هل تصالح الفاتيكان مع لاهوت التحرير؟

عادل صوما
2023 / 2 / 7

في سنة 2019 ركع البابا فرنسيس الأول بعد خلوة روحية في الفاتيكان، أمام متعهدي الحروب الأهلية عديمي الشرف والكرامة في دولة جنوبي السودان، وقبَّل أحذيتهم ليحثهم على عدم العودة الى حروبهم الأهلية. وتمنى البابا بحرارة على رئيس جنوبي السودان سلفا كير ونائبه السابق، الذي تحول إلى زعيم للمتمردين، ريك مشار وثلاثة نواب آخرين على احترام الهدنة والالتزام بتشكيل حكومة.
متعهدو الحروب
كتبتُ في سنة 2019 في "الحوار المتمدن" (وقف متعهدو الحروب كالتماثيل أمام البابا البالغ من العمر 82 عاما، ويعاني من ألم مُزمن في الساق، وكان يعاونه مساعده وهو يركع بصعوبة لتقبيل أحذيتهم. وقفوا كالتماثيل ولم يساعدوا البابا حتى في الوقوف بعد ركوعه، لأن روح التشفي والانتصارات الرخيصة والبلطجة تسيطر على قلوبهم، وانا شخصياً لا أصدق أن المتورطين في صراع قذر على السلطة وأصحاب الثروات من خلق الحروب وإدارتها، الذين حثوا مقاتليهم على الاغتصابات الجماعية وقتل مدنيين وإتلاف محاصيل وحرق مزارع وممارسة العنف المأساوي ضد أطفال ونساء وحوامل، الذين داسوا بنود القانون الدولي بأحذيتهم وتسببوا في انهيار الجنيه السوداني وخراب اقتصاد دولة فتيّة تملك مؤهلات النجاح، يمكن أن تتحرك قلوبهم المتحجرة أمام ما مثّله البابا من وحي عظمة إنسانية المسيح).
دُمى سياسية
ما زلت عند رأيي أن جنوبي السودان على حق في الانفصال مما يخشاه من تطبيق شريعة لم تعد تناسب عصر الدول أو حقوق الإنسان، لكنه وقع بسبب زعمائه ضحية شريعة مصانع الأسلحة ومتعهدي الحروب التي تناسب كل العصور، فقُتل بسبب الجهل وصراعات قبلية وسياسية أكثر من مليوني شخص وشُرد أربعة ملايين، وإذا رفع المسيح صانعي السلام إلى مقام أبناء الله، فقد فشل البابا فرنسيس في حث متعهدي الحروب ليكونوا صانعي سلام بعد تقبيل أحذيتهم، وفشل تقبيله لأحذيتهم في تذّكير الدُمى السياسية الخالية من أي مضمون أخلاقي، بسمو مسيحهم الذي حاربوا من أجل إنسانية تعاليمه، وعدم تطبيق تعاليم لا رحمة فيها وغير متحضرة عليهم.
سم الكراهية
عاود البابا فرنسيس محاولته من اسبوع لوقف صراع دامٍ في دولة جنوبي السودان في سابقة تاريخية، لأنه سافر مع زعيمين دينيين من خارج الكاثوليكية هما رئيس أساقفة كانتربري جاستن ويلبي، ورئيس الكنيسة المشيخية في سكوتلاند إيان غرينشييلدز، وحث البابا المصلين الذين تحرك بعضهم مشياً على الأقدام لمدة تسعة أيام على رفض "سم الكراهية"، وطلب منهم عدم إضاعة أي فرصة لبناء السلام، وأخبرهم أنه لا يمكن أن يظلوا محايدين ضد الظلم.
كما ناشد البابا قادة البلاد التركيز على إنهاء الصراع، وفي إشارة رمزية شارك في قداس أقيم في ضريح جون قرنق، الزعيم السابق للحركة الشعبية لتحرير السودان، الذي لم تنعم دولة جنوبه بالسلام منذ الحصول على الاستقلال، وعانت الحرب الأهلية منذ 2013، ورغم الهدوء النسبي للصراع، لم تزل النزاعات المحلية تتحول لصراعات دموية بشكل منتظم، فقبل وصول البابا قُتل أكثر من عشرين شخصاً في غارة قبلية همجية على مُربي ماشية.
بيت القصيد
حسب كلمات البابا فرنسيس في زيارته لجنوبي السودان "إذا أردنا أن نكون قساوسة ونتشفع، فلا يمكننا أن نظل محايدين أمام الألم الناجم عن أعمال الظلم والعنف. انتهاك الحقوق الأساسية لأي امرأة أو رجل يعد جريمة ضد المسيح".
هل انتقل الفاتيكان من الصلاة داخل الكنيسة لكي يلهم الله الحكام ليحكموا بالعدل، ويُنعم على الأسرى بالحرية، ويهب المتعبين الراحة، ويكون مع المسافرين حتى وصول آمن، ويتحنن على المرضى بالشفاء، إلى جوهر لاهوت التحرير العملاني، الذي ينص على الاهتمام الاجتماعي بالفقراء، والتحرر السياسي للشعوب المضطهدة.
البابا عادة يلمّح، وما قاله يُفهم منه موقف جديد من الفاتيكان نحو "لاهوت التحرير" غير المرضي عنه كاثوليكياً في عاصمة الكثلكة.
لاهوت التحرير
لاهوت التحرير مثّل الممارسة السياسية لرجال دين كاثوليكيين في أميركا اللاتينية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، مثل جوستافو غوتياريز من البيرو، ليوناردو بوف من البرازيل، وخوان لويس سيغوندو من الأوروغواي، ثم لحق بهم في ثمانيات القرن المنصرم القديس أوسكار روميرو، رئيس أساقفة السلفادور الذي لم يطوبه الفاتيكان قديساً بل الشعب السلفادوري، الذي دخل منذ بداية عمله في منصبه في صراع مع السلطة والجيش والطبقة البرجوازية، مدافعاً عن حقوق الفقراء، ومستنكراً المجازر والاغتيالات والتعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان، التي كانت تُرتكب بحق الشعب السلفادوري تحت مرأى ودعم الحكومة الأميركية، وانتهت جهوده العظيمة باغتياله في 24 آذار/مارس 1980 وهو يترأس القداس داخل الكنيسة.
لاهوت التحرير نشأ كردة فعل أخلاقية عملية وليست وعظيّه داخل الكنائس، ضد الفقر والظلم الاجتماعي في أميركا اللاتينية، وصاغ هذا المصطلح سنة 1971 الكاهن جوستافو غوتياريز، الذي كتب أحد أهم الكتب المُعرِّفة للحركة، التي يُفهَم تفسير النصوص المقدسة في سياقها على أنه "تطبيق عملي" لتعاليم المسيح من منظور الفقراء والمحرومين.
في أميركا اللاتينية، يستهدف قساوسة لاهوت التحرير بالنقد الصريح، الفوارق الحادة بين الأغنياء والفقراء في الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية، الموجودة داخل الهياكل السياسية والشعبية للأمم.
نقدهم قوي عملاني لدمى الحكومات القمعية، التي تعتمد في وجودها على دول العالم الأول، والكنيسة الهرمية التقليدية، التي تسمح للبعض بأن يكونوا أغنياء للغاية، في حين أن الآخرين لا يستطيعون الحصول حتى على مياه شرب نظيفة ووجبة طعام يومية.
لاقى لاهوت التحرير معارضة الولايات المتحدة لاستخدامه "مفاهيم ماركسية" حسب زعم واشنطن، كما وجّه مجمع العقيدة والإيمان الفاتيكاني النصح إليهم في سنتي 1984 و 1986، حين رفض الفاتيكان بعض أشكال لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية بسبب التركيز على الخطيئة المؤسسية أو الجهازية، ولاعتبار التسلسل الهرمي للكنيسة الكاثوليكية في أميركا الجنوبية أعضاءً في الطبقة نفسها التي اضطهدت السكان الأصليين.
دفع مجمع الفاتيكان الثاني (1962- 1965) إلى موقف أكثر توجهاً نحو المجتمع، ومع ذلك فإن المؤتمر لم يدعم أبداً لاهوت التحرير بسبب غضب الفاتيكان منه، حيث حاول البابا بولس السادس إبطاء الحركة بعد المجمع المذكور.
هل ما فعله البابا فرنسيس الأول يمكن اعتباره مصالحة واعتراف بجدوى ومصداقية لاهوت التحرير؟ هل هو محاولة للخروج من النصح والارشاد من على منبر الكنيسة، إلى العمل في قلب المجتمعات المدنية المسحوقة؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت