأمر تلك الأهمية الاستراتيجية المتصورة."

في الوقت ذاته قد يتخذ الغرب خطوات رخيصة نسبياً للتصدي لانتشار مرتزقة فاجنر في أفريقيا، إلى حد بعيد عبر تسليم ودعم قوات الأمن الإقليمية والحكومات الصديقة حتى لا تضطر للتوجه إلى روسيا. وبالمثل، حين التعامل مع محور الانتهازيين الروسي، يحتاج الغرب إلى أن يعاير بحذر شديد خطوطه الحُمْر، ويبرزها بلغة حازمة لا تحتمل اللبس ولا يحتج عند كل زيادة تجارية خارج السلع العسكرية وعالية التقنية. وعليه أن يبرز نابه الاقتصادي لردع الصين أو غيرها من إرسال الأسلحة والذخيرة. صحيح أن روسيا غير معزولة كما كان الغرب يأمل، لكن ادعاء السيد/ لافروف بأنها محاطة بالأصدقاء الأوفياء بعيد أيضاً عن الصواب.

_______________________
ترجمة: عبد المجيد الشهاوي
رابط المقال الأصلي:
https://www.economist.com/international/2023/03/14/russias-allies-are-a-motley-and-shrinking-crew

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت