الإمارات – دور تخريبي باليمن

الطاهر المعز
2023 / 3 / 6

شاركت الإمارات في احتلال اليمن ودعمت المجموعات السَّلَفِيّة والمليشيات القَبَلِيّة، إلى جانب السّعودية، بدعم مباشر من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والعديد من أعضاء حلف شمال الأطلسي الذين أرسلوا ضُباط وخُبراء التّجسس والإتصالات وصيانة الأسلحة إلى اليمن، وكانت الإمارات مُهتمّة بالسيطرة على جنوب اليمن وخصوصًا على ميناء "عَدن" الذي تمكّنَتْ من إدارَتِهِ لفترة قصيرة، إثْر الفوز، سنة 2008، بمناقصةٍ شَابَهَا الغش والفساد، قبل أن تعود إليه بالقوة وبفعل الدّعم الأمريكي، سنة 2015، وهو ميناء يتميز بعمقه الطبيعي، وبإمكانه استقبال السفن والحاويات الكبيرة، ولم تَشأ الإمارات ضخ الإستثمارات الضرورية لتطويره، كي لا يُنافسَ ميناء دُبَي، لكن تعمل على إحكام سيطرتها على مدينة "عدن" التي تمتلك بها مشاريع اقتصادية هامّة، وشنّت حملة تطهير تمثلت بطرد مواطنين يمنيين يحملون بطاقات هوية صادرة في مدن أُخرى، في إطار تَيْسِير مراقبة المدينة ومينائها وسّكّانها...
تذرّعت الإمارات بمحاربة الإرهاب لترسل، بإذْنٍ أمريكي، قوات مُسلحة يُشكّل المُرتزقةُ معظمَها، لاحتلال أرخبيل سُقَطْرَى، وهي محمية طبيعية يَمَنِيّة، بها أكبر جزيرة عربية على الإطلاق، حيث لم يُوجَدْ أي تنظيم إرهابي قبل احتلالها من قِبَل الإمارات التي مَكّنت الكيان الصهيوني من موطئ قدم والتّواجد العَلَنِي في سُقطرى، ذات الموقع الإستراتيجي للتّجسُّس على إيران، بذريعة السياحة والإستثمار المُشترك...
يهتم الكيان الصهيوني بأرخبيل سُقطْرَى لموقعه الاستراتيجي ولأنه يمثل نقطة ارتكاز للمراقبة ولعدوان محتمل على إيران، وفقًا لتحليل نشره، سنة 2020، "معهد واشنطن" الصهيوني الذي أسّسته منظمة "آيباك"، أكبر لوبي صهيوني عالمي، وفي كانون الثاني/يناير 2022، نشرت العديد من وسائل الإعلام صورًا لأشخاص – قيل إنهم "سائحون"- يحملون علم الكيان الصهيوني في سقطرى التي دخلوها بتأشيرة صادرة عن الإمارات، في حين طردت قوات الإمارات والمليشيات التابعة لها قرابة ثلاثة آلاف صياد من أرخبيل سقطرى، في إطار برنامج لتحويل عدة جزر إلى قواعد عسكرية صهيونية وإماراتية، وخطفت مليشيات مرتزقة الإمارات والسعودية أكثر من ألفي صياد يمني، منذ سنة 2014، بحسب بيان صادر عن وزارة الثروة السمكية التابعة لحكومة الإنقاذ الوطني اليمنية بصنعاء (22 شباط/فبراير 2023)، وتتزامن عمليات الإخلاء القسري هذه مع وصول ضباط صهاينة إلى سقطرى (20 شباط/فبراير 2023) ومع بناء ثكنات ومنشآت عسكرية جديدة في جزيرة "عبد الكوري" ومنطقة "القصير".
تم إغلاق موقع " إنسان" المنظمة اليمنية للحقوق والحريات، بعد نشر تقرير بتاريخ 16 شباط/فبراير 2023 بعنوان "مآسي خفية في البحر الأحمر"، أورَدَ إحصائيات تفصيلية عن اعتقال وترحيل القوات المسلحة السعودية والإماراتية (أو مليشيات المرتزقة) لصيادين يمنيين في البحر الأحمر منذ بداية الحرب، وأدّت هذه العمليات إلى مقتل أكثر من 274 صيادا وإصابة 215 بإعاقات خطيرة وتدمير 476 قارب صيد يمني بالبحر الأحمر، وتعتقل البحرية الأمريكية الصيادين الفارين من القصف لتُسلّمَهُم للجيش السعودي الذي يحتجزهم في مُعْتَقَل يقع ببلدة "خميس مشيط" بالسعودية.
قبل الحرب، كان صيد الأسماك يدعم أكثر من 2,5 مليون شخص في اليمن وهو أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد، ومنذ انطلاق الحرب، تقوم مجموعات من المرتزقة المدعومين من الإمارات والسعودية، بنهب الأسماك باستمرار من الصيادين ومن أسواق اليمن لصالح الشركات الأجنبية، بحسب تقرير نشرته وكالة سبأ بتاريخ 23 شباط/فبراير 2023، كما تنهب الميليشيات المرتبطة ب"القاعدة" النفط والآثار اليمنية...
قال "عبد الملك الحوثي"، زعيم حركة المقاومة اليمنية أنصار الله، في كانون الثاني/يناير 2023 "رغم الجهود المبذولة لتجديد وقف إطلاق النار الإنساني الذي توسطت فيه الأمم المتحدة، لا تزال البلاد في حالة حرب تغذيها الولايات المتحدة وحلفاؤها ..."، واتهم، في كلمة بثها التلفزيون في 23 شباط/فبراير 2023، الولايات المتحدة بتخريب أي مبادرة تهدف إعادة السلام والاستقرار في اليمن، وقال "إن تواجد القوات الأمريكية والبريطانية والسعودية والإماراتية في اليمن غير مقبول وأن للمقاومة الحق في معاملتهم كمعتدين ومحتلين ... الولايات المتحدة هي مُطْلِقَة العديد من الحروب والصراعات التي تدور في العالم، لكي تستفيد شركاتها من تجارة السلاح ... هي وراء مصادرة حقوق الشعوب في الحرية والاستقلال كما الحال في فلسطين .. عملت الولايات المتحدة على إطالة عمر الحروب والأزمات الإنسانية بما في ذلك أزمة اليمن، لجني أرباح طائلة من مبيعات السلاح .. نحن ندين الجرائم المروعة التي ارتكبت تحت رعاية الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا وغيرها... نقول للأميركيين والبريطانيين والسعوديين والإماراتيين، غادروا كل محافظاتنا ومياهنا الإقليمية".
بخصوص الكيان الصهيوني نشر موقع "معهد أبحاث الأمن القومي" الصهيوني بحثًا سنة 2022، يعتبر إن الكيان الصهيوني طرفٌ مُشاركٌ في العدوان على اليمن، يُراقب عن كثب دقة التخطيط والتنفيذ وإصابة أهداف في عمق الإمارات والسعودية، من قِبَل المقاومة اليمنية، رغم الحماية الأمريكية التي أصبحت غير فَعَّالة، ويدرس التّداعيات الإقليمية للتحولات الجارية في اليمن والتي قد تصل إلى ميناء "أُمّ الرّشراش" (إيلات ) بجنوب فلسطين الذي احتله الصهاينة سنة 1949 ليكون منفذًا لهم إلى البحر الأحمر...
أصبحت الإمارات ( مع سلطة أوسلو) رائدة في إدماج الكيان الصهيوني، إدماجًا مُهَيْمِنًا، بسُرْعَةٍ فائقة، في الوطن العربي الذي يُصبح تابعًا وخاضعًا ليس للإمبريالية لوحدها وإنما أيضًا لربيبتها الصهيونية سياسيا واقتصاديا (عبر اتفاقيات كويز والغاز والربط الكهربائي والمعدّات الأمنية والإستخباراتية...) وإيديولوجيًّا، باعتبار وجوده "طبيعيًّا" بيننا، بل أصبح كيانُ الإحتلال حليفًا عسكريًّا ضد شعوب إيران، ما يعني شطب حق الشعب الفلسطيني في وطنه وشطب حق العودة لضحايا الإحتلال الإستيطاني...
يتميز اليمن بحضارته العريقة وبمعالمه الأثَرِية، كما يتميز بموقعه الإستراتيجي بين الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، ولذلك احتلّته بريطانيا (1839 – 1967) ثم أوكلت الإمبريالية لآل سعود عملية زعزعة استقراره، خصوصًا منذ إعلان الجمهورية سنة 1962 بالجنوب قبل تحرير كامل البلاد سنة 1967، بدعم من النّظام المصري النَّاصِرِي، وساهمت دولة آل سعود في إطلاق النزاعات الداخلية المُسلّحة طيلة العقود الخمس الماضية، قبل احتلاله باسم تحالف عربي وَهْمِي - بالوكالة عن الإمبريالية الأمريكية – بداية من سنة 2014...
من الشائع أن اليمن بلد فقير ولذلك ما فائدة احتلاله أو السيطرة عليه؟
في الواقع لا تمثل الثروات الطبيعية سببًا وحيدًا لاحتلال البلدان، ولكن يُمثّل الموقع الإستراتيجي أحد الأسباب الهامة، ويتمتع اليمن بثروات نفطية كبيرة تريد السعودية والإمارات السيطرة عليها وحرمان دولة وسكان اليمن منها، لكي يبقى اليمن خاضعًا، كما تتمتع البلاد بموقع استراتيجي هام جدًّا، على الطريق البحرية الرابطة بين إفريقيا وآسيا، والمُؤَدِّيَة إلى البحر الأبيض المتوسط، عبر البحر الأحمر وقناة السّويس، وهي الطريق التي تعبر منها نسبة حوالي 40% من تجارة النّفط البحرية، وتمر هذه الطريق الإستراتيجية ب"باب المندب" الذي أغلقته السلطة النّاصرية المصرية، في محاولة للسيطرة على حركة الملاحة ومحاصرة العدو الصهيوني من البحر، وخَنْق ميناء "أم الرشراش" (إيلات)، وتمر الطريق كذلك بجزيرَتَيْ "تيران" و "صنافير" اللّتَيْن فَرّط بهما النّظام المصري لآل سعود، بموافقة صهيونية وأمريكية، كما أن هذه الطريق المائية تطل على السواحل البحرية لبلدان شرقي إفريقيا (جيبوتي وإريتريا والصومال والسودان ومصر...)، وتَربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، ولهذه الأسباب يُسدّد شعب اليمن ثمنا مُرتفعًا لموقع بلده المُجاور (من سوء الحظ ! ) لما أصبح يُسمى "السعودية"، وكيل الإمبريالية بالمنطقة، لحراسة طريق تجارة النفط (إلى جانب الكيان الصهيوني) والسلع الأخرى، وحراسة السّفن الحربية العابرة للمنطقة أو الرّاسية بها...
أصبح الوضع خطيرًا جدًّا بعد تنازل النظام المصري عن جزيرَتَيْ تيران وصنافير لصالح السعودية وبعد سيطرة الإمارات على ميناء عدن والعديد من المواقع اليمَنِيّة، منها جزيرة سُقَطْرى التي تحتلها بمشاركة الكيان الصهيوني، بالتزامن مع تسارع عملية التطبيع العَلَنِي، ما يجعل من المواقع الإستراتيجية بالخليج العربي والبحر الأحمر وخليج عدن والقرن الإفريقي، منطقة عسكرية أمريكية-صهيونية وقواعد تجسّس، تستهدف الضفة الإفريقية والضفة العربية، فضلاً عن مراقبة إيران وطرق تجارة الصين التي تمتلك قاعدة عسكرية بجيبوتي (إلى جانب قواعد أمريكية وفرنسية وغيرها) وتُريد الصين أن تجعل من البحر الأحمر محطة هامة لبرنامج "الحزام والطّريق" أو "طريق الحرير الجديدة" الرابطة بين الصين ودول آسيا وإفريقيا وأوروبا، وهي من بين أساليب الهيمنة الصينية من خلال القوة النّاعمة، خلافًا للهيمنة الأمريكية، من خلال القوة العسكرية وتغيير أنظمة الحكم بالقوة، وتُخَطِّطُ الصّين لمرور الحزام والطريق من "باب المندب"، ولذلك وقعت اتفاقية، سنة 2019، مع حكومة المقاومة اليمنية بصنعاء التي تشن ضدها السعودية والإمارات حربًا شعواء، نيابة عن القوى الإمبريالية، وبخصوص الإمارات التي تنازل حُكّامها عن ثلاث جزر لشاه إيران، منذ خمسة عقود، فهي تحاول السيطرة على المنافذ البحرية اليمنية، وطرد سُكّان السواحل والجزر والمواقع الإستراتيجية، ومشاركة الكيان الصهيوني في استغلالها، ما يزيد من خُطُورة الدّور الإماراتي في الوطن العربي وفي جوارِهِ...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت