حرب أوكرانيا - هل تكون مُؤشّرًا على بداية حقبة تاريخية جديدة؟

الطاهر المعز
2023 / 3 / 3

أوردت وكالة بلومبرغ خبر الزيارة الفُجْئيّة التي أدّتها وزيرة الخزانة الأمريكية (جانيت بلين) إلى أوكرانيا يوم 27 شباط/فبراير 2023. في البداية كانت شركة بلاك روك ، ثم جيه بي مورغان ، وأخيراً وزيرة الخزانة جانيت يلين ، التي سافرت سراً إلى كييف لأن نظام أوكرانيا لا يمكنه الإنفاق على استمرارية عمل المدارس والمستشفيات والخدمات الأساسية بدون دعم مالي خارجي، وتأتي الزيارة بعد أسبوع من زيارة الرئيس جوزيف بايدن الذي أعلن دعم نظام أوكرانيا مهما طالت فترة الحرب، خلافًا للرأي العام، حيث أظهرت استطلاعات تزايد الشكوك بين الأمريكيين بشأن القدرة على مواصلة تحمّل التكلفة، ودعا بعض المُشَرِّعِين إلى تشديد الرقابة على الأموال المرسلة إلى أوكرانيا، حيث قُدّرت مساهمة الولايات المتحدة في تسليح أوكرانيا بقيمة حوالي خمسين مليار دولارا، فضلا عن عشر مليارات دولارا تعهد بها الرئيس بايدن مؤخرا، وراجت أخبار عن سرقة جزء هام من هذه الأموال من قِبَل السياسيين وكبار ضباط الجيش الأوكرانيين...
التقت جانيت بلين مع الرئيس زيلينسكي ورئيس الوزراء دينيس شميهال، وزارت بعض المدارس التي تتكفل الولايات المتحدة بتسديد رواتب مُوظّفيها، فيما يفتقر السكان إلى إمدادات المياه ووقود التدفئة والكهرباء والأدوية...
اعتمدت حكومة أوكرانيا، منذ 2022، على المصادر الأجنبية لتمويل ميزانيتها التي يُتَوقّع أن يصل عجزها إلى حوالي 38 مليار دولار، سنة 2023،
سبق أن دعت وزيرة الخزانة الأمريكية، خلال اجتماعات مجموعة العشرين التي عقدت في بنغالور بالهند، الدول الأخرى لتقديم الدعم المالي لأوكرانيا، وحَثَّتْ صندوقَ النقد الدولي على إقرار برنامج شامل لأوكرانيا التي أثار موضوعها خلافات بين أعضاء مجموعة العشرين الذين لم يتوفقوا إلى إصدار بيان توافقي بنهاية الإجتماع. أما صندوق النقد الدّولي فقد خضع لضغط الحكومة الأمريكية وأقر قُرُوضا لأوكرانيا، على عدّة سنوات، بقيمة 16 مليار دولارا...
تُناقض تصريحات وزارة الخزانة الأمريكية، ما أعلنته (يوم الثلاثاء 28 شباط/فبراير 2023) وكيلة وزارة الحرب للشؤون الأمنية "سيليست والاندر"، خلال استجاواب "لجنة المُخَصّصات" بالكونغرس، من ضرورة "الكف عن تبديد الأموال التي تستفيد منها حكومة أوكرانيا التي يتعيّن عليها دفع ثمن الأسلحة التي تتلقاها"، وهو ما رَدّدَه بعض نواب الكونغرس من الحِزْبَيْن الجمهوري والدّيمقراطي، إضافة إلى مزاعم "الإحتيال وسرقة الأسلحة وتحويل مسارها الخ"، وطلبت مجموعة من نُوّاب الحزْبَيْن (الجمهوري والدّيمقراطي) "معلومات دقيقة عن مقدار الأموال التي سوف تُنفَقُ في أوكرانيا، وعن كيفية إنفاقها... لأن وُعُود الحكومة الأمريكية بإرسال المزيد من الدبابات والأنظمة الحربية المتطورة إلى أوكرانيا يهدد باستنزاف المال العام..."
حرب أوكرانيا بعيون العالم
بعد ثمانية أشهر من بدء الحرب الأوكرانية، أجرت جامعة كامبريدج (تشرين الأول/اكتوبر 2022) دراسة استقصائية تمثلت في سؤال مواطنين من 137 دولة مختلفة، من غير الدّول الرأسمالية المتقدّمة، عن رأيهم بشأن الحرب وموقف مختلف الأطراف، ونشر معهد بِنِّيت ( Bennet Institute for public policy - Cambridge ) التابع للجامعة، هذه الدّراسة بعنوان (- A world divided : Russia, Chine and the west The Ukrane war viwed from the Global South ) وانطلاقًا من عَيِّنَة الأشخاص من مختلف الشرائح والبلدان، قدّرت الدّراسة أن من بين 6,3 مليار شخص يعيشون خارج "الدّول الغربية" عَبَّرَ 66% عن رأي إيجابي تجاه روسيا و 70% تجاه الصين، من ضمنهم 75% من المستجوبين في جنوب آسيا، و 68% في إفريقيا الناطقة بالفرنسية و 62% في جنوب شرق آسيا، لديهم رأي إيجابي عن سياسة روسيا، واستنتج مُعدُّو الدّراسة أن الرأي العام لا يزال داعما لروسيا في السعودية وماليزيا والهند وباكستان وفيتنام، وقد لخّص وزير خارجية الهند هذه الرُّؤْية بقوله: " إن أوروبا بحاجة إلى الخروج من عقلية الإدّعاء أن مشاكل أوروبا هي مشاكل العالم، لكن مشاكل العالم ليست مشاكل أوروبا".
أعلن موقع الناشر "إن النتائج أظْهرت أن ثُلُثَيْ سُكّان العالم لا يدعمون موقف الغرب وحلف شمال الأطلسي بخصوص حرب أوكرانيا، ما يُعَدُّ مُفاجأة"، والواقع أن المُفاجأة تكمن في عدم إدراك دول حلف شمال الأطلسي إنها ليست "مركز العالم"، رغم الدّعاية الإيديولوجية الضّخمة، عبر الإعلام السّائد وعبر وسائل التواصل المُسمى "اجتماعي"، لكن وجب شُكْر الباحثين والمُشرفين على الدّراسة لاعترافهم بهذه المُفاجَأة...
تُظْهِرُ هذه الدّراسة أن أغلبية مواطني الدّول الفقيرة ومُتوسّطة الدّخل تتأثّر بالدّعاية ولكنها تبقى واعية لوضعها ولمصالحها، ولا تفقد تمامًا اتِّجاهَ البَوْصَلَة، فمعظم الدّول الفقيرة وشُعوبها تتحمل عِبْءَ الدّيُون الخارجية ذات الصّبغة الرّبَاوِيّة، والتي تُثْري مصارف واحتكارات دول "المَرْكز" (الدّول الرأسمالية المتقدّمة) ومجموعة صغيرة من برجوازيتها، مقابل ارتفاع حجم ونسبة الفقر والبطالة وتأثيرات تغيير المناخ ونقص الغذاء، وغير ذلك من المصاعب، في حين تُخَصّص الدّول الغنية المليارات للحروب والتّسلّح، وتريد من الفُقراء أن يدعموا الحصار والحَظْر المفروض على كوبا وسوريا وإيران وكوريا الشمالية وفنزويلا وروسيا، وهي "عُقوبات" (أحادية الجانب) تُؤثِّرُ سَلْبًا على جميع الشعوب وعلى البلدان التي تتاجر مع روسيا أو مع إيران أو فنزويلا، ما يجعل الولايات المتحدة وحلفاءَها سبب المشاكل التي يتحمّلُها "الآخرون"...
يعتبر مئات الملايين من مواطني إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية "إن هذه الحرب انعكاس لصراع دُولي يتجاوزنا ويكمن الفرق بينها وبين ما يجري في الكونغو أو في سوريا أو في فلسطين إنها تجري على أرض أوروبية، وأوروبا هي القاعدة الأساسية لحلف شمال الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية..." ومن يصطف وراء الولايات المتحدة، يجب أن يعتبر الإستعمار والصهيونية والحظر والحصار عوامل تُساهم في تطور العالم، والمُقاومة والصمود عوامل تُساهم في اهتزاز استقرار العالم، والعالم بالسبة لهم أو مجموعة العشرين ودول حلف شمال الأطلسي، أما الشعوب الرازحة تحت الإستعمار (بكافة أشكاله) والإضطهاد، والطبقات التي أنهَكَها الإستغلال فهي التي تُسدّد ثمن الحُروب، وعلى سبيل المثال، يُتَوَقّعُ أن يُؤَدِّيَ ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة عدد الفُقراء المُدْقَعِين بنحو 140 مليون شخص إضافي بنهاية 2023، لأن ارتفاع أسعار الطاقة يُؤَدِّي إلى ارتفاع أسعار النقل والكهرباء والسلع الاستهلاكية ، بما في ذلك الغذاء، مع الإشارة أن روسيا مُصدّر هام للطاقة وللحبوب...
رفضت الولايات المتحدة التفاوض حول المقترحات الروسية، منذ سنوات، ومنها مراجعة المعاهدات الأمنية لأوروبا (كانون الأول/ديسمبر 2021) ومقترح "محادثات السلام" (إسطنبول – نيسان/ابريل 2022)، لأنها تُريد فَرْضَ زعامتها بالقوّة، خصوصًا بعدما انخفضت حصتها من الإنتاج العالمي من 21% سنة 1991 ( سنة انهيار الإتحاد السوفييتي) إلى 15% سنة 2021 ، بينما ارتفعت حصة الصين من 4% إلى 19% خلال نفس الفترة، لِتُصبح الصينُ الشريكَ التجاريَّ الأكبرَ لمعظم دول العالم، كما أصبحت مجموعة بريكس ( البرازيل والصين وجنوب إفريقيا) وروسيا والهند و قوة وازنة (رغم تضارب مصالح بعضها وتشتتها) يبلغ عدد سكانها 3,2 مليار نسمة، وبلغ إجمالي الناتج المحلي للدول الخمس 42 تريليون دولار، مقابل 41 تريليون دولار و نحو 700 مليون نسمة لمجموعة السبع التي تقودها الولايات المتحدة، التي فرضت (مع حُلَفائها) "عقوبات" اقتصادية على نحو أربعين دولة، دون مُبالاة بالمتاعب التي يتحملها مواطنو هذه الدّول، جراء الحظر والحصار، فلا تزال أُصُول أفغانستان وليبيا وسوريا وفنزويلا وإيران وروسيا وغيرها مُجَمَّدَة في مصارف الدّول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي وفي مختلف دول العالم، فيما تعاني الشعوب من فقدان الغذاء والدّواء والمسْكن...
قد تكون هذه الحرب مُؤشِّرًا لبداية تحول بطيء باتجاه تغيير "النظام الدولي القائم " الذي فَرَضَتْ قواعدَهُ وهيمنت عليه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبالأخص منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، وبدايةً من العدوان على العراق ( 1991) وعلى يوغسلافيا...
أظهرت الولايات المتحدة أنها بصدد الإستعداد لإطالة أمد حرب أوكرانيا لتستمر عُقُودًا، بهدف تدمير روسيا وتفتيتها، كما حصل ويحصل في الحروب العدوانية الأمريكية في الصومال وليبيا وأفغانستان والعراق وسوريا واليمن، فقد قُدِّرَ حجم الدّعم الأمريكي لأوكرانيا سنة 2022 بحوالي 113 مليار دولارا، كما أَقَرّ "مؤتمر ميونيخ للأمن" زيادة المساعدات المالية والعسكرية لأوكرانيا، وفق وكالة "بلومبرغ" (22 شباط/فبراير 2023) وارتفع حجم المُعدّات العسكرية النّوْعية الهجومية المُرْسَلَة إلى أوكرانيا، منها دبابات برامز الأمريكية وليوبولد الألمانية وصواريخ أرض-أرض، فضلا عن منظومات صواريخ الدّفاع الجوي، وخصّصت الولايات المتحدة وأوروبا المزيد من المال لتعزيز الإنفاق الحكومي الأوكراني ولتسديد رواتب الضّبّاط والفَنِّيِّين والجواسيس الأميركيين الذين ما فَتِئَ عددهم يتزايد على حدود روسيا، وفَجّرت الولايات المتحدة خطوط أنابيب نقل الغاز الرّوسي إلى أوروبا الشمالية، في حين يُعاني مُعظم أُجَراء وكادحي وفُقراء بلدان حلف شمال الأطلسي (ومجمل شعوب العالم) من الضائقة المالية ومن ارتفاع الأسعار...
ملاحظات عن مفهوم "العقوبات" الإقتصادية والبدائل المُتاحة
قَرّرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فَرْضَ عقوبات على أي دولة لا تخضع لإملاءاتهما، ومنذ بداية الحرب أعلَنَ الطّرفان عقوبات إضافية واسعة النطاق ضد روسيا، وهي مُصَدِّررٌ رئيسيٌّ للنفط والغاز والحبوب والأسمدة وغيرها من المواد الخام، ليَغَزَوَ الغاز الصخري الأمريكي (وهو أغلى ثمنًا وأقل جودة من الغاز الروسي) الأسواق الأوروبية، بل خرّبت الولايات المتحدة بتواطؤ دول في شمال أوروبا وبولندا الخطوط البًحْرِيّة لأنابيب الغاز الروسي، مما يُهدّد نمو اقتصاد ألمانيا، حليف أمريكا.
لقد غيرت الولايات المتحدة مفهوم العقوبات الذي أقَرّته عُصْبَة الأمم بنهاية الحرب العالمية الأولى، وبدلا من أن تكون بديلا أو مكملا للحرب، أصبحت حربا بوسائل أخرى ووسيلة لإضعاف الدول المستهدفة قبل جرها إلى حرب تدميرية مباشرة، وتهدف الولايات المتحدة ، من خلال "العقوبات"، إلى شل قوى الإنتاج وتغيير الأنظمة الحاكمة بالبلدان المُسْتَهْدَفَة، كما أصبحت العقوبات التي يفرضها تحالف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ترمي إلى إضعاف القدرة على مقاومة العدوان العسكري اللاّحق، فالغرامات والحصار والحَظْر أدوات حرب تقل تكلفتها عن العدوان المسلح، وهي كذلك أداة إنكار حق دول "الأطراف" في تنويع علاقاتها، واعتداء على حقوق وعلى حياة مواطني الدول المتنافسة للولايات المتحدة، والتي تعاني شعوبها (وليس حكّامها) من عواقب الحرب الاقتصادية التي تُسَلّط أحيانًا باسم " القانون الدولي".
تعمل العقوبات على منع الدول المستهدفة من إعادة توجيه مواردها نحو شكل من أشكال التنمية الهادفة لمكافحة الفقر والجوع والتخلف، ومكافحة تهريب رأس المال من "الأطراف" إلى "المركز"، في ظل حقبة الإستعمار المباشر أو "الإستعمار الجديد" التي تمنع تمويل أي برنامج تنموي.
جَرّبت الولايات المتحدة وفرنسا حرب الإستنزاف من خلال "العقوبات" والحصار عندما فرضتا حظراً تجارياً على "هايتي" كرد فعل إمبريالي على الثورة التي انتزعت الاستقلال في بداية القرن التاسع عشر، وواصلتا استخدام العقوبات والحظر والحصار كأداة للحرب الاستعمارية طوال القرن التاسع عشر ولمواجهة حركات مقاومة الاستعمار في فترات لاحقة، في كوبا والجزائر والفلبين، كما استهدفت العقوبات، خلال القرن العشرين، الدول المستقلة حديثًا التي تنفذ مشاريع التأميم والإصلاح الزراعي، بصورة أزعجت الهيكل الاقتصادي الاستعماري الموروث، حيث سمحت هذه المشاريع بإعادة توجيه العمالة والموارد نحو تنمية وطنية سياديّة في بلدان مثل الصين وكوبا وإيران وفنزويلا وزيمبابوي إلخ.
إن العقوبات الدولية ليست أدوات لحل النزاعات بالوسائل السلمية أو رادعًا سلميًا "للدول المتمردة التي تنتهك القواعد المعمول بها في النظام الدولي"، بل أصبحت تهدف عودَةَ أو تعزيز الهيمنة الاستعمارية، ضدّ الأنظمة التي انبثقت عن حركات التّحرّر الوطني، لتجدَ الدول المستهدفة نفسها في مأزق، فإما أن تستسلم وتقبل بالشروط التي تفرضها الإمبريالية (سيادة منقوصة) أو تواصل مشاريعها التنموية السيادية، ولكن في ظل ظروف مماثلة لتلك التي كانت سائدة خلال حرب التحرير الوطنية التي كانت فترة تعرضت خلالها الشّعوب إلى عمليات انتقامية وتجويع وحصار ونَفْي.
يعد استخدام العقوبات امتيازًا حصريًا للدول الإمبريالية القوية وتعميمًا "لقانون الغاب الرأسمالي"، لأن بلدًا مثل كوبا لا يمتلك القدرة على فرض عقوبات ضد الولايات المتحدة، رغم جميع الاعتداءات والانتهاكات والإغتيالات ومحاولات تغيير النظام بالقوة، لكن للولايات المتحدة القدرة على تطبيق العقوبات وحشد الدعم الدولي لاتخاذ إجراءات ضد كوبا أو زيمبابوي أو فنزويلا أو سوريا.
أما في الدّول القوية نسبيا، فقد أظهرت الحرب في أوكرانيا حدود فعالية العقوبات ضد روسيا، فالحرب المستمرة والعقوبات التجارية المفروضة على روسيا من قبل الدول الأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي لها تداعيات مدمرة على إمدادات الطاقة في أوروبا، فيما تستفيد الولايات المتحدة من العقوبات التي تخدم مصالح شركاتها وأهدافها، على حساب مصالح الأعضاء الآخرين في حلف شمال الأطلسي، كما ظهرت تداعيات أخرى لم تكن تتوقعها الإمبريالية الأمريكية، وتتمثل في لجوء العديد من البلدان إلى عملات أخرى غير الدولار، وبدء عملية تنويع احتياطياتها النقدية، الأمر الذي قد يُقَوّض تدريجيًّا، وعلى مدى بعيد، هيمنة الدولار كعملة مبادلات دولية.
مَثَّلَت الدّولُ الفقيرةُ الضحيةَ الرئيسيةَ للزيادة في أسعار المحروقات والحبوب، كنتيجة مُباشرة للحرب وللعقوبات، ولما حاول الحلف الأمريكي حشد الدول ضد روسيا، امتنعت الدول الأفريقية عن التصويت لإدانة روسيا التي تُصدّر الحبوب والأسمدة وغيرها من المنتجات، كما أصبحت العديد من وسائل إعلام دول ما يُسمّى "الأطراف" أو "الجنوب" تُعلن، وبدون مُواربة، أن لا علاقة للعقوبات "الغربية" ضد روسيا "بحقوق الإنسان أو انتهاك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة"، لأن الولايات المتحدة تفعل ما هو أسوأ، بل تهدف العقوبات إلى إضعاف روسيا التي تدعو إلى إرساء "عالم متعدد الأقطاب"، وبالتّالي تهدف العقوبات إلى تقوية الإمبريالية الأمريكية في مواجهة هذا المشروع لعالم ناشئ، متعدد الأقطاب.
لم تنسَ الشعوب العربية وشعوب الدول الخاضعة للسيطرة، احتلال فلسطين منذ عام 1948 بمساعدة الإمبريالية البريطانية، ولم تَنْسَ الغزوات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة في العراق والصومال وأفغانستان وليبيا، مع التمتع بالحصانة، وبالإفلات التّام من العقاب على الجرائم العديدة والفظيعة، من بينها الاغتيالات بواسطة الطائرات بدون طيار وغيرها من الجرائم الإمبريالية التي ظلت بلا عقاب والتي دعمت كراهية الشعوب للإمبريالية الأمريكية وحلفائها.
إن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة في فنزويلا أو أفغانستان أو سوريا أو فلسطين أو إيران أو زيمبابوي أو كوبا أو الصين تعتبر أداة حرب تسببت في معاناة كبيرة لسكان هذه البلدان، ولذلك فإن رفض دول "الجنوب" المشاركة في العقوبات ضد روسيا يَحْظَى بتأييد السكان المحليين لهذه البلدان، علاوة على ذلك، تأتي العقوبات ضد روسيا في أعقاب استيلاء الولايات المتحدة على أصول أفغانستان، مما قد يدفع دول الجنوب إلى بناء نماذج جديدة من أشكال الاعتماد الاقتصادي المتبادل، القادر على مقاومة العقوبات "الغربية" وعلى توليد تبادلات اقتصادية تسمح بتوزيع أكثر إنصافًا لتدفقات الفائض العالمي، فقد منعت العقوبات دول "الجنوب" من الوصول إلى المواد الخام التي تصدرها روسيا، ولذا كان ردّ فعل دول الأطراف علامة على بداية تراجع نفوذ الكتلة "الغربية" بقيادة الولايات المتحدة، التي أصبحت قدرتها على إجبار الدول على الوقوف خلف الهيمنة الأمريكية، محدودة، وأظْهرت الدّراسات الميدانية واستطلاعات الرأي (تم استعراض ملخص لها في فقرات سابقة) أن الشعوب لا تزال ترى ( ربما تكون مُخطئة) في روسيا والصين حلفاء فترة إنهاء الاستعمار، حين كانت الدول الأعضاء في الناتو إلى جانب الاستعمار، أو هي الإستعمار نفسه.
استخدمت الولايات المتحدة قوتها وهيمتنها على الإقتصاد العالمي، من خلال الدولار ونظام سويفت (فضلا عن القوة العسكرية) لشن حرب اقتصادية ضد الدول التي تحاول تَحَدِّي التسلسل الهرمي للنظام العالمي النيوليبرالي، والذي يُشكل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي جزء منه ليفرضا خصخصة الموارد الضرورية لتمويل بناء اقتصاد الدول التي تسعى للحصول على قروض. أما الدول التي أممت مواردها أو رفضت خصخصة قطاعات اقتصادية استراتيجية فهي عرضة لعقوبات مالية، ويتم منعها من الوصول تمويل مشاريعها الإنمائية ومن تصدير إنتاجها إلى الأسواق الاستهلاكية "الغربية"، وتعطيل أي محاولة لبناء بدائل تجارية ومالية، لأن سيطرة الولايات المتحدة على القطاعين المالي والمصرفي العالمي تسمح لها بتطبيق إجراءات عقابية على أولئك الذين يتاجرون مع الدول الخاضعة للعقوبات، كنموذج لتأكيد السيطرة الأمريكية على تدفقات الفائض العالمي، حيث تسعى الصين وروسيا (حتى الآن) إلى بناء هياكل اقتصادية عالمية بديلة، غير أن روسيا والصين لا تهدف بناء بديل للرأسمالية أو الليبرالية، لكنهما تشككان في النظام العالمي الذي أسسته النسخة الأمريكية من الليبرالية الجديدة، وما السياسة الحالية لروسيا سوى رد فعل على "العلاج بالصدمة" النيوليبرالي الذي فرضه "الغرب" في تسعينيات القرن العشرين، والذي أدى إلى نهب الاقتصاد الروسي، وإلى انخفاض مستويات المعيشة بشكل قياسي، وإلى أكبر انخفاض في متوسط العمر المتوقع في وقت السلم في التاريخ الحديث، بالتوازي مع أكبر تَوَسُّع عسكري في تاريخ حلف شمال الأطلسي، بداية من منتصف تسعينيات القرن العشرين، وحد هذا التوسع نحو الشرق، على حدود روسيا التي سعت إلى إقامة أشكال من الاعتماد الاقتصادي المتبادل مع دول الإتحاد السوفييتي السابق، لتكون أقل ارتباطًا برأس المال الغربي والعلاقات التجارية الدّولية، وبادرت روسيا إلى تأسيس الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وتعاونت مع الصين التي لها معها حدود مشتركة، لتحقيق مشروع طريق الحرير الجديد (الحزام والطريق) الذي قد يحرم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جزء من تجارة العالم ومن بعض التدفقات المالية، وبالتالي، يمكن فهم أسباب أو جُذُور العقوبات المفروضة منذ عام 2014 ضد الصين وروسيا على أنها ردود فعل الولايات المتحدة على التحدي المتزايد للنظام النيوليبرالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة...
أجبرت العقوبات بعض دول "الجنوب" على تسريع بناء شبكات تجارية ومالية بديلة يمكن أن تعمل بشكل مستقل عن هيمنة الدولار واليورو، ما ساعد العديد من الدول في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية على تبني مواقف سياسية خارجية أكثر استقلالية.
لذلك فإن الحرب في أوكرانيا هي جزء من معركة شاملة وواسعة، تتجاوز حدود أوكرانيا وأوروبا، بهدف السيطرة على النظام الاقتصادي الدولي، وتتضمن هذه المعركة تحدي هيمنة الدولار الأمريكي كضرورة لبناء نظام جديد متعدد الأطراف يتضمن زيادة التجارة بين بلدان الجنوب ويُعزز المدفوعات بالعملات المحلية.
من الضروري ملاحظة أن هذه المبادرات لا تشكل تحديًا أيديولوجيًا للرأسمالية، فهي مجرد بدائل للشكل الحالي لليبرالية الجديدة التي تهيمن عليها الولايات المتحدة. أما بالنسبة لمصالح الطبقة العاملة والفلاحين والعاطلين والفقراء، فلم يتم حتى ذكرها، ما يؤكّد ضرورة بناء "كتلة تاريخية" قادرة على تقديم مشاريعها الخاصة والدفاع عنها لبناء مجتمع يُحرّر العمال والمنتجين...
أُعدّت هذه الورقة بالإعتماد على البيانات التي أوردتها وكالات بلومبرغ ورويترز ومراكز دراسات أمريكية (رجعية أو "مُحافِظة)، ومصادر أخرى وردَ ذكرها في النّص، فضلا عن مراجعة مُدوّنة ( Developing Economics) – بريطانيا التي نشرت ملفًّا قيمًا خلال شهر تشرين الأول /اكتوبر 2022

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت