تعريف : النائب سعيد اسحاق - من النضال الوطني في سورية - 3

مريم نجمه
2023 / 2 / 28

تعريف : تتمة مذكرات ونضال النائب سعيد إسحق - 3


10 .
(.... صدرمرسوم في عام 1931 بدعوة المواطنين السوريين إلى إنتخاب مجلس نيابي , وتأسيس حكومة برلمانية , ولما جرت الإنتخابات فزتُ بالنيابة عن محافظة الجزيرة .
إجتمع المجلس النيابي في دمشق فانتخب رئيساً له وأعضاء لمكتب المجلس , وانتخبتُ أميناً للسرّ , ثم انتخبَ المجلس محمد علي العابد رئيساً للجمهورية الذي شكّل بدوره وزارة برئاسة جميل مردم بك .
في هذه الأثناء وضع المفوّض السامي الفرنسي مشروع معاهدة صداقة وتعاون مع الجمهورية السورية ورفعها إلى مجلس الوزراء فرفضها المجلس , وتوترت الحال . فقدم رئيس الوزراء إستقالة حكومته احتجاجاً على موقف المفوض السامي الفرنسي .
عيّن رئيس الجمهورية حكومة جديدة برئاسة حقي العظم الذي تفاوض مع المفوض السامي ووافق على معاهدة جديدة وعرضها على المجلس النيابي , فرفضها المجلس بالإجماع . لذلك صدر مرسوم من المفوض السامي بتعطيل الدستور وحل المجلس النيابي , وعندما احتل الجيش مبنى المجلس عاد النواب إلى مناطقهم الإنتخابية , وانتهت هذه التجربة بالفشل . ثم صدر أمر من المفوض السامي , بمنع الإجتماعات واعتقال عدد كبير من الوطنيين , وإبعادهم عن مناطقهم , ووضعهم تحت الإقامة الجبرية .
لكن هذه التدابير أحدثت رد فعل معاكس , فتوترت الأحوال ,وأسفر الأمر عن إضراب عام في جميع المدن السورية دام ستين يوماً , عندئذ أعلنت الحكومة الفرنسية عن رغبتها في استقبال وفد من الوطنيين السوريين في باريس للتفاوض ووضع معاهدة صداقة وتعاون بين فرنسا وسورية , والإعتراف بإستقلال سورية إستقلالاً تاماً , وفعلًا سافرالوفد الوطني برئاسة هاشم الأتاسي إلى باريس وبعد مداولة دامت عدة أشهر , اتفق الطرفان ووقعا على معاهدة , على أن يجري تصديقها من المجلس النيابي الفرنسي والمجلس النيابي السوري معاً .
أعيد إعلان الإنتخابات في سورية من جديد , ففاز الوطنيون بالإجماع , وفزتُ بالنيابة للمرة الثانية . ثم اجتمع المجلس المنتخب عام 1936 فاتنخب فارس الخوري رئيساً له وانتخبني مراقباً أيضاً . ثم شكلت الحكومة برئاسة جميل مردم بك .
11 -



كانت محافظتا اللاذقية والسويداء منفصلتين عن الجمهورية السورية تحت حكم الفرنسي المباشر , فصادق المجلس على مشروع قانون بضم المحافظتين المذكورتين إلى سورية , وإعلان الإنتخابات النيابية فيهما . ولما جرت الإنتخابات حضر النواب المنتخبون في المحافظتين واشتركوا في جلسات المجلس , أسوة بنواب المحافظات الأخرى .ثم عينت الحكومة محافظين جديدين لهما وقائدين للدرك ورجال إدارة , فسارت الأمور على ما يرام .
إلا أنه لم ترق لضباط الإستخبارات هذه التصرفات , لأنهم فقدوا سلطتهم , فاجتمعوا بعملائهم ودبروا مؤامرة في محافظات اللاذقية والسويداء والحسكة , أسفرت عن إعتداء جماعة من العملاء في الحسكة على دورية من الدرك وقتل ثلاثة منها رمياً بالرصاص , دون أن يتحرك الجيش الفرنسي المكلف بحماية الأمن والحفاظ على رجال الحكومة , بل على العكس أيّد المعتدين .
عقد العملاء عدة إجتماعات وقرروا إرسال برقيات إلى باريس ودمشق للمطالبة بانفصال الجزيرة عن سورية وجعلها مستعمرة تحت حماية فرنسا , كما أوعزوا إلى عملائهم في المناطق والنواحي بإرسال برقيات تطالب بالإنفصال أيضاً . إلا أن أهالي عامودة والوطنيين في الجزيرة بعثوا برقيات معاكسة طالبوا فيها بالوحدة السورية . وأنزال العقوبة بالذين قتلوا رجال الدرك في الحسكة . كما طلبت حكومة دمشق من المراجع الفرنسية العليا اعتقال قاتلي الدرك وتقديمهم للقضاء لينالوا جزاءهم العادل , وفعلاً تم اعتقالهم وسيقوا إلى دمشق لمحاكمتهم , ولكن بعد مدة حدد قرار من المفوض السامي الإفرنسي بالعفو عنهم .

12 -
استاء ضباط الإستخبارات وأعوانهم من هذه الإجراءات , وقرروا الإنتتقام من أهل عاموده الذين بدأوابمعارضتهم , وحرضوا الوطنيين على الإحتجاج عليهم , وأخذوا يدسون الدسائس بواسطة عملائهم في عاموده حتى استطاعوا أن يحدثوا فتنة فيها بين الوطنيين وأعوان فرنسا .
وانقلبت الفتنة إلى مذبحة طائفية بين المسلمين والمسيحيين , فنهبت الأسواق والمتاجر جميعها , ووقف الجيش الفرنسي يتفرج حتى انجلت المعركة عن إخلاء البلدة
من الطرفين اللذين لجأا إلى القرى المجاورة وبعد إخلائها دخلها الجيش وأخذ ينهب ويسلب ويحرق المنازل والمتاجر ليثبت للعالم أن سورية ما زالت متأخرة وليست أهلاً للإستقلال , وهكذا استحالت عاموده إلى كومات من الأنقاض وخالية تقريباً من السكان .
أرسل المتمردون برقيات إلى كل مكان من باريس ودمشق يطالبون فيها بإلغاء المعاهدة الفرنسية السورية , إلا أن رئيس وزراء فرنسا أيد ذلك مؤكداً أن سورية ليست أهلاً للإستقلال , بدليل قيام المسلمين بذبح المسيحيين في عامودا ! . ولما خرّبت عامودا لم أجد بُداً من نقل عائلتي إلى دمشق , ثم رحت أواظب على جلسات المجلس النيابي .

إجتمع المجلس النيابي وخصص جلسة لمناقشة قضية عاموده . فطلبتُ الكلام وبينت كيفية وقوع الفتنة وأسبابها ومدبريها من ضباط الإستخبارات الفرنسيين بصورة مفتعلة وواضحة .
اشتدت مقاومة الوطنيين في الجزيرة للوقوف ضد الإنفصاليين وأسيادهم الفرنسيين , فشكّل الإنفصاليون لجاناً في المحافظة ومراكز المناطق والنواحي لحل مشاكل المواطنين . ومنعوهم من مراجعة دوائر الحكومة , لأنهم لم يعودوا يعترفون بالحكومة السورية , بتأييد من الجيش الفرنسي وضباط الإستخبارات ,وأخيراً قرروا ترحيل موظفي الحكومة عن المحافظة , وتم لهم ذلك فعلاً , فهجّروا جميع الموظفين مع عائلاتهم من الجزيرة بالسيارات الصغيرة والكبيرة , وأنزلوهم بالصحراء بين رأس العين وتل أبيض , ثم تمّ نقلهم إلى مدينة حلب من قبل الوطنيين .
عيّن المفوض السامي الفرنسي الكولونيل مرشان من قبل ضباط الإستخبارات واستمرت المقاومة الوطنية بالإضرابات , وعقد الإجتماعات . وعلى أثر هذه الحوادث ونقوص الفرنسيين عن تصديق المعاهدة قدم رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي إستقالته إلى المجلس النيابي , فتنادى الشباب الوطنيون إلى عقد إجتماع عام في مقرهم بشارع إبن الوليد حيث ألقى الخطب الحماسية عددٌ من الشخصيات السياسية , ودعوا الشعب إلى الجهاد ضد فرنسا التي نكلت عن تصديق المعاهدة , والعودة إلى الحكم المباشر بعد استقالة رئيس الجمهورية .

لقد ألقيتُ خطاباً في هذه المناسبة بينت فيه أعمال الفرنسيين والمؤامرة التي دبروها لإحداث فتنة عاموده وتهجير موظفي الحكومة من الجزيرة وتعيين محافظ فرنسي , وبعد انتهاء الإجتماع اعتقلت السلطات الفرنسية الخطباء ومدبري الإجتماع , كالمجاهد نبيه العظمة والصحافي الوطني نجيب الريّس , والمحامي سيف الدين المأمون , وساقتهم إلى تدمر وحكمت عليهم بالأشغال الشاقة , أما أنا فوضعت في السجن المزة بصفتي نائباً في المجلس , ولي حصانة نيابية , وبعد أسبوع من إعتقالي بلغت بأنني سأمثل في اليوم التالي أمام المحكمة العسكرية لاستجوابي , وكانت الإتصالات بيني وبين الكتلة الوطنية مستمرة بواسطة حرس السجن , فاخبرت المكتب بأنني سأمثل أمام المحكمة العسكرية غداً صباحاً , وكانت المحكمة بين شارعي بغداد والعابد . وفي الساعة التاسعة من صباح اليوم المحدد وضعتُ في سيارة مغلقة , ونقلت من سجن المزة إلى المحكمة , وعند وصول السيارة إلى جسر فيكتوريا صادفت حشداً من المتظاهرين , فعادت إلى الوراء ونقلتني من طريق بيروت إلى شارع العابد , ومنه إلى بناية المحكمة . وعندما فتح باب السيارة وجدت جمعاً من محامي دمشق يقفون منتظرين وصولي ليدافعوا عني بسبب اعتقالي المخالف للدستور , فهو يمنع اعتقال النائب إلا بالجرم المشهود ,فحُييت بالهتاف وأدخلني الجنود إلى المحكمة , وكان قاضي التحقيق العسكري موجودا فسألني السؤال الروتيني عن الإسم والعمر والمهنة , فأجبته بأنني عضو في المجلس النيابي السوري , وأن اعتقالي مخالف للدستور , فاعترف وقال هذا صحيح , ثم طلب مني الجلوس على الكرسي , وقدم لي سيكارة , وفنجاناً من القهوة , وقال أنت حرّ , فقلت له إن الحرّاس أخذوا مني مسدسي عنداعتقالي , فاتصل بالسجن وطلب إرسال المسدس فوراً , وبعد أن شربت القهوة وصل جندي يحمل المسدس وسلمه إلى القاضي ومن ثم سلمني إياه وودعني إلى الدرج .
ولما رآني المحامون راحوا يهنئونني بحماسة , ويصافحونني بحرارة , ثم حملني المتظاهرون وهتافاتهم تشق عنان السماء وأوصلوني إلى مكتب الكتلة الوطنية حيث كان كثير من الزملاء ينتظرونني هناك .

وقد ألقيت خطب وردّدت هتافات بحياة العروبة والوطن . وبعد الإستراحة واستقبال الإخوان المواطنين ودعتهم وذهبت إلى داري الكائنة في برج الروس بدمشق .
صدر قرار من المفوض السامي الفرنسي بتعطيل المجلس النيابي ووضع حرس على بنائه , كما صدر قرار أخر منه يتعيين حكومة مؤقتة من مجلس المديرين برئاسة بهيج الخطيب المدير العام لوزارة الداخلية ......) يتبع ...... مع التحية للأصدقاء والقرّاء

حوار مع فاطمة البلغيتي وعمر ازيكي - جمعية اطاك المغربية حول سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اجرت
حوار مع د. طلال الربيعي حول الطب النفسي واسباب الامراض النفسية اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وتحليلها، اجرت