رجل أحبه اسمه - عادل خيرى - النجم اللامع رغم الجحود والنسيان

منى نوال حلمى
2023 / 3 / 13


ليس من طباعى أن أجحد المعروف ، أو أن أنكر الجميل . على العكس ، أبالغ فى ردهما . كريمة أنا ، ومن بيت كرم ، ولاشك عندى أن " المتنبى " كان يقصدنى ، حين كتب: " اذا أنت أكرمت الكريم ملكته وان أنت أكرمت اللئيم تمردا ".
هناك رجل فى حياتى ، أهدانى دون مقابل ، لحظات لا يحسبها العمر ، من البهجة ، والرقى ، والتأمل ، والفرح والحزن والحكمة . لكننى حتى الآن ، لم أرد هداياه ، ولم أعترف بمعروفه الغارقة فيه ، ولم أسدد جمايله التى جّملت حياتى .
رجل ، لم يُخلق للفن . بل الفن هو الذى خُلق من أجله . مبدع ، وظريف ، ووسيم ، ولطيف ، وبسيط ، وعميق ، لذيذ ، ودمه خفيف ، موهوب الى حد أمرضه وقضى عليه . أتى الى الحياة ، ورحل عنها وهو فى أوج انطلاقه ، وابداعاته ، وشبابه ، واخلاصه للشغف الممتلئ به .
وُلد الطفل المعجون بالفن فى 25 ديسمبر 1931 ، وخطفه الموت فى 12 مارس 1963 ، خطواته على الآرض ، 31 سنة ، وخطواته على خشبة المسرح سبع سنوات ، منحنا عصارة قلبه وعنفوانه وايمانه بالمسرح ، فكان لابد أن يُنهك سريعا ، ويترك الستارة ترتفع ، والجمهور يصفق ، وهو فى قمة النجومية .
وكيف لا يصبح نجما ، وفى طفولته وصباه ، عاصر المجد المسرحى والسينمائى لأعظم ثنائى فنى ، صنعا " توليفة " غير مألوفة للمسرح المصرى ، واحد منهم نجيب الريحانى 21 يناير 1889 - 8 يونيو 1949 ، والثانى أبوه بديع خيرى 17 أغسطس 1893 - 1 فبراير 1966؟؟.
انه عادل خيرى ، الذى بحكم دراسته للحقوق ، كان " عادلا " فى قضيته الوحيدة ، أن يقدم الوفاء لمسرح الريحانى ومؤلفات أبيه ، ويدافع عنهما بكل كيانه .
واجه عادل خيرى المأزق المحير ، هو يريد إشباع موهبته ، وفى الوقت نفسه يريد اعادة مسرح الريحانى الى الحياة مرة أخرى . فقرر أن يعيد مسرحيات الريحانى برؤية عادل خيرى، وفكاهة عادل خيرى، وشخصية عادل خيرى، وزمن عادل خيرى، ولغة الجسد لعادل خيرى . واستعان بعدد كبير من العظماء، تلامذة الريحانى فى المسرح أو فى السينما.
كان عادل شديد الوفاء لموهبته الخاصة، وهذا ما جعله قادرًا على الوفاء لمسرح الريحانى. المسرح الذى تزعم تأسيس نهضة مسرحية ، تمزج كل أنواع السخرية ، فى " خلطة " كوميدية سياسية اجتماعية ثقافية فلسفية ممتعة ، هى السهل الممتنع .
آمن عادل خيرى أن للضحك فلسفة عميقة وإن كانت فى منتهى البساطة، وهى أن الإنسان يحتاج إلى الضحك، تمامًا مثلما يحتاج إلى التعليم والعمل والماء والهواء والحب والطعام والمسكن والدواء. وبالتالى علينا حمايته من التلوث والتدهور كما نحمى تلك الأشياء الأخرى. وكأنه يؤكد ما قاله " شارلى شابلن " 16 ابريل 1889 - 25 ديسمبر 1977, " اليوم الذى يمر دون ضحك هو يوم ضائع " .
إن السخرية ليست قلة الأدب، لكنها «شياكة» تعرية القبح. والكوميديا ليست حركات بهلوانية أو حواديت مفتعلة للتسلية وقتل الوقت . لكنها الدخول التلقائى غير المفتعل إلى عمق التناقضات الاجتماعية والأخلاقية التى تملأ حياتنا. وكشف حقائق ومكنونات النفس دون فذلكة. هو يتساءل أسئلة الأحلام البسيطة العفوية ، التى تدين القيم التى تتحكم فى حياتنا ومصائرنا.
من هذا المنطلق فإن عادل خيرى يضحكنا، لأنه فى الحقيقة لم يكن يقصد أن يضحكنا. هو يضحكنا لأنه فى الحقيقة يثير البكاء. أو كما عبّر أحد الفلاسفة: " إننى أضحك لأمنع نفسى من البكاء".
سبع سنوات فقط هى عمره الفنى ، لكنه أعاد عشرات من مسرحيات الريحانى ، بمذاق الشباب المتحمس الغيور على ملكاته من الصدأ ، لا يحتمل أن تشعر أمه ، أنها تكبدت عناء ولادته دون ثمن ، وألا يترك بصمته المتفردة على جدران الكون.
مارس الفن ، بجاذبية ناعمة ، كأنه يمارس الحب مع امرأته الأولى والأخيرة . له حضور يجبرنا على التركيز والاستغراق . كاريزما فى الكلام والصمت والحركة ، تتسلل الى ما تحت المسام ، بسلاسة شمس الخريف ، ودهشة أمطار الصيف .
أحب كل المسرحيات التى أعادها عادل خيرى ، من تراث نجيب الريحانى وبديع خيرى ، وشاهدتها أكثر من مرة .
لكن مسرحية " حسن ومرقص وكوهين " ، لها مكانة خاصة ، ليس فقط لقيمتها الفنية ، وانما للمعركة الدينية والثقافية التى أثارتها ، وانتصر فيها الفن على الرجعيات الدينية .
فالمسرحية لها اصل واقعى .
فقد ذهب نجيب الريحانى مع صديقه وتوأم روحه بديع خيرى ، لزيارة صديق مريض فى حى العباسية، ولفت نظرهما لافتة محل معلقة مكتوب عليها: "ابسخروس وص وعثمان " .
فجاءت لهما فكرة المسرحية، كيف أن لقمة العيش فوق اختلاف الأديان ، وهذا يرسخ النسيج الوطنى الواحد ويدعم الوحدة الوطنية، كتب بديع خيرى المسرحية باسم: "حسن ومرقص وكوهين ".
لكن الأزهر والكنيسة والحاخامات، اعترضت على اسم المسرحية، فحسن هو حفيد نبى الإسلام، ومرقص هو الرسول المبشر بالكرازة المرقصية، وكوهين اسم أعظم الكهنة العبريين .
حارب نجيب الريحانى وبديع خيرى، فترة طويلة ضد الثلاث جهات ولم ترضخ لتغيير اسمها، وفى النهاية انتصر الفن وعرضت المسرحية لأول مرة فى 16 نوفمبر 1941، على مسرح دار الأوبرا ونالت نجاحًا مستمرًا غير متوقع من الجماهير .
بالأمس 12 مارس ، الذكرى الستون لرحيل عادل خيرى ، واليوم 13 مارس عيد الفن.
هل تذكرناه ؟؟ . لقد سقط من الذاكرة ، مثلما سقط أبوه " بديع خيرى " . هذا على الرغم ، من احتفائنا فى كل مجالات الفن والابداع ، بالأقزام ، وأصحاب الفن العقيم ، والابداع النمطى المقلد ، والكوميديا البهلوانية ثقيلة الدم ، وأراجوزات المسرح و المواهب الفاسدة التى خربت تذوقنا ، وأرضت الفكر المألوف ، والمزاج السائد .
الى " عادل خيرى " .. أهدى ورودا مثله ، لا تفقد الرونق والعبير .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت