الحنين الى (( زمن الدولة المدنية ))

عبدالله عطية شناوة
2023 / 2 / 25

نعاني من التباس في التعامل مع المصطلحات والمفاهيم السياسية والأجتماعية، ولا يقتصر الأمر على الفئات متدنية التعليم، بل تشترك في هذه المعاناة بعض وجوه النخبة الثقافية والسياسية. ففي استذكارهم لفترة خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي يعبر الأصدقاء من رفيعي الثقافة، عن الحنين الى بعض مظاهر التحرر والحريّة والحياة الثقافية، التي انتعشت في تلك الفترة في ظل ما يصفوه بــ (( الدولة المدنية )) التي كانت قائمة ــ حسب رؤيتهم ــ في العراق، قبل تغول الدكتاتورية في أواخر السبعينات.

والواقع ان بذور الدولة المدنية التي وضعت عند تأسيس الدولة العراقية الحديثة، في عشرينات القرن الماضي، على أيادي ضباط جيش الأحتلال البريطاني، لم يكتب لها النمو, وتصدى لقيادة المشهد السياسي في الدولة الوليدة، ضباط جيش شريفيون، وغير شريفيون، بدءا من ياسين الهاشمي وأخيه طه، مرورا بعلي جودت الأيوبي، وجعفر العسكري وليس أنتهاء بأكثرهم سطوة نوري السعيد. وسحقت بذور الدولة المدنية بالكامل، منذ صيف عام 1958.

مع التحول الى النظام الجمهوري تحت إدارة الجيش، وبالإضافة الى سلطة الزعيم عبدالكريم قاسم، رئيس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة، ووزير الدفاع وكالة، أو تحت سلطته، كانت البلاد تخضع أيضا، لسلطة الحاكم العسكري العام أحمد صالح العبدي. وتحت تلك السلطة كانت محاكم المحالس العرفية العسكرية، وأشهرها المجلس العرفي الأول برئاسة شمس الدين عبدالله، الذي اشتهر بأحكامه الأعتباطية ضد الناشطين السياسيين من مختلف الإتجاهات: (( من الأول بيمين القفص لأبو عكال خمس سنوات سجن )).

وفي الأنقلاب العسكري الذي اطاح سلطة قاسم في شباط 1963 عين رشيد مصلح حاكما عسكريا عاما، وهو صاحب البيان الشهير، بيان 13 الداعي الى تصفية الشيوعيين على يد (( الحرس القومي )). وحين أزاح العقيد "المشير" عبدالسلام عارف البعثيين وانفرد بالسلطة واصل حكم البلاد بالأحكام العسكرية ومحاكم مجالسها العرفية.

وشهدت فترة حكم الأخوين عارف سلسلة من محاولات الإنقلاب العسكري، لعل أشهرها محاولتا رئيس الوزراء الزعيم الجوي عارف عبدالرزاق. ولم تختتم تلك السلسلة بانقلاب 17 تموز 1968، بل تلاه انقلاب آخر في الـ 30 من الشهر ذاته والذي عسكر المجتمع بتشكيل الجيش الشعبي، وعسكر حزب السلطة عبر ضم عناصره الى تشكيلات فدائيي صدام، وكان صدام حسين يجبر أعضاء مجلس الوزراء وقيادة حزبه على ارتداء البدلات العسكرية، ويراقب أوزانهم.

فأين موقع الدولة المدنية في الفترة التي يحن اليها الأصدقاء؟

لم تكن لدينا في العراق دولة مدنية في أي وقت منذ تشكل العراق الحديث، بل كانت الدولة العراقية دولة عسكرية بامتياز. والواضح ان الحنين يتجه في حقيقته الى بعض مظاهر الإنفتاح الحضاري، الموروثة من فترة ما قبل الستينات، وتواصلت بفعل قانون قوة الدفع، وربما تطورت بتأثير النشاط الاجتماعي والثقافي للبرجوازية العراقية الفتية حينها وخصومها الشيوعيون.

ولكن تلك الفترة كانت من اقسى الفترات على المواطن البسيط عانى فيها من الفقر والمهانة والإذلال والقمع، وحملته كما نرى الآن على الارتماء في احضان قوى وأفكارا سلفية، سنية وشيعية، وتبعات ذلك نلمسها اليوم إنقساما طائفيا، يتجلى أرهابا ولصوصية وفسادا. وابتعادا عن الدولة العلمانية، واقترابا حثيثا من الدولة أو الدويلات الدينية، التي تلغي كل المظاهر الجميلة التي يتجه الحنين اليها والى (( زمنها الجميل )).

وعلى مساس بالموضوع، لابد من الأشارة الى أن بعض من يأخذهم الحنين الى (( الزمن الجميل )) قد يعانون من خلط بين مصطلحي الدولة المدنية والدولة العلمانية، ولا ينتبهون الى ان علمانية الدولة أو تدينها، لا ترتبط، بطبيعة الحكم إن كان مدنيا أو عسكريا. وان بإمكان الدولة المدنية ان تكون علمانية كما يمكنها ان تكون دينية. وفي المقابل يمكن للدولة العسكرية ان تكون دينية أو علمانية.

وعلى هذا الصعيد يمكن الإشارة الى أن أن المجتمع العراقي أقترب، في فترات معينة خلال عقدي ستينات وسبعينات القرن الماضي، من صيغة الدولة العلمانية، وبدأ ذلك مع قانون الأحوال الشخصية رقم 188 الذي أقر عام 1959، والذي خفف من هيمنة الأحكام الدينية على العلاقات، داخل الوحدة الأجتماعية الأساسية في المجتمع، أي الأسرة العراقية، ومنح المرأة حقوقا تتعارض في بعض جوانبها مع أحكام الدين الإسلامي. وهذا ما ألب المؤسستين الدينيتين الإسلاميتين الشيعية والسنية ضد سلطة الزعيم عبدالكريم قاسم، وجعلها تصطف إلى جانب معارضيه من التيار القومي، وبقايا أنصار النظام الملكي. وحينها أتخذ التيار القومي موقفا أنتهازيا، بتبني موقف معارض لذلك الأصلاح الذي يقرب المجتمع من القيم العلمانية.

وقد تآكل القانون المذكور بالفعل، بعد إنقلاب شباط 1963، بفعل ما أجري عليه من تعديلات، خاصة في فترة حكم العقيد (( المشير )) عبدالسلام محمد عارف إسلامي الهوى. وتكرر الموقف مع صدام حسين في فترة إنحطاط سلطته، حين أطلق حملته الإيمانية، التي جرت فيها عمليات ذبح بشعة استهدفت العراقيات اللواتي أضطرتهن الضائقة المعيشية التي أطبقت على العراق جراء الحصار الأقتصادي الخارجي، الناجم عن مغامراته العدوانية الطائشة، أضطرتهن تلك الضائقة، الى أمتهان كراماتهن والقبول باستغلال أجسادهن، من أجل البقاء على قيد الحياة، وتوفير مصدر عيش لأطفالهن.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت