تلخيص كتاب رينيه ديكارت: -قواعد لتوجيه الفكر- (الجزء الأول)

أحمد رباص
2023 / 3 / 19

رينيه ديكارت فيلسوف ورياضي فرنسي عاش بين سنتي 1596 و1650م، يعتبر واحدا من فلاسفة الحقبة الحديثة البارزين، كما عرف بمذهبه العقلاني وبشكه المنهجي.
يتنزل هذا الكتاب “القواعد” ضمن أرضية نقدية من رهاناتها توحيد المعارف كلها. فليست العلوم جميعا سوى الحكمة الإنسانية، وهي عينها تظل دوما واحدة مهما تنوعت المواضيع التي تبحث فيها. فديكارت يستعمل في القاعدة الأولى من كتبه مجاز “الشمس” للتأكيد على الترابط بين مختلف العلوم وتوحدها في مبدإ العقل، فينقد بذلك ما يقيمه الفكر المدرساني من مقارنة فجة بين العلوم والفنون من جهة أولى ثم التمييز بين العلوم بحسب تنوع موضوعاتها من جهة ثانية، وهو الخطأ عينه لأنه مهما اختلفت الموضوعات فإن مبدأ معرفتنا بها يبقى واحدا فيشع العقل بنوره على الأشياء مثله كمثل الشمس لا تتأثر بتغير هذه المواضيع أكثر مما يتأثر نور الشمس بتنوع الأشياء التي يضيئها، كما قال هو نفسه في مقدمة الكتاب الذي بين أيدينا
"قواعد توجيه الفكر" (قواعد) هو عمل مبكر من كتابات ديكارت، أعاد صياغته طوال حياته، ولم يظهر إلا بعد وفاته. مع كونه نصا غير مكتمل، تنبثق منه العناصر التأسيسية لفكر ديكارت: البحث عن طريقة لبلوغ حقائق يقينية، النموذج الحسابي الهندسي، إلخ...
يبني الفيلسوف رينيه ديكارت قواعد للفكر، فكلّما استطاع العقل أن يراجع مسلماته، كلّما احتاج إلى قواعد يسترفدها من العلوم والمعارف التي تسعى جميعها إلى تحصيل الحكمة الإنسانيّة. وإذا كان العقل لدى ديكارت ملكة نميّز بها تمييزا قيميّا ومعياريّا بين الخير والشر والقبيح والجميل، فإنّه أعدل الأشياء قسمة بين النّاس، وهو ما يستدعي تفكيرا متواصلا في أهميّته وطرائق استخدامه، وطرح سؤال كيفيّة التّفكير، فليس المهمّ أن نمتلك العقل، وإنّما تكمن الأهميّة في حسن استخدامه.
لقد حدد ديكارت في هذا الكتاب القواعد المختلفة لمنهج كوني لتوجيه الفكر عندما يسعى للوصول إلى الحقيقة.
القاعدة 1: يجب السعي إلى "إصدار أحكام راسخة وصحيحة حول ما يتبادر إلى الذهن
كانت هذه القاعدة بالنسبة لديكارت فرصة لتطوير فكرة مهمة: لا ينبغي للمرء أن يتبنى في العلم مبدأ التخصص، أي دراسة علم واحد.
مبدأ التخصص ضروري في الفن: يصبح المرء فقط معلما (عازفا على الكمان، مثلا) إذا كرس نفسه فقط لموضوع فنه: "لا يمكن ليدي نفس الرجل أن تعتادا على زراعة الحقول والعزف على آلة القانون"، كما يقول.
على خلاف ذلك، للوصول إلى الحقيقة، ليس من الضروري التخصص في علم واحد. يطور ديكارت هنا نقدا لتشتت العلوم - في عصره، كما في عصرنا الحالي- والتي يجب في الواقع إعادة إدماجها ضمن علم واحد.
تأتي وحدة العلوم من نقطة مشتركة أساسية؛ هي أم "كل العلوم ليست سوى الحكمة البشرية، التي تظل دائما واحدة ومطابقة لذاتها، كما رأينا مع مجاز الشمس.
لذا فإن الوحدة هي هذه الحكمة الكونية، والتي يسميها ديكارت أيضا الحس السليم.
لقد رأى الإنسان أنه من المناسب تقييد نفسه من أجل اكتشاف الحقائق من خلال التخصص في هذا المبحث او ذاك، بينما على العكس من ذلك، فإن كل حقيقة يتم اكتشافها تساعدنا على اكتشاف حقائق أخرى في مجالات أخرى.
يجب أن يكون الهدف من الدراسة هو هذه الغاية العامة (الحكمة الكونية)، وليس أي غاية معينة. المنفعة أو السعادة أمثلة على غايات معينة تسعى إليها بعض العلوم بشكل خاطئ. لا ينبغي دراسة العلم لغرض تحسين الوجود البشري.
هذا من شأنه أن يجعلنا، إذا كنا نبحث عن ذلك فقط، نحذف العديد من الأشياء الضرورية للوصول إلى معرفة أخرى، لأنها تبدو للوهلة الأولى خالية من الفائدة أو المنفعة. هكذا، مثلا، لن ندرس ما يحدث في هذه المجرة او في تلك لأنها بعيدة عنا جدا ولا يمكننا الوصول إليها أبدا، ونخلص من ذلك إلى أنها شيء عديم الفائدة للإنسان.
اذا ما اللذي يجب فعله؟ بخلاف ذلك، يجب أن نقنع أنفسنا بأن جميع العلوم مرتبطة في ما بينها ارتباطا وثيقا لدرجة أنه من الأسهل بكثير تعلمها جميعا بدلاً من فصل أحدها عن الأخرى.
يجب أن نفكر أيضا في تطوير النور الطبيعي لعقلنا. هذا سيسمح لنا بالتقدم بشكل أسرع بكثير من أولئك الذين يتعاطون لعلوم بعينها.
القاعدة 2: يجب أن نهتم فقط بالأشياء التي يبدو أن عقولنا قادرة على بلوغ معرفة بها مؤكدة وغير قابلة للشك فيها
يجب أن نتجنب المشكوك فيه والمحتمل وغير المؤكد. هذا المطلب، الذي نجده في "التأملات الميتافيزيقية"، أساسي عند ديكارت. إذا أدخلنا المشكوك فيه إلى تفكيرنا من خلال قبول الحجج المحتملة فقط، فإن "الأمل في توسيع نطاق معرفتنا ليس كبيرا مثل خطر تقليصها"، على حد تعبير المؤلف.
على العكس من ذلك، يجب على المرء أن يسعى إلى البديهي، اليقيني، والضروري، وبالتالي، ان ينتقل من قضايا يقينية إلى قضايا يقينة، وأن يكتشف حقائق لا تقبل الشك.
لكن أليست المعارف اليقينية نادرة جدا؟ في الواقع، "هي أكثر بكثير مما يعتقده المرء وتكفي للاستدلال بدقة على قضايا لا حصر لها، لم تتمكن حتى الآن من ذكر أي شيء أفضل من الاحتمالات"، كما يقول فيلسوفنا.
ومع ذلك، يبدو أنه لا توجد فكرة تحظى بإجماع المجتمع العلمي، وأنه لا يمكن تقديم أي فكرة باعتبارها حقيقة كونية غير قابلة للشك.
في الواقع، هناك مجال واحد يوجد فيه مثل هذا القبول الشامل (على الأقل في زمن ديكارت): الحساب والهندسة. سيشكل هذا نوعا من النماذج: يتعين على العقل أن يسعى لتحقيق الحكمة البشرية، من خلال اعتماد نفس الإجراءات ونفس متطلبات اليقين التي نجدها في الرياضيات.
(يتبع)

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت