- مى - أختى لم تنجبها أمى وشبيهتى الى حد الأسى والمرارة

منى نوال حلمى
2023 / 2 / 13

" مى " أختى لم تنجبها أمى وشبيهتى الى حد الألم والأسى
-----------------------------------------------------------

هى " أختى " ، التى لم تنجبها أمى . صديقتى الحميمة ، وأنا ليس لى صديقات .
شبيهتى ، وأنا لا يسمح لى " هوسى " بحب نفسى ، أن أعترف أن هناك امرأة تشبهنى ، أو حتى تصلح لأن تكون " شبيهتى " ؟؟.
هل أنجبتها " أمى " من رجل أحبته ، دون معرفتى ، وبقيت الحكاية ، سرا أخذته معها الى نومها الأبدى ؟؟. هل كانت صديقتى ، وأنا " فاقدة الذاكرة " ، فى زمن ما ؟؟. وهل هى امرأة الى هذا الحد ، فريدة من نوعها ، حتى تتجرأ وتجبرنى على الاعتراف علنا ، أن المرايا كاذبة ، وأنها شبيهتى ، وتشبهنى ؟؟.
كلما تعرفت عليها أكثر ، يزداد يقينى ، أنها امرأة مصنوعة من قماش أنوثتى ، كاتبة تستقل قطار الكلمات نفسه ، الذى يحملنى الى ما يشتهيه قلبى ، وما يسبب مأساته ، وشاعرة
تسبح فى بحور الشِعر التى تغرقنى ، ولا أستغيث بطوق نجاة .
أزهو بشعور قوى ، لا يفارقنى ، أننى أكمل المسيرة اللامنتهية ، فى الكتابة والوحدة وعدم الانتماء الى كوكب الأرض .
عندما وجدت رجلا يفكر بلغتها الخاصة ، ويكتب الشِعر والفلسفة ويرسم اللوحات ، كان عصى المنال الا بالرسائل المشعة بالنبل العاطفى ، والسمو العقلى . وهذا تشابه آخر بين وبينها ، حيث تأكدت من تجاربى ، أن الحب الحقيقى الراقى ، غير الملطخ بشهوات الجسد ، ولا يستحم بماء الذكورية الآسن ، غير متاح ، وعلينا الانتظار لزمن آخر .
كان لها صالونها الثقافى فى بيتها كل ثلاثاء . وأنا أيضا كنت أعقد فى بيتى الملتقى الثقافى كل ثلاثاء .
لها صورة نادرة مع أمها ، وهى طفلة تضع فيونكة بيضاء فى شعرها . وأنا لى صورة مشابهة ، الى حد أنها خدعت أمى ، التى سألتنى مندهشة : " ومنْ هذه المرأة الجالسة أمامك يا " مُنى " ؟.
عاشت وماتت وحيدة . وهذا أيضا مصيرى .
أكبر اختلافين بيننا ، أنها فى أواخر حياتها ، اتهموها بالجنون ، وهى استاءت من التهمة ، وأثبتت بطلانها . أما أنا ، فالجنون الذى وُلدت به ، لا أعتبره تهمة ، بل شرف ، أدعيه وأمارسه وأشتهيه أكثر . والاختلاف الثانى ، أن زمنها رغم قسوته ، وذكوريته ، كان فيه " شوية خير وشوية شِعر وشوية أدب " ... أدب الأقلام وأدب الأخلاق .
انها مى زيادة 11 فبراير 1886 – 17 أكتوبر 1941 ، فراشة الأدب العربى ، ووردته اليانعة ، جرحت بأشواكها ، جلد مجتمعاتنا الممتلئ بالدمامل الاجتماعية والثقافية والذكورية . كانت تريد أن تنظف وتطهر وتعالج . يريدونها أن تسكت ، وتقبع راضية على ذمة زوج .
" مى " ، تعبر عن مأساة كل أديبة ، تجمع بين الجمال الخارجى ، والجمال الداخلى ، والجمال الأخلاقى ، فى مجتمعات لا يسعدها الا المرأة ذات الحواجب المنتوفة ، والخصر الملفوف ، والعيون المرسومة ، والشفاه الحمراء ، والشعر المنساب على الأكتاف ، والتمايل على الكعب العالى . امرأة تجيد الطبخ والمسح وخدمة الأطفال . جاهزة ليل نهار ، لأن تُلتهم فى وجبات النكاح .
" مى زيادة " ، موهبة نادرة الخامة ، من أغلى الأحجار الكريمة ، خالية من شوائب الادعاء ، والتقليد ، مثقفة العواطف ، راقية العقل ، متعددة القدرات ، متمردة التجليات . فهى تكتب الأشعار ، والمقالات الصحفية ، والخواطر الأدبية ، وتكتب المحاضرات وتلقيها بكل براعة ، وصحفية تفيض مقالاتها بأسلوب جديد ، يعكس عمق ثقافتها وخطيبة تتحدث بشغف قلبها ، تجيد تسع لغات ، ومترجمة تضيف الى النص المترجم ، أناقة فوق أناقته ، ومديرة حوار لبقة ، رحَالة لفت العالم ، مدافعة عن حريات النساء ، بوعى عميق ، وعيون دائمة اليقظة للتمييز والقهر وغياب العدالة .
فى صالون " مى " ، اجتمع أهم أدباء وشعراء ومفكرو عصرها ، مثل طه حسين ، وأحمد شوقى ، ومصطفى صادق الرافعى ، وخليل مطران ، وعباس العقاد ومصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر . لم يفلت أحد من جاذبيتها الفريدة ، تمزج بين انطلاقها وتفتحها ، مع استقامة الخلق ، والشياكة البسيطة .
قلبها عنيد ، دقيق فى اختياراته ، صعب ارضائه ، لم يخفق الا لرجل يبعد عنها آلاف الأميال . لكنه يوقظ عواطفها النائمة ، ويفهم رسالة الأدب والفن . وكان " جبران خليل جبران " 6 يناير 1883 - 10 أبريل 1931 ، الحبيب الذى لم تلقاه الا بالرسائل المسافرة بينهما ، منذ 1911 وحتى رحيله .
فى أحد كتبها " المساواة " 1923 ، أوضحت أن دعم الرجال مهم للنساء . لكن لن يحرر المرأة الا المرأة نفسها . وطموح المرأة لا يجب أن يكون المساواة بالرجل ، لأنها حينئذ ستحرم نفسها من عالمها الذاتى ، الذى تصنعه هى بالهامها وأحلامها . وكتبت أن حجاب المرأة ، مفروض من الرجال ، ليحجب تقدم المرأة الفكرى والعملى .
فقدت " مى " كل منْ أحبتهم ، فى أوقات قريبة متتالية . الأب ، ثم جبران ، ثم الأم . أصابها الفقد ، بزهد فى الحياة ، وعزوف عن مواصلة أنشطتها . وساءت حالتها عندما اُتهمها أقرباؤها بالخلل العقلى ، وذهبت الى مستشفى العصفورية للأمراض العقلية ، فى بيروت .
وعادت " مى " الى مصر ، وأعطت محاضرات تنم عن عقل بكامل قواه وحيويته . لكنها ملت الحياة والناس ، وتوقف قلبها المفعم بالحماس ، رغم أنها مازالت تتنفس .
فى مصر ، بمستشفى المعادى ، يوم 17 أكتوبر 1941 ، ذبلت الوردة ، وتوقفت فراشة الأدب عن التحليق ، وسكت قلبها اللامنتمى ، المحروم من الحب ، الحزين أكثر من طاقته .
النساء والرجال ، ضيوف صالونها الأسبوعى ، والعشاق الذين فُتنوا بها ، غابوا جميعا عن جنازتها ، الا أحمد لطفى السيد ، وخليل مطران ، وانطوان الجميل .
وهذا تشابه أخر بينى وبين " مى " . لكنها أفضل حظا . فمن أين لى بمثل هذه القامات الثلاث ، لتمشى فى جنازتى ؟.

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا