كتاب -لماذا يكذب القادة؟-: دراسة حول أبعاد الكذب في السياسة الدولية

صلاح الدين ياسين
2023 / 3 / 5

كتاب من تأليف البروفيسور الأمريكي جون ميرشايمر، صدرت طبعته العربية عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، وتحديدًا في العام 2016، وترجمه إلى العربية غانم النجار. يعالج المؤلف في كتابه هذا موضوع "الكذب في السياسة الدولية" من منظور علم السياسة الواقعي، إذ تتجسد الأطروحة الرئيسية للكاتب في أن الكذب يُعتبر – في حالات معينة – ضروريًا ومنطقيا، لا سيما في قضايا السياسة الدولية والعلاقات الخارجية بين الدول، حيث تنعدم ضوابط أخلاقية صارمة ومعيارية، ويسود منطق القوة وتغليب المصالح الاستراتيجية للدولة على أي اعتبار آخر. على أن ما سلف ذكره لم يمنع الكاتب من إضاءة بعض العواقب والأثمان الباهظة التي قد تتولد من الكذب الدولي في حال تم استخدامه من دون اعتماد معايير مضبوطة:
الأنواع الشائعة للكذب السياسي
يقر الكاتب بأن القادة يجنحون إلى الكذب على شعوبهم أكثر من كذبهم على زعماء الدول الأخرى، ذلك أن الكذب الدولي (بين الدول) يتعين أن يُعتمد على نحو محسوب بدقة حتى يؤتي أكله، نظرًا لما قد ينجر عنه من تبعات سلبية. ويتخذ "الكذب بين الدول" عدة تمظهرات، في جملتها تضخيم القادة للقدرات القتالية لبلادهم قصد ردع وترويع العدو، بالإضافة إلى الكذب الذي يُراد به التقليل من شأن القدرات العسكرية للدولة بغية تلافي أي هجوم خارجي من شأنه تقويض ذلك التفوق الاستراتيجي (مثلا إنكار إسرائيل لمشروعها النووي في ستينيات القرن الماضي)، ناهيك بالكذب الذي يتوخى استفزاز دولة ما لحملها على الدخول في حرب ضد دولة أخرى، على شاكلة ما فعله بسمارك (1815-1898) مستشار بروسيا وموحد ألمانيا، الذي حرص على استفزاز فرنسا لمحاربة بروسيا، باعتبار أن ذلك يخدُم غرضه الاستراتيجي المتمثل في تحقيق الوحدة الألمانية.
ومن بين الأشكال السائدة للكذب في السياسة الدولية أسلوب "إثارة الذعر"، الذي يتوسله القادة، في تقدير الكاتب، حين يستشعرون عدم تقدير الرأي العام لخطر ما يتهدد البلاد. وينبني هذا الضرب من الكذب على إشاعة حالة من الخوف والذعر على أسس غير واقعية، أو النزوع إلى تضخيم تهديد قائم فعلًا، بهدف استمالة دعم الشعب للسياسات ذات الطابع الدفاعي والعسكري (= الزيادة في حجم الإنفاق العسكري، شن حرب ما... إلخ). ولعل أظهر مثال على أسلوب "إثارة الذعر" كذبة "أسلحة الدمار الشامل"، التي روجتها إدارة بوش الابن كذريعة للاحتلال الكولونيالي للعراق إبان مطالع الألفية الجديدة. كما يشير صاحب الكتاب إلى أن هذا الأسلوب يعد أكثر استخدامًا في الأنظمة الديمقراطية مقارنة بنظم الحكم التسلطية بحكم الثقل الذي يمثله الرأي العام.
وتُعد "التغطية الاستراتيجية" من بين أصناف الكذب التي ينتهجها القادة بغرض التغطية على سياسة فاشلة أو إخفاء سياسة غير شعبية، وذلك خدمةً للمصلحة الوطنية العليا، في منظور الكاتب، كما هو الشأن بالنسبة لكذب القادة وتَسَترهم على ضعف القدرات القتالية لجيشهم أثناء الحرب تفاديا للإضرار بالروح المعنوية للشعب، وحفاظًا على تماسك الجبهة الداخلية. ومن بين الأنواع الشائعة للكذب في السياسة الدولية ما يدعوه الكاتب ب "الأكاذيب الليبرالية"، التي يطلقها القادة للتمويه على تصرفات تتناقض في جوهرها مع الأخلاقيات الليبرالية ومبادئ القانون الدولي، من قبيل إنكار الاستهداف المتعمد للمدنيين والجرائم ضد الإنسانية في زمن الحرب.
وصولًا إلى "الأساطير القومية" كنوع من أنواع الكذب السياسي، والتي تَرافق ظهورها مع نشوء الدول القومية الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين، بحيث يعمد حكام الدولة في هذه الحالة إلى الكذب بشأن ماضيها وأسطرته، من خلال تبييض صورة تلك الدولة وشيطنة خصومها (مثلا إنكار الفظائع التي صاحبت تأسيس تلك الدولة على غرار ما تقترفه دولة الاحتلال الإسرائيلي إزاء الفلسطينيين، وأمريكا حيال السكان الأصليين من الهنود). ويؤدي هذا الضرب من الكذب، في رأي الكاتب، وظيفة حيوية لجهة تقوية الحس الوطني والقومي، من حيث هو شرط لاستمرار كيان الدولة، ناهيك بإشباعه للمشاعر ذات الصلة بالهوية، من طريق خلق الانطباع بالانتماء إلى مشروع نبيل، مما من شأنه أن يرسي نموذج المواطن ذي القابلية والاستعداد للتضحية في سبيل وطنه.
العواقب السلبية للكذب الدولي
لئن كان الكاتب يقر بأن الكذب في ظروف معينة هو شر لا بد منه، لما يترتب عنه من فوائد بالنسبة لمصالح الدولة الخارجية، فإنه يحذر- في الوقت عينه - بأنه من شأن الإفراط في اللجوء إلى الكذب، واستخدامه على نحو متكرر وغير محسوب، أن تنجم عنه عواقب وارتدادات سلبية، سواء على الصعيد الداخلي في علاقة بالسياسات المحلية للقادة، أو الصعيد الخارجي المتصل بقضايا السياسة الدولية.
وفيما يخص التبعات الداخلية للأكاذيب الدولية، ينبه المؤلف إلى الضرر الذي تسببه لجهة إفساد العملية الديمقراطية، بحيث تغدو قرارات التصويت المحلية للناخبين مبنية على معلومات خاطئة ومضللة، الأمر الذي يضرب في الصميم مبدأ المساءلة والمحاسبة، إذ تُعتبر الانتخابات الحرة الدورية من أهم آليات تفعيله. مرورًا بتقويض مبدأ "سيادة القانون"، باعتبار الضرر الذي تلحقه الأكاذيب بعدالة ومصداقية النظام القضائي. وصولًا إلى حقيقة أنه من شأن التمادي في الكذب أن يؤثر سلبا على مصداقية ومقبولية النظام الديمقراطي، مما قد يغري باتباع نماذج بديلة تجسمها الأنظمة الأوتوقراطية.
أما بالنسبة لتداعيات الكذب الخارجي - الذي يكون بين الدول فيما بينها ويجاوز الإطار المحلي - فإن الكاتب لا ينكر ما قد يفضي إليه من ارتدادات سلبية على سمعة الدولة، بشكل قد يجعل الدول الأخرى غير متحمسة للتعاون معها في المستقبل إذا ما انفضحت تلك الكذبة، بخاصة إذا أخفقت الأخيرة في إحراز الغاية المنشودة منها. بيد أن المؤلف يشدد على أن عواقب الكذب في السياسة الخارجية تكون أقل وطأة وضررًا قياسًا إلى الكذب المحلي، وهذا يُعزى أساسا إلى أن الكذب أمر مألوف ومسلم به في حقل السياسة الدولية.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت