ومضة من بريق الصواعق

كاظم فنجان الحمامي
2023 / 3 / 19

دأب الناس على استهلال رسائلهم في خطابات العزاء والمواساة بعبارة: (كل من عليها فان). وهذا صحيح تماماً، فكل ما في البلدان والحكومات في طريقه إلى الزوال إن عاجلاً أم آجلاً، السلاطين يموتون. والملوك يستخلف بعضهم بعضاً. والأمراء يرحلون من دار الدنيا إلى دار الآخرة. وتبقى سياساتهم وأفعالهم بحلوها ومرها وقوداً للإنسان الواعي، وتذكاراً للماضي، ودروساً للمستقبل. وربما أدرك (معاوية الثاني) هذه الحقيقة، وشعر بالخجل من جرائم جده وأبيه، وما فعلوه بالصحابة من قتل وتشريد وتعذيب وتنكيل وفتنة وصراعات خاضوها بكل عدوانية ضد القبائل العربية الفقيرة، فما أن تولى الخلافة من بعدهما، حتى جلس على كرسي الاعتراف بمحض ارادته، فصعد المنبر وألقى خطبته الأولى في ذم أبيه وجده أمام جمع غفير من الناس، فقال: (إنّ هذه الخلافة حبل اللّه، وإنّ جدّي معاوية نازع الأمر أهله ومن هو أحقّ به منه، وركب بكم ما تعلمون، حتّى أتته منيّته، فصار في قبره رهيناً بذنوبه. ثمّ قلّد أبي الأمر، وكان غير أهل له، ونازع ابن بنت رسول اللّه، فقصف عمره، وانبتر عقبه، وصار في قبره رهيناً بذنوبه). .
ثمّ بكى وقال: (إنّ من أعظم الأُمور علينا علمنا بسوء مصرعه وبئس منقلبه، وقد قتل عترة رسول اللّه (ص)، وأباح الخمر، وخرّب الكعبة، ولم أذق حلاوة الخلافة، فلا أتقلّد مرارتها، فشأنكم أمركم. واللّه لئن كانت الدنيا خيراً فقد نلنا منها حظّاً، ولئن كانت شرّاً فكفى ذرّيّة أبي سفيان ما أصابوا منها). .
ثمّ تغيّب في منزله حتّى مات بعد أربعين يوماً على ما مرّ، وكانت هذه شهادته بجده وأبيه، وهي موثقة في كتاب (الصواعق المحرقة) الصفحة 336. للأمام ابن حجر الهيتمي الشافعي، وقد وضع كتابه هذا للرد على الشيعة، لكنه يذكر اعترافات معاوية الثاني ضد الأسرة الأموية الحاكمة. .
ثم نأتي الآن لنعيد قراءة تلك الاعترافات بعد مرور 1400 سنة على رحيل هذا الرجل الملقب بأبي ليلى، وهو في حقيقة الأمر أدرى من كهنة هذا الزمان بأخطاء أهله وذويه، فقد عاش وتربى في قصورهم، ونشأ وترعرع في احضانهم، ولابد من التمعن بما قاله عنهم، فشهادته في تلك الأيام أعمق وأدق من تبريرات الذين تطوعوا هذه الأيام لتجميل صورة (يزيد) الذي يأنف القلم من ذكر اسمه، والذي نشأ جانحاً نحو كل رذيلة، ميالاً إلى كل موبقة. لم يترك كبيرة أو صغيرة من الآثام والجرائم إلا وجاء بها، فكان خليعاً مستهتراً مدمناً على الخمور واللهو والعبث مع الكلاب والقردة، ملحداً حاقداً على الإسلام والنبي وأهل بيته. .
فشهادة الحق أمرها عظيم، ولابد من توثيقها من باب الوفاء والاخلاص والولاء لهذه الأمة، لكي تنير ومضاتها عتمة الصفحات التي تعرضت للتزوير والتحبير والتحريف والتزييف عبر مراحل التقلبات السياسية والطائفية. .
وللحديث بقية. . .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت