كتاب منذر سفر: هل القرآن أصيل؟ - 28 -

جدو جبريل
2023 / 3 / 21

عبر ما تراكم من معلومات ومعطيات في 27 ورقة الماضية لا يمكن نكران بروز تعقيد الكثير من التساؤلات حول أصالة النص القرآني ( المصحف الذي بين أيدينا اليوم).

المهم هو أن نعرف ونكتشف في هذا المجال ليس التحولات التي عرفها مسار التي أثرت على النص القرآني أثناء نزوله، أو بعده، وإنما – وهذا هو الأهم – وإنما "العالم الديني" كما تخيله الناس في زمن الوحي. هذا العالم له رؤيته الخاصة عن الإله. لديه أيضًا طريقته الخاصة في تشكيل الرؤية –آنذاك – حول الله، والتواصل مع البشر وتمثل الأنبياء، وكل هذا يصعب علينا تخيله اليوم، كما كان وقتئذ.

إن التصور السائد آنذاك على إله القرآن - الله – تختلف عن التصور السائد اليوم، بعد أربعة عشر قرنا من نزول القرآن. ويبدو أن ذلك التصور يتطابق مع تصور أله إبراهيم والإنجيل: إله حي ، حكيم بالتأكيد ، ولكن لديه أيضًا لحظات من الغضب والتفضيلات. باختصار، إله يفوق كل البشر، بالتأكيد، لكن يتم تقديمه بصفات يعرفها البشر.

ونفس الشيء مع أنبيائه الذين أصبحوا "مثاليين" اليوم لدرجة أنهم أصبحوا كائنات مقدسة يتم "تأليهها" بشكل أو بآخر. وحتى رفاقهم وأصحابهم ( لاسيما الصحابة في الإسلام) كانوا بدورهم موضوعًا للتقديس تقريبًا. لقد تمت مقارنتهم من طرف السردية والموروث الإسلاميين بـ "نجوم الجنة"....

من اللافت للنظر أن السيرة الذاتية التقليدية للنبي محمد قد غفلت عمليا عن الشهادات والمعلومات حول حياته قبل الأربعينيات من عمره ، أي قبل بداية رسالته ( وهناك إشارة واضحة في مقدمة سيرة ابن هشام تفيد إغفال بعض ما ورد في سيرة ابن اسحاق وهي مرجعه).

في مخيلة المسلم ، وُلِد محمد نبيًا كاملا وتاما ، ومنذ ولادته ظل ينتظر ساعة بعثته بحكمة ورزانة وتباث. وهذا تخيل لم يرتبط بأي نبي من قبل.

يؤكد ابن حزم (994-1064 م) ، على سبيل المثال ، في كتاب "الفصل في الملل والأهواء والنحل " - جزء 4 ص 25 - ورد ما يلي : " ... فبيقين ندري أن الله تعالى صان أنبياءه عن أن يكونوا لبغية أو من أولاد بغي أو من بغايا بل بعثهم الله تعالى في حسب قومهم فإذ لا شك في هذا، بيقين ندري أن الله تعالى عصمهم قبل النبوة بكل ما يؤذون به بعد النبوة فدخل في ذلك السرقة والعدوان والقسوة والزنا واللياطة - أي اللواط - والبغي وأدى الناس في حريمهم وأموالهم وأنفسهم وكل ما يعاب به المرء ويشتكي منه ويؤذى بذكره".

ثم روى ابن حزم قصة منسوبة إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، حيث قال أنه سمع النبي يقول:
" سمعت رسول الله صلعم يقول: ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمُّون به، إلا مرتين من الدهر، كلتيهما يعصمني الله منهما، قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة، في أغنام لأهله يرعاها: أبصر إلى غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة، كما يسمر الفتيان. قال: نعم. فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء وضرب دفوف ومزامير، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا حر الشمس، فرجعت فقال: ما فعلت؟ فأخبرته. ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فلهوت بما سمعت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا مسُّ الشمس، ثم رجعت إلى صاحبي فقال: فما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئًا. قال رسول الله ص: فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته." (1).

"في كل حياتي لم أتحمل شيئًا مقيتًا، مثل ما يفعله الوثنيون إلا مرتين، و في كل مرة خلصني الله منها (...) ".
--------------------------------
(1) - رواه ابن إسحاق في السيرة، هناك من يعتبره حديث حسن متصل ورجاله ثقات (الحافظ ابن حجر و البوصيري) و ورواه أيضا ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه. وقال ابن كثير أنه حديث غريب جدا و في آخره مقحما. و ضعفه الألباني. واعتبره السيوطي ضعيف، بل هناك من ذهب إلى اعتباره "موضوع ومردود"
وقد نسجت العقلية الزئبقية التبجيلية التبريرية تفسيرات بعينها سعت من ورائها يد كل أبواب مساءلة وتمحيص ما قيل. ومنها هذا التفسير: أن النبي كان قبل البعثة قد همّ بالذهاب إلى عرس فيه صوت غناء ، والهم يأتي في المرحلة الرابعة من مراحل النية وعليه يكون الثواب والعقاب ، ففي الحديث من هَمّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِنْ هَمّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ. وَإِنْ هَمّ بِسَيّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً... وَإِنْ هَمّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا الله سَيّئَةً وَاحِدَةً". وحالة النبي في هذه القصة ( ينطبق عليه من هم بسيئة فلم يعملها فتكتب له حسنة واحدة). كان يُعد الرسول إعداداً ربانياً ليكون سيّد الخلق أجمعين، وليكون خاتماً للرسل والأنبياء ورحمة للعالمين، وحتى لا يجد مغرض شيء في سيرته يدعو للشك والريبة، فالنبي معصوم عن الصغائر والكبائر قبل البعثة وبعد البعثة. هذه القصة تدل على بشرية الرسول وهو أيضا قد دعته نفسه إلى سماع الغناء ولكن الله منع عنه هذا الأمر لحكمة ربانية. بل إن هذه القصة إعجاز رباني في نعاس النبي ونومه حتى صباح اليوم الثاني ليعلم أن الله لا يريد له الذهاب إلى ذلك المكان.
----------------------------------------------------------------

هذه واحدة من المؤشرات النادرة حقًا في السيرة الذاتية التي لدينا في الأربعين عامًا الأولى من حياة النبي محمد! علاوة على ذلك، ذكر ابن حزم أنه قيل في عصره أن "تحريم الخمر لم يكن من سنة النبي"، جاء في كتاب "الفصل" ص 26 «... كذبة أخرى في أن حد الخمر ليس سنة رسول الله صلعم وإنما هو شيء فعلوه وحاشا لهم عنهم من هذا ".

إن هذا التكييف "الأيديولوجي الحقيقي" القائم على تقديس شخص الرسول هو أصل تصور المسلمين للكتابات القرآنية الممجدة والمتسامية بدورها في حركة لا تقاوم. وهكذا تم وضع حاجز لا يمكن تخطيه ضد أي تصور تاريخي ونسبي للقرآن. ثم نال العقل اللاهوتي الأسبقية على العقل التاريخي. خلال الأربعة عشر قرناً التي تفصلنا عن زمن الوحي، تمت إعادة كتابة التاريخ بصبر ومنهجية مفكر فيها. و تم التخلص تدريجياً من جميع الآثار التي يمكن أن تعيق هذا البناء الجديد. إن الكتابات هي التي تحملت وطأة هذا المسار قبل كل شيء. وقد تم تنفيذ هذا العمل بسلاسة بحيث لا توجد اليوم عمليا مخطوطات تعود إلى القرن الأول للإسلام، بدءًا من القرآن نفسه.

الشهادات الأولى ( منها المخطوطات) على القرآن خلال القرون الأولى اختفت بدورها إلى الأبد. وكذلك الأمر في سيرة النبي، سواء كان ذلك يتعلق بفجر الدعوة أو حياته قبلها. ولنتذكر هنا أن حتى أقوال النبي كانت ممنوعة من التدوين وتداول تدوينها في القرن الأول للإسلام. كانت النتيجة الأولى لعملية "تنظيف طاولة الماضي " هذه ، التي اعتمدتها "السلطات السياسية والدينية" هي تكريس "الأيديولوجية الأرثوذكسية الجديدة" بشكل نهائي باعتبارها الوحيدة الممكنة وهي الحقيقة الوحيدة المتاحة. وهي" أيديولوجية " لا يمكن لأي دليل أو أثر جاد الوصول إليها الآن، لأن جميع الآثار الأخرى قد اختفت أو كادت تختفي.

وهكذا تم إحكام أغلاق الفخ على ضمير كل مسلم. لقد سيطرت "الأيديولوجية الأرثوذكسية" بالتأكيد على الواقع التاريخي. حتى أصبح من المستحيل اليوم ومنة غير المجدي البحث لمقاربة صورة تعكس واقع النشأة، أو طرح أي حجة للعثور على حقيقة الإسلام كما كان موجودًا وكما عاشه النبي محمد وأصحابه الأوائل. وحال محاولة المرء للتنقيب بهذا الخصوص، يُتهم على الفور بالتآمر على الإسلام ، ونية إلحاق الضرر به ، والتقليل من شأنه ، أو الانخراط بنية مسبقة في "عقيدة المؤامرة" المحاكة ضد الإسلام والمسلمين... إلخ. لقد أصبح البحث عن الحقيقة التاريخية للإسلام شبهة بل معصية ، والابتعاد عنها ضرورة وضمانة أكيدة وفعالة لتقوى المسلمين ، الذين عليهم الابتعاد دوما وكليا عن النقاشات اللاهوتية والتاريخية.

وهناك ضحية أخرى لهذه «المنظومة الأيديولوجية الأرثوذكسية"، إنه القرآن نفسه. فلم يقتصر الأمر على تدمير المخطوطات القرآنية الأولى وإحراقها بأمر من الخلفاء ، ليحل محله مصحف، وبجانبه السنة المعلن أنها تكمل القرآن – بل قد تنسخه أحيانا - ، وفي كل الأحوال تقدم لنا التفسير الصحيح الذي يجب أن نتبناه في حرفه وروحه. يجب أن يمر أي نهج للقرآن بالضرورة من خلال العقائد التقليدية، وإلا السقوط في البدعة أو الزندقة أو الكفر. إن "مؤسسة السنة" أصحت آلة تحقيق حقيقية ذات كفاءة هائلة، لدرجة أنها تنجح في جعل المسلمين يعتقدون أنها تحتكر- أحيانا كثيرة - الحقيقة على الأشياء الإلهية، في حين أن وجود ومحتوى جزء كبير منها استخدم أساسا سعيا للاستيلاء على السلطة.

لا يعرف المسلم اليوم الكثير عن القرآن ، تمامًا كما أنه لا يعرف الكثير عن النبي محمد ، وما هو متوفر له عرمرم من الكليشيهات الأسطورية التي تحل محل السرد التاريخي الفعلي. إن "القداسة" التي يحيط بها النص القرآني تمنع المرء تقريبًا من فهمه ومن اكتشاف أن له معاني، ليست بالضرورة تلك التي تسمح بها الأرثوذكسية بمعرفتها وتقرها، كما أن لهذا النص القرآني تاريخًا رتبه المسلمون الأوائل على طريقتهم، ولا نعلم عنه الكثير.
_________________________ يتبع ________________________

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت