مخالي اليوناني اللي غلط في الحساب

عبد السلام الزغيبي
2023 / 2 / 17

طيور العنبر هي الجزء الثاني من رواية الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد عن الإسكندرية. المسماة "لا أحد ينام في الإسكندرية". وهي تأريخ اجتماعي سياسي لمدينة الاسكندرية بقالب روائي. في مرحلة تاريخية مفصلية في مصر. فترة تأميم قناة السويس 1956، وما انعكس على واقع حياة مصر كلها، والإسكندرية خاصة على كل مستويات الحياة .
الرواية تتكلم بلسان حال مجموعة من الأشخاص، القاسم المشترك بينهم أنهم من الاسكندرية. وأنهم يعيشون في حي واحد فيها. وأنهم أقرب ليكونوا من قاع المجتمع: سليمان، حبشي، محمود القزعه، محمود الملاح، بن مطحون، الابله نرجس، نوال، حكمت، كروان، الديب، خير الدين، ومخالي اليوناني، الخ. هؤلاء كلهم وغيرهم، بحياتهم اليومية ومشاكلهم، بأحلامهم وآمالهم، محور هذه الرواية. امّا الحدث الاجتماعي السياسي فيكاد يكون تيار جارف ينعكس على كل منهم بطريقة مختلفة.
في الجزء الخامس من الرواية يكتب ابراهيم عبد المجيد حكاية المجنون اليوناني:
"هل يمكن ان أهمل المجنون الجديد الذي مر بالمنطقة اليوم، لقد ظهر عجوزا محطما يمشي في الشارع متلفتا حوله في رعب، يقترب من كل واحد يقابله ويسأله "ممكن واحد سيجارو وينجز خبيبي". يداه ترتعشان وعلى وجهه مازالت خمرة عز زائل. اقترب منه الأولاد وهتفوا مجنون يوناني. انتبه الخواجة "بطسو" فني الماكينة الحمراء الاصلع، أحمر الوجه الذي نادرا ما يكلمه أحد. مصمص شفتيه وطلب من احد الصبية ان يشتري له ثلاث بيضات بقرشين صاغ ليتغدى. ودخل على الماكينة ولم يخرج منها كعادته إلا الساعة الثالثة ليغلق بابها ويعود إلى البيت."أبعد محمود الملاح الأولاد عن المجنون اليوناني. أخذه من يده، واقترب به من مَنزَل القبو ليتفرج عليه الجالسون.
تأملهم الرجل في أسماله الرثة، وقال:
- معلش خبيبي، مخالي غلِط في الحساب.
كانت هذه أول مرة يرى فيها أحد يونانيا مجنونا. كنّا نسينا أنهم بشر مثلنا. كنّا نظن أنهم يونانيون!
"يعني إيه غلِط في الحساب؟" تساءل محمود، "ومَن هو مخالي؟" تساءل تاجر البهار، بينما محمود القُزعة ينظر إلى المشهد غير راض....
قال الرجل:
- أنا مخالي خبيبي. من خمستاشر سنة كان عمري ستين سنة. مراتي ماتت وأولادي سابو مصر وأنا أخب مصر. كان عندي بار صغير في العطارين وعمارة. بِعت البار والعمارة لواخد يوناني صغيّر، شاب يعني، بألف ومائتين جنيه كمان. قسّمت الفلوس كل سنة مائة وعشرين جنيها، يعني كل شهر عشرة جنيهات. قلت مخالي اللي هوّ أنا مش ممكن يعيش أكثر من عشر سنين. حطيت الفلوس في البنك وكل شهر آخد عشرة جنيهات. الفلوس خِلصت خبيبي والعَشَر سنين خِلصت كمان خبيبي، وراخ الدكان والعمارة، وفضِلت أنا فقير غلبان، مش لاقي حتى ثمن السيجارة أو الكأس.
شُفت إزاي خبيبي مخالي غلِط في الخساب؟".
ليس فقط مخالي اللي غلط في الحساب، كلنا غلطنا في الحساب، وان كان مخالي غلط ودفع الحساب وتحمل نتيجة غلطته، كيف ستكون نتيجة الغلطة عندما تكون غلطة جماعية سنظل ندفع ثمنها لسنوات وسنوات.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت