نيّرة رمز الانعتاق من البداوة

عادل صوما
2023 / 2 / 12

سأبدأ من الصورة العامة حتى أصل إلى نيّرة أشرف، مُلهمتي في كتابة الملف التالي من أوراقي الخاصة ودراساتي، مع أملي بإطلاق اسمها على شارع أو قاعة المحكمة التي شهدت إدانة قاتلها، فهي أرقى من غزاة وقتلة في تاريخ مصر، ورغم ذلك هناك شوارع بأسمائهم باعتبارهم أبطال!
موتى وأحياء
مُلهمتي نيّرة التي، في عصر الفضائيات الرقمي، لم تستطع نهايتها الدموية حث المجتمع المصري على إعادة التفكير في سبب مصائب تخلّفه حضارياً ومدنياً وإنسانياً وعلمياً وإيمانياً، بينما حثته هدى شعراوي قبل عصر انتشار الراديو بعد خلع غطاء رأسها فقط (العثمنلي كما وصفوه وقتها) على المطالبة بالمساواة في الحقوق السياسية مع الرجل خصوصاً حق الانتخاب، وتقييد حق الطلاق الإلهي، والحد من سلطة الولي أياً كان وجعلها مماثلة لسلطة الوصي، وتقييد تعدد الزوجات إلا بإذن من القضاء في حالة العقم أو المرض غير القابل للشفاء، والجمع بين الجنسين في مرحلتي الطفولة والتعليم الابتدائي على الأقل. كما قدمت هدى شعراوي اقتراحاً إلى المجمع اللغوي في القاهرة والمجامع العلمية العربية بحذف نون النسوة من اللغة العربية.
كانت هذه الثورة الاجتماعية في مجتمع أحادي الاثنية إلى حد كبير، بينما في مجتمع متعدد الاثنيات والجنسيات، حثّت روزا باركس، دولة عظمى مثل أميركا على إعادة التفكير في أعرافها وقوانينها المدنية، فألغت ما هو غير لائق فيها ولا يناسب حقوق الانسان، بعدما رفضت روزا الأفريقية/الأميركية الوقوف لامرأة بيضاء في الباص لتجلس مكانها كما كان شائعاً في أميركا حتى سنة 1955.
الفارق عظيم بين مجتمعات ميتة سريرياً تصّر على تقدّيس حُكم الموتى عليها من قبورهم وفق أعراف وأساطير عصرهم، ومجتمعات حيّة يحكمها أحياء وفق الواقع الحالي ومتغيراته.
بديهيات الحب
من بديهيات الغرام الصادق بين البشر وجود الرغبة المتبادلة بين الحبيبين. ومن بديهيات حب الانسان الصادق للّه رغبة الانسان في مناجاة إلهه أو الصلاة له متى شاء بعيدا عن الالتزام بوقت محدد، حتى يستطيع دفع فواتيره أيضاً، فلم يثبت التاريخ أن الله قد دفع فواتير شخص، بل العكس تماماً كان هو الصحيح بشهادة نصوص الأدبيات الإبراهيمية.
ومن بديهيات حب الله فائق الرحمة للإنسان، بعيدا عن الأساطير المخيفة والمؤمنين المرعوبين منها، عدم عقابه لمخلوقاته بطريقة وحشية على الأرض، أو سلخ جلودهم وحرقهم بعد تجديد أجسادهم إلى ما لا نهاية بعد وفاتهم، في معتقل لم يخطر على بال جبابرة الديكتاتوريين اسمه جهنم، لأنهم لم يسمعوا وصاياه أو ينصاعوا إلى أوامره أو لم يصلّوا له*، والترفع عن الاغراء الجنسي للرجال من مخلوقاته بأن عبادتهم (الرجال للّه) ستكون مكافأتها مضاجعة حوريات أصحاب غشاء بكارة متجدد وشرب خمرته وأكل عسله في مكان اسمه الجنة أو الفردوس.
حصاد العواصف
اختفى وجود الرغبة المتبادلة بين العشاق، وتلاشى حتى ترديد أو كتابة الشعر للمرأة التي لا تبادل الرجل الغرام، وحل محلها في أحيان كثيرة فرض الرجل لنفسه على فتاة بالتنمّر اللفظي أو البلطجة السلوكية، لأنه قوّام عليها وأعلى منها شأنا، بسبب أفكار مقتبسة من ديانات أخرى لم تعد تناسب العصر الرقمي، استعادها طوال النصف قرن الفائت ولم يزل يرددها شيوخ جهلة أطلقوا على أنفسهم علماء، من أجل سيادة الاسلامنجية السياسية وأستاذية العالم ليس إلاّ، وحصدوا من ورائها الملايين الحلال.
لا أفهم كيف كانت ملاينهم التي تربحوها حلالا بينما تراجعت مجتمعاتهم ووقعت تحت ديون ستسبب افلاسها المالي بعدما أفلسوها معنويا؟ كما لا أستوعب إيواء الغرب لهذه الخلايا السرطانية وتجريم مَن يكشف مستورهم، بعد كل الدراسات والوقائع عنهم!
لم أر إيمان زاد، لكن رأيتُ التنمّر والتبجح بل التفاخر بالجهل تزداد نسبته. ما كان يصح في زمن كان الرجل يعول فيه المرأة ويذهب إلى أسرتها عارضاً إعالتها، لم يعد يصلح اليوم، حتى لو الماورائيات الإبراهيمية قالته، فتلك الماورائيات لم تنسخ ما قالته فقط، لكنها نسخت كل ماورائية كانت قبلها، ما يؤكد أنها متناقضة غير صالحة لكل زمان ومكان، ويستحيل أن تصدر عن إله كامل لم ينسخ أو يُعدل أي شيء في قوانين الكون منذ ظهوره.
الأديان الألكترونية
كانت حواديت الماورائيات تروى للناس الذين لا يستطيعون قراءة كل شيء، حتى ظهرت الأديان الألكترونية ونُشر للعامة كتابة وشفاهة كل الماورائيات وما قيل في نطاقها والترقيعات التي حاولت تفسيرها بطرق لا يقبلها العقل، لدرجة أننا نرى ملحدين اليوم كانوا على درجة رفيعة جداً في دراسة الماورائيات، ثم أصبحوا على دين homo sapiens كما يقول هشام المصري، فضيلة الشيخ السابق بالغ الجرأة الذي أصبح مستنيرا.
المصاطب والمحاكم
عادت مأساة نيّرة أشرف التي ذُبحت وفُصل رأسها إلى التداول مرة ثانية، بعدما أصدرت محكمة النقض المصرية حكماً نهائياً باتاً بإعدام قاتلها.
منذ بداية المحاكمة السنة الماضية لم تكن هناك مماطلة في الجلسات، والجناية نُظرت في جلسة واحدة لوضوحها وعدم وجود أي شبهة إلتباس فيها، وحقق رئيس المحكمة علانية أمام الجمهور مع المتهم، ومحامو الدفاع قالوا دفوعهم، وأُحيلت أوراق الجاني للمفتى، غير الملزم للمحكمة، وأُسدل الستار.
لكن لاحقاً قبلت محكمة النقض طعن محامي القاتل على الحكم الصادر من محكمة جنايات المنصورة، بإعدامه شكلا ورفضه موضوعا، وتأييد الحكم الصادر ضده، بتهمة قتل طالبة جامعة المنصورة نيّرة أشرف. ما يعني شرعياً، وهذا مربط الفرس في مجتمع مهووس عنصرياً، عدم تقبّل إعدام رجل لأنه قتل امرأة.
وربما قُدم التماس لرئيس الجمهورية كما أُشيع أثناء هذه الضجة التي حاولوا جعلها اسلامنجية، لكن ما تم كان حكماً قانونياً نهائيا، يُقبل إعادة النظر فيه فقط فى حال ظهور دليل جديد قد يغير الحكم وعقيدة القضاة في القضية، وهذا لم يحدث لاعتراف القاتل منذ البداية بجريمته، والتباهي بها لأسباب اخلاقية يرفضها في الفتاة.
كما يعلم القانونيون تماماً أن الالتماس في هذا الحكم مرفوض، لكنه قُبل شكلياً في مجتمع أصبح يشعل وسائل التواصل الاجتماعي على توافه، وليس على تدهوره وتخلّفه عن الحضارات بين الشعوب.
مماحكات اسلامنجي
في فترة الالتماس حصلت بروباغندا ومماحكات رخيصة من محامي اسلامنجي تافه مهووس بالشهرة، حتى يحوّل القضية إلى شرع الله ويربح من ثمة الشارع ويسحبها من أمام القانون، وتحمّس اسلامنجي آخر بالاعلان على استعداده لدفع خمسة ملايين جنيهاً دية لأهل القتيلة، وكأننا ما زلنا في عصر شيخ القبيلة الآمر الناهي، وما زاد الموضوع بلبلة ان فريد الديب المحامي الذي دافع عن حسني مبارك أعلن انه سيكتب مذكرة الطعن بالنقض! وكأن فريد الديب يسعى إلى زيادة شهرته أو يتعامى عن القانون!
يُذكر أن المحامي الاسلامنجي المُرقع نفسه اختفى تماماً في جريمة نحر مؤمن لمُحجبة، بعد أسابيع قليلة جدا من ذبح نيّرة أشرف السافرة، التي تستأهل ما جرى لها لأنها خالفت شرع الله. ناهيك عن صمت المحامي المُرقع السفسطائي نفسه في واقعة اغتصاب داعية مستفز ومُرقع تلفزيوني ويوتيوبي، لإمرأة عراقية كان يعظها دينياً ليقوِّم اخلاقها!
الدفاع في الطعن عن المحكوم عليه، ركز في مرافعته في جريمة قتل نيّرة على دفوع مفادها أن المُدان، كان يعاني اضطرابات نفسية وضغوطاً عصبية شديدة، هي التي دفعته إلى ارتكاب جريمة قتل زميلته، لكن بالنسبة للقانون وتقارير الأطباء، وليس بالنسبة إلى شُرعة الصحراء "المتهم، بيّت النية وعقد العزم على قتل المجني عليها، وتتبعها حتى ظفر بها أمام جامعة المنصورة، وباغتها بسكين طعنها بها عدة طعنات، ونحرها قاصداً إزهاق روحها".
القمة والقاع
من الواضح أن ملابس نيّرة وسفورها وصورها في الساحل الشمالي أزعجت الاسلامنجية، والجاني نفسه اسلامنجي كان يمارس دور القوّام حتى على أمه، التي قالت بعد تأكيد الحكم أن الامر كان مُدبرا لإبنها!!
أما الاضطرابات النفسية التي يعانيها، فهي واقعياً دوافع عنصرية عدم التوافق مع المجتمع ورفض التعددية فيه، ومن مظاهر التعددية أن ترتدي المرأة ما تشاء من ثياب، وتُخالف الزي الرسمي لشُرعة "مجتمعات ما قبل ظهور دورة المياه في البيوت"، وتوابعها التي فُرضت فرضاً على المجتمعات، وجعلت إيران والعراق ومصر دولاً في قاع قائمة الحضارة بعدما كانت على قمتها، وحوّلت الاسكندرية من عاصمة منفتحة للفكر في الدنيا، إلى وكر منغلق لمعتقدات ترفض وتحذّر بشدة من استخدام العقل.
حتى المحكمة استعملت مصطلحات تدّل على عمق تأثير المشايخ الجهلة الذي أطلقوا على أنفسهم علماء، وقالت "المتهم نحر الضحية" ولم تقل ذبحها وفصل رأسها، كما كان يُذكر في جنايات مماثلة قبل خمسين سنة.
قانون الاسلامنجية
قانون الاسلامنجية واضح لا لُبس فيه: إذا لم تحبني وأنت صاغر نفاقاً أو ترهيباً سأكفرك أو انحرك باسم الله. وإذا لم أحكم الدول سأزلزل مجتمعاتها بالقتل والانفجارت والفتن والتجارة بالعملة وبناء بقع عشوائية تخضع لشُرعة الصحراء، ومنها أقطع الطريق على الناس وأخرج على الحاكم، وعندي أطنان من تراثي يمكن أن أقنع الناس من خلالها بجرائمي، على أنها عودة عصور نقاء الحكم (الذي ذبح خليفة فيه احفاد النبي) وأرهبهم فيها أيضا بالعذاب الأبدي بعد موتهم، إذا لم يصدقوني ويطيعوني صاغرين.
الله؟ هم أنفسهم غير مؤمنين به أو بوجوده. هم مؤمنون فقط بالارتزاق وركوب الشعوب واستباحتها به، بناء على شهادات حسية صادرة عنهم، منها على سبيل المثال، الخسة والوقاحة وعدم الوفاء بالوعود والتآمر والبلطجة والقتل واقناع الناس وحتى الاطفال بتفجير أنفسهم وعدم وجود الضمير وعدم الايمان بالدول واستعمال أي عضو في مافياتهم لمصالحهم.
روح الوجود
Happy Valentine Day لكل الذين ما زالوا يؤمنون بالحب، والتحية نفسها موّجهة إلى نيّرة أشرف، القائمة من بين الأموات في ذاكرة محبيها، والذين يقدرون جرأتها على مخالفة شرائع الرعب والخنوع في مجتمع العبيد.
نيّرة أشرف التي كما يبدو كانت تدور في فلك عقلاني علماني، وحاولت أن تكون رمز حرية في مجتمع يمجّد ويركع لمن يستعبده ويخيفه بأمور خرافية غير مرئية، لكنها إبتُليت بقاطع طريق أثاره جسدها ولم يحبها، وجن جنونه عندما رفضت قوامته عليها، أو أن تكون حرثاً له يأيتها متى شاء.
اسم منيرة شائع في المجتمع المصري، لكن يبدو أن المانا أو روح الكون قد ألهم أباها بإطلاق اسم نيّرة عليها. وحسناً فعلت المانا لأن الفتاة كانت نيّرة فعلا وإن ذبحها ظلامي.

*أنا لا أجرؤ كإنسان حتى على مجرد التفكير بحرق طرف أصبع من أصابع ابني، أو شعرة وقعت على الأرض منه، لأنه لم يسمع أوامري أو استخف بنصائحي أو استهزأ بكلامي أمام الناس، فمن هو ذلك الإله الرهيب الذي يأمر باستباحة المجتمعات وتدميرها لأنها لا تؤمن به؟ واخترع وسائل تعذيب وحرق للناس بعد موتهم ليتشفى فيهم.
لماذا خلقهم أصلا وهو يعلم بعلمه الشامل اللانهائي، كما قالوا عنه، أنهم سيخرجون عن نطاق شرائعه وهو غير مؤهل لقيادتهم؟
بشرية المجتمعات القديمة واضحة تماماً في صناعة إله على صورتها ومثالها، وليس العكس كما قالت النصوص.
ثم أن شرعة حقوق الانسان نسخت واقعياً كل الشرائع البدائية بقطع يد السارق ورجم الزانية أو جلد قاذف النساء، وأصبح تقويم وتأهيل المجرم والسارق هدف القانون والسجون، وهذه ضربة أخرى للإله الرهيب الذي اقتبسته الأدبيات الإبراهيمية من آلهة أساطير المنطقة، وقالت عنه انه خالق الكون وساكن السماء، الذي تسامى المشرعون عليه بإنسانيتهم في عصر الحداثة، ناهيك عن الضربات الموجعة له مِن الذين صححوا معلوماته الفلكية والكونية والجينية والتاريخية والجغرافية وحتى الدينية!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت