علمانيونا يتهيبون الإجهار بعلمانيتهم

عبدالله عطية شناوة
2023 / 3 / 6

أمام سطوة تأسلم المجتمع، تتحرج القوى العلمانية في المجتمع العراقي، من الإفصاح عن هويتها، وتتوارى خلف مسمى التيار المدني، وتنادي بإقامة الدولة المدنية - وليس الدولة العلمانية - كبديل لنظام المحاصصة الطائفية ـ الإثنية، القائم في العراق حاليا.

لكن هذا يشوه الرؤية والوعي السياسي، ليس فقط لدى ناشطي هذا التيار، بل في عموم المجتمع ويصب في صالح تيارات التأسلم، بشقيها الشيعي والسني. فالمطالبة بمدنية الدولة لا تعني الدعوة الى علمنتها.

فالدولة المدنية هي مجرد دولة لا يحكمها عسكريون، أو لا تتحكم بها مؤسسات عسكرية، ويخضع العسكريون فيها لقرارات السياسيين المنتخبون شعبيا. وفي حال أختار الشعب أحزابا ذات مرجعية دينية، ستتجه الدولة لأن تكون دولة مدنية دينية. إذ ان تلك الأحزاب ستعمل على تكييف القوانين والحياة الأجتماعية مع أحكام الدين، كما هو الوضع حاليا في إيران والعراق.

في المقابل وعلى مدى عقود عديدة، كانت تركيا تخضع لنظام عسكري علماني، يبعد الدين عن السياسة، ومع تحولها في السنوات الأخيرة الى حكم مدني، إزداد تأثير الدين في السياسة,

وهكذا فأن المطالبة بدولة مدنية لا تعني بالضرورة، المطالبة بدولة لا دينية أو علمانية، وأمامنا المثال المصري حيث يطالب الأخوان المسلمون، الذين يسعون إلى إقامة دولة دينية، يطالبون بدولة مدنية، ويعتبرون النظام الحالي (( شبه العلماني)) نظاماً عسكرياً، وهم في هذا ليسوا بعيدين عن الحقيقة. لكن معارضتهم له ليست لطبيعته العسكرية، وإنما لمحافظته على شيء من العلمانية في الحياة العامة، ويحظى نظام السيسي بتأييد السلفيين ـ وهم متدينون أكثر تحجراً من الأخوان ـ لأن نظام السيسي لا يحول دون نشاطهم في أسلمة الحياة العامة. وقد سبق للمتأسلمين في السودان أن دعموا في سبعينات القرن الماضي النظم العسكرية، كحكم جعفر النميري، ثم حكم حسن البشير. ودعموا في السنوات الأخيرة رجب أردوغان (( المدني )) الذي يسعى لجرف النظام العلماني الذي أسسه مصطفى كمال (( أتا تورك )).

النظام العلماني ليس هو النظام الذي يتيح بعض الحريات، بل هو الذي لا تشترط قواعده الدستورية توافق القوانين مع الأحكام الدينية، لأي دين، ويضمن حرية الفكر والمعتقد، وحرية الأجهار بالمعتقدات والأفكار المختلفة والترويج لها بالوسائل السلمية، دون الأستعانة في ذلك بموارد المجتمع، أو بمؤسساته الرسمية، أي النظام الذي يبقي الدولة بعيدة عن الأنحياز لأي من المعتقدات والأفكار، سواء كانت دينية أو فلسفية أو أخلاقية. ويمكن لهذا النظام أن يكون عسكريا كنظام مصطفى كمال الذي كان قائما في تركيا، أو مدنيا كما هو حال أغلب النظم العلمانية.

خشية العلمانيين من الأفصاح عن علمانيتهم، واختبائهم تحت عنوان (( المدنية ))، وتقاعسهم عن الرد على هجمات المتأسلمين على العلمانية، ساعد في تبشيع صورتها، في ذهن الفرد البسيط في المجتمع، وجعلها في ذهنه رديفا للتفسخ الأخلاقي، والتحلل من كل القيم، ولم يؤد هذا الى تضليل الفرد فقط، والحيلولة دون إطلاعه على الحقائق، بل نأى به بعيدا عن القوى التي تسعى الى تنويره وضمان حرياته.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت