كتاب منذر سفر: هل القرآن أصيل؟ - 26 -

جدو جبريل
2023 / 3 / 8

أسطورة الجمع

بعد أسطورة حرفية الوحي، نأتي إلى أسطورة تجميع النصوص القرآنية في كتاب منظم - المصحف. هذا هو الدليل الثاني الذي قدمه الموروث والسردية والإسلاميين ( الأرثوذكسية الإسلامية) لاعتماد فكرة النص الأصلي الإلهي بالكامل والأصلي. لقد رأينا أن التفاوت الشديد في الطول بين السور الطويلة والقصيرة ، والغياب التام لمخطط شامل للكتاب وخاصة السور ، كل هذا قد يثبت بما لا يقبل الجدل أنه لا يوجد كتاب منظم جامع للوحي في حياة محمد رغم وجود كتبة الوحي ، هل كانت هناك رغبة في التناغم بين الوحدات المتعددة التي نزلت في كيان تركيبي يسمى "القرآن ، أو المصحف ؟ وهل كان "كيان مدون" لكافة ما نزل من الوحي أي "تركيب" قرآني واحد ؟

ما هو مؤكد - وفقا للسردية والموروث الإسلاميين - لا وجود وقتئذ لـ "تركيب" قرآني واحد ، ولكن هناك العديد من الآيات غير ذات الصلة تكون كتابا. لنتذكر، في هذا الصدد، اللوم الذي وجه إلى عثمان على اختزاله القرآن في حرف واحد، إذ كان على أحرف وقام باختزالها إلى حرف واحد. وأيضًا رد الفعل الأكبر من التحفظً المنسوب إلى "زيد" عندما عرض عليه مشروع تجميع القرآن، بما في ذلك تردد صدى الخلافات أثناء إضفاء الطابع الرسمي على" المصحف القانوني " - "المصحف الإمام". وأيضا موقف ابن مسعود.

لكن، كيف حسمت "الأرثوذكسية الإسلامية" الأمر؟

حسب السردية والموروث الإسلاميين إن جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِن السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ مُصْحَفَ عُثْمَانَ هُوَ أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ للعرضة الْآخِرَةِ الَّتِي عَرَضَهَا النَّبِيُّ عَلَى جِبْرِيلَ، وَالْأَحَادِيثُ، وَالْآثَارُ الْمَشْهُورَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. يعني هذا أن عثمان ترك الأحرف الستة الأخرى. وبهذا الخصوص تساءل الطبري في تفسيره: فما بال الأحرف الأخَرِ الستة غير موجودة، وقد أقرأهن الرسول أصحابه، وأمر بالقراءة بهنّ، وأنزلهن الله من عنده على نبيه ؟ أنسخت فرُفعت، فما الدلالة على نسخها ورَفعها؟ أم نسيتهن الأمة، فذلك تضييع ما قد أمروا بحفظه؟ أم ما القصةُ في ذلك؟ قيل له: لم تنسخ فترفع، ولا ضيعتها الأمة، وهي مأمورة بحفظها. ولكنّ الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخُيِّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت.

إن هذه الإشكالية تم حلها - ببساطة - عن طريق ما يسمى بالإجماع، أي إجماع الصحابة والمسلمين على هـذا الأمر. وأضحت القضية، ليست هي التساؤلات بخصوص الإشكالية وإنما تحول الأمر إلى الاهتمام بإثبات هذا الإجماع ونفي أي معارض له. ولتوضيح الأمر لنأخذ حالة ابن مسعود.

من المعلوم - واستنادا على مراجع السردية والموروث الإسلاميين - أن ابن مسعود تشبت بقراءته ومصحفه، وهو القائل وهو يخطب على المنبر "...وَكَيْفَ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَى قِرَاءَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقَدْ قَرَأْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَ - بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَيَأْتِي مَعَ الْغِلْمَانِ لَهُ ذُؤَابَتَانِ، وَاللَّهِ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِي أَيِّ شَيْءٍ نَزَلَ، مَا أَحَدٌ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي، وَمَا أَنَا بِخَيْرِكُمْ، وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانًا تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي لَأَتَيْتُهُ"... قَالَ أَبُو وَائِلٍ: فَلَمَّا نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ جَلَسْتُ فِي الْحِلَقِ فَمَا أَحَدٌ يُنْكِرُ مَا قَالَ".

لقد أقر الموروث والسردية الإسلاميان أنه ليس في الاقتصار على حرف واحد من الأحرف السبعة تضييع لشيء من القرآن، فكل حرف منها كاف شاف، وذلك استنادا على الحديث " أتاني جبرئيل وميكائيل، فجلس جبرئيل عن يميني، وجلس ميكائيل عن يساري، فقال: اقرأ على حرف، فقال: ميكائيل: استزده، فقال: اقرأ القرآن على حرفين. قال: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف. قال: وكل كاف شاف." - رواه النسائي وصححه الألباني. هذا مع إضافة أن الأصل هو أن يكون القرآن على حرف واحد، وأن تعدد هذه الحروف إنما هو من باب التخفيف والرخصة، وليس من باب الإلزام والوجوب. هذا مع الإشارة إلى أن ما روي من مخالفة ابن مسعود فلا ينقض الإجماع المذكور أعلاه، لأن اعتراض ابن مسعود لم يكن على أصل فعل عثمان، وإنما على اختيار من يقوم بذلك ( وعدم اختياره هو)، وما يترتب عليه من آثار، مع التأكيد أنه رجع بعد ذلك لموافقة الجماعة بعد زوال الغضب عنه. فالصحابة أجمعوا على ذلك، وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلال، ولم يكن في ذلك ترك لواجب، ولا فعل لمحظور، إذ كانت قراءة القرآن على ‌سبعة ‌أحرف جائزة لا واجبة، إنها ‌رخصة من الله... وهناك من أضاف إن الترخيص في الأحرف السبعة كان في ‌أول الإسلام، لما في المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولا، فلما تذللت ألسنتهم بالقراءة، وكان اتفاقهم على حرف واحد يسيرا عليهم، أجمعوا على الحرف الذي كان في العرضة الأخيرة. في حين ذهب آخرون إلى القول إن المصحف مشتمل على الأحرف السبعة لأنه لا يجوز أن يهمل شيء من الأحرف السبعة. وقد اتفقوا على نقل المصحف العثماني. إن ذلك كان جائزا لا واجبا، أو أنه صار منسوخا. هكذا تم حسم الأمر نهائيا، وأضحى كل من أراد التدقيق في الأمر ومحاولة رصد المسار التاريخي للقرآن يعتبر ممن يريدون إثارة الفتن لغرض في نفس يعقوب.

متى حدث هذا "التقنين"؟

بخصوص هذا السؤال، لا تساعدنا البيانات الواردة في السردية الإسلامية كثيرًا للإجابة على هذا السؤال بدقة، لأن أقدم المخطوطات المعروفة يعود تاريخها إلى ما بعد نهاية القرن الأول أو بداية القرن الثاني للهجرة. وغير مستبعد، ومن المحتمل أنه خلال الفترة الأموية، أن تكون هناك فقط مجموعة من الأوراق المختلفة (صحف) مرتبة وفقًا لطولها و"مرقمة" ( الحروف المقطعة). وقد يكون بالأحرى "جرد رسمي" للنصوص التي نزلت ، كما نزلت. ولإضفاء الشرعية على مثل هذا المشروع، نُسبت هذه العملية بشكل مختلف إلى الخليفة الثالث عثمان، وأحيانًا إلى أبو بكر، وحتى إلى النبي محمد. علما أن فكرة التجميع في "كتاب واحد – مصحف واحد " لم تظهر بوضوح إلا بعد وفاة النبي.


أسطورة النقل بالتواتر

لقد كرس الموروث والسردية الإسلاميان فكرة "النقل السليم والأكيد" للنص القرآني من نزوله إلى يومنا هذا، لإثبات أن النص الذي نمتلكه اليوم (المصحف) هو بالفعل "نص اللوح المحفوظ" ( الجدول السماوي) الذي حفظه الله من أي تغيير. لكن، هناك المتغيرات التي أقرت بها الأرثوذكسية الإسلامية نفسها ( السردية والموروث الإسلاميان)، وصنفتها تحت اسم القراءات، أو تباين الألسن بين القبائل وليس اختلاف في المدلول أو المعنى. كما أن بعض "الاختلاف" قد يعود أحيانا في الفترات الأولى قد يعود إلى مبدأ النسخ.

علاوة على ذلك، كان الخط العربي في ذلك الوقت في بداياته، كان ناقصًا وخاليًا من علامات التنقيط والتشكيل والمد و"العلامات الصوتية" حتى تاريخ متأخر بين نهاية الدولة الأموية والقرن الرابع الهجري. للإجابة على هذا الاعتراض، تمت مناقشة القدرة الهائلة للعرب القدماء على حفظ النصوص – بسهولة وبدقة على طهر قلب - والحفاظ عليها خالية وبعيدة عن الخطأ.

لكن ورد في بعض مراجع السردية والموروث الإسلاميين ما يبين نسبية هذه "القدرة الخارقة"، على سبيل المثال ورد عند ابن مجاهد (245 - 324 هـ) ، دون علمه ، في شرح سبب "الاختلافات القرآنية" يقول في مقدمته لكتاب "السبعة في القراءات" أن من يحفظ القرآن قد ينسى ثم يفقد ما تسلمه ويقرأ النص بغير تمييز. . فيقرأها عشوائياً، مما يدفعه إلى تبرئة نفسه، لينسب هذه القراءة إلى قارئ آخر. وإذا صادف أنه رجل ثقة، فالناس يقتدون به. ويصادف أنه نسي وأخطأ بحسن نية ويتمسك بها ويطلبها من الآخرين.

فهل يمكن الإقرار كليا وقطعيا بعصمة ذاكرة القراء المسؤولين عن حفظ النص القرآني؟
وهذا علما، أنه ليس فقط الذاكرات هي التي قد تفشل أحيانا ، فالكتبة أيضا معرضون للخطأ في رسم الحرف جيدا عند الأخذ من عند أولئك الذين يتلوون من الذاكرة . وفعلا قد وصلتنا مخطوطات قرآنية تتضمن أخطاء النسخ. ومن الأمثلة مخطوطة سمرقند الشهيرة.

هناك رواية نقلتها السردية الإسلامية عن التدمير العرضي للقرآن بنار وقت الوحي، تفيد أن النبي قال :
(( " لو جمع القرآن في إهاب ما أحرقته النار ")) ( *) .
___________
(* ) - هناك أكثر من صيغة لهذا الحديث. جاء في سنن الدارمي ج2/ص522 :عن عقبة بن عامر، قال النبي "لو جعل القرآن في إهاب(أي الجلد) ثم ألقي في النار ما احترق". وجاء عند الطبراني بهذه الصيغة " " لو جمع القرآن في إهاب ما أحرقته النار "- ( المعجم الكبير). يحتمل أن يراد بالإهاب قارئه الذي وعاه ويحتمل الجلد الذي يكتب فيه لو ألقى في النار لانتزع الله منه القرآن تنزيها له حتى يحترق الإهاب خاليا من القرآن (أبو المحاسن الحنفي في كتابه معتصر المختصر ج2/ص275). وقيل: لو كان القرآن في إهاب، يعني: في جلد، في قلب رجل، يرجى لمن القرآن محفوظ في قلبه أن لا تمسه النار، (فكيف يحترق مؤمن يحمله في قلبه؟)- ( مسند أحمد).
________________

ما سر "رواية تدمير القرآن بالنار"؟ فهل دمرت النار جزئيًا القرآن في حياة النبي ؟ وهل لرواية "هذا التدمير" أي علاقة بما ينسب إلى عثمان على وجه الخصوص من "نصوص" القرآن التي أبعدت وأحرقت ؟ لا شيء يسمح لنا اليوم أن نذهب إلى أبعد من هذه الأسئلة، إلا أنها تظل تساؤلات قائمة في إطار إشكالية «تاريخ القرآن ونقله". علما أن أطروحة السردية والموروث الإسلاميين حسمت الأمر إذ أن الله تعهد بحفظ القرآن، علما أن الآية الواردة في القرآن بهذا الخصوص مرتبطة مباشرة باللوح المحفوظ ومحتواه، وليس النص الموحى.


_________________ يتبع : أسطورة عدم الإتيان بمثله __________________

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت