الحلقة الثانية : الدين والعلم وما بينهما من قوانين فيزيائية .

كامل عباس
2023 / 2 / 22

القوانين الفيزيائية بين العلم والدين والسياسة
الحلقة الثانية : الدين والعلم وما بينهما من قوانين فيزيائية .
ان الدين – من وجهة نظري - هو التجلي الأول للعقل في التاريخ فقد كان انعكاسا موضوعيا في أذهان الناس حول علاقتهم بالكون والطبيعة وببعضهم بما يتناسب مع قدراتهم العقلية آنذاك والتي كانت ضعيفة مما جعلها تظهر كأساطير دينية ما زال لها تأثير في حياتا مع كل اسف. ان تأثير الظاهرة الدينية وتعقيدها كامن بفعل أمرين رئيسيين.
- الأول : ارتباط الأديان بالتقديس ومن ثم انتقال تعاليمها وراثيا من الآباء الى الأبناء, فالإنسان حتى الأن في كل زمان ومكان يولد في بيئة لم يختارها وهي ترضعه مع حليب أمه عادات وتقاليد وأفكار قديمة أهمها أفكار طائفته الدينية التي تنتمي اليها أسرته, وفقط عنكما يكبر وتصبح له ثقافته الخاصة وشخصيته المستقلة يستطيع ان يترك أو يغير دينه بما فيه من عادات وتقاليد وقد يصبح متمسكا بها أكثر من السابق ومدافعا عنيدا عنها وعن اعتقاده الديني تحت التأثير السياسي كما سأبين في الحلقات القادمة .
- الثاني يتعلق بالظاهرة الدينية نفسها التي تطوّرت لتعطينا الأديان السماوية التوحيدية الثلاثة – اليهودية والمسيحية والاسلام- التي انتشرت في كل انحاء الأرض على حساب الأديان القديمة - الوثنية والكونفوشوسية والهندوسية والبوذية - التي انحصر تأثيرها في قارة آسيا تقريبا , ومع ان ظهور الأديان التوحيدية يُعّد ثورة دينية في السياسة الا أن بحثه يتطلب وقفة خاصة , ما يهمني هنا هو تأثيره السلبي فيما بعد علينا الأن كمناضلين من اجل غد أفضل للبشرية .
ان الأديان السماوية فصلت بين الله والطبيعة , ولم يعد الله كما كان سابقا في الأديان القديمة داخل الطبيعة وجزءا يتحرك فيها , الأديان السماوية أعادت تركيب العالم لتفصل بين الروح والجسد , لتصبح الروح - كمبدأ وفكرة - منزوعة من الطبيعة نفسها ومرتبطة برّب الكون القابع في السماء والذي يعمل من أجل الانسان ومن أجل تعمير الكون والطبيعة اكثر من الانسان في الأرض ولتتحول تك الأديان فيما بعد الى إطار للتوظيف الأخلاقي والاجتماعي والسياسي الواسع ( حقيقة من له رغبة في الالمام بالموضوع يمكن ان يطّلع على رواية يوسف زيدان – عزازيل- على سبيل المثال لا الحصر التي رصدت الصراع بين اتباع الدين الوثني والدين المسيحي في منطقة ما من العالم .
ظّل رجال الدين محتفظين بسلطتهم الدنيوية ولا يخشون عليها من تهديد العلم حتى القرن السادس عشر, وقد كان رجال العلم قبل ذلك بغالبيتهم ديّنين مثل بطليموس وفيثاغورث وقد بدأت اول مواجهة بين الرؤيا الدينية والرؤيا العلمية في عهد غاليلو 1564- 1642وماسببّت ضغوط الكنيسة عليه التي جعلته يتراجع عن آرائه العلمية من الخوف ولكنه بقي يقول – ومع ذلك فهي تدور - وقد كانت محاكمته واتهامه بالهرطقة سببا للاعتراض العلني على هذا القمع غير المبرر لآراء العلماء عندما يخالفون النص المقدس. وفعلا بدأت المواجهة بين العلم والدين- بعد المواجهة مع غاليلو ومركزية الأرض التي تقول بها الأديان - في مشكلتين إضافيتين وهما مشكلة الخلق ومشكلة المعجزات في الأديان, ولم تستطع كل الآراء التوفيقية المنافقة حتى الآن من رأب الصدع بين الجهتين, فالعلم الفيزيائي الحديث له رؤيته للزمن الذي بدأ مع الانفجار العظيم والذي استغرق حوالي اربعة عشر مليار سنة قبل أن تبدأ مسيرة الحياة على الأرض والتي تابعها علم الأحقاب الجيولوجية ومستحاثاتها بعد العلوم الفيزيائية, اما القشة التي قصمت ظهر البعير فهي العلوم الطبيعة وما انتهت اليه مع نظرية دارونالتطورية .والأديان التوحيدية تُفسِّر نشأة الخلق على يدي الله في ستة ايام خلق فيها الانسان أولا وجعله فوق الطبيعة وسيدا لها وهو يراقب الانسان من برجه السماوي وسيحاسبه على كل أعماله في الأرض يوم القيامة .
للحقيقة والتاريخ تعايش الدين المسيحي مع العلم أكثر بكثير من الدين اليهودي والدين الاسلامي , ربما لأن انتشار المسيحية في اوروبا اخذ بمبدأ المسيح القائل اعطوا ما لله لله وما للقيصر للقيصر وهاهو البابا الحالي ممثل الكاثوليكية يحمل افكارا تنويرية تتفوق على العلمانيين أحيانا فالمؤسسة الدينية المسيحية متمثلة بشخص البابا تدعو للحوار بين الأديان بما يخدم الانسان على الأرض وليس في السماء ويعتبر الله فكرة في قلب المؤمن منحازة للفقراء والمستضعفين في الأرض ونوع من التخيل الأدبي أكثر منه حقيقة علمية .
مأساتنا نحن المسلمين في دين هو الأكثر تحمسا لله البعيد عن الأرض والقابع في السماء ومنها يهدد الانسان الذي لا يستجيب لتعاليمه بعذاب أليم في يوم الحساب والتي توضحها الصورتان التاليتان أكثر مما توضحها النظريات والعنتريات
1- في معرض تفتيشي عن مراجع تعْرِض علم الفيزياء لغير المختصين فيه عثرت على كتابين الأول الكتروني وعنوانه - تاريخ موجز للزمن - للعالم الفيزيائي ستيف هوكينغ والثاني ورقي موجود في المكتبات فكانت فرحتي به كبيرة لأن قراءته والتعليق عليه أسهل من الكتاب الأول وعنوانه هو التالي: حول الزمن- ثورة انشتاين التي لم تكتمل –
المؤلف : بول ديفيز
المترجم : المهندس نظير مصطفى الدنان
الناشر : دار نينوى في ريف دمشق
الطبعة الأولى : مطبعة الداوودي . ريف دمشق 2007
يبدأ الكتاب الورقي بمقدمة للمترجم بدأت كما يلي : ص 11
بسم الله الحمن الرحيم , والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير المرسلين, خير ما أبدأ به بعضا من آيات الذكر الحكيم ( ان في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) سورة آل عمران 190- 191
( أو لم يتفكرا في أنفسهم , ما خلق الله السموات والأرض زما بينهما الا بالحق وأج مسمى وانكثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ) سورة الروم (8)
الكون مليئ حولنا بالمعجزات ......... الى آخر المقدمة التي تنتهي كما يلي : الكويت 25/10/2007
بهذه العقلية رّد المترجم على طول صفحات الكتاب على المؤلف بحواشي أذكر بعضا منها
- قال تعالى في سورة الملك ( الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن , من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور , ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير) جاءت هذا الحاشية ردا على الحمّام الحار واشاعاته التي تصل الينا حسب نظرية الزمن الفيزيائية .
- حاشية في ص 180
قال تعالى : والسماء بنيناها بأيد وإنّا لموسعون . سورة الذاريات (47)
جاء ذك في معرض تعليقه على العالم الفيزيائي هابل القائل – ان الكون يتوّسع –
3- حاشية ص 259 عن حجة الاسلام الغزالي وعن نظرية الانفجار العظيم وهي طويلة أنهاها كما يلي : هي برأيي ليست سوى لحظة الخلق التي خلق بها الله هذا الكون فسبحان الله الخالق المدبر ولا اله الا هو الحي القيوم .
الصورة الثانية :
في عام 1968 كنت طالبا في جامعة دمشق كلية العلوم : فرع العلوم الحيوية الكيمياوية ,كان نظام كلية العلوم أربع سنوات ,الاولى تحضيرية إمّا ان تنجح في كل المواد او ترسب بها جميعا والسنوات الثلاث الأخرى نظام شهادات اجتزت السنة التحضيرية وبدأت بالشهادات المقربة الى قلي وهي التي تتناول علم الوراثة والتطور , لم يكن حضور القسم النظري اجباري على عكس القسم العملي . كنت مواظبا على المحاضرات النظرية كمواظبتي على الجلسات العملية وما أزال اذكر تلك المحاضرة للدكتور يوسف بركودة , كان عدد الطلاب فيهالا يتجاوز ثلاثون طالبا. بدأ الدكتور محاضرته بشرح تجربة ستانلي الأمريكية وتجربة اوبارين السوفياتية المشابهة أوائل ستينات القرن المنصرم , محتوى التجربتين كما يلي : وضع العالمان ماء وغاز كربون وغاز نشادر في انبوب اختبار ومن ثم تّم تعريض الأنبوب الى اشعة متقطعة لمدة زمنية طويلة وعندما فحصا مكونات الأنبوب تبين لهما تشكل مادة جديدة من الألبيومين أي سلسلة ببتيدية من حموض امينية وهذا يعني انتقال المكونات من الجامد الى الحي, اذكر ان اكثر من عشرين طالبا من الحضور وقف وهو يردد الله أكبر , الله أكبر هذا كفر , الدكتور يهودي وضد الدين الاسلامي . كانت تلك المحاضرة بداية طريق عقلي عندي قادني قبل التخرج الى نبذ افكار طائفتي المعششة في تلافيف مخي وتبني الفكر المادي الصرف.
ما يحيرني حتى اللحظة أولئك الاسلاميون الذين كانوا يسيطرون على كلية العلوم - أساتذة وطّلابا- بكل فروعها االجيولوجية والفيزيائية والكيميائية وعلى كلية الطب والصيدلة رغم ارادة الحكم المتمثل بحركة 23 شباط آنذاك المتشددة ضد الدين ومحاولتهم الدائمة لدحض النظريات العلمية , كان التساؤل ولا يزال في ذهني عن الصورة الثانية بعد مرور أكثر من خمسين عاما على الأولى , ألم يكن من الأجدى للمهندس مترجم الكتاب ان يعرض فهمه المناقض للعلم الفيزيائي في مكان آخر ليشوش على القارئ للكتاب ويجبره على التفكير بخلق الله على الطريقة الاسلامية وليس على الطريقة الفيزيائية ؟؟!!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت