أمريكا الجنوبية، بين الهيمنة الإمبريالية الأمريكية ومحاولات الإنعتاق

الطاهر المعز
2023 / 2 / 2

السياق العام
تعرضت بلدان أمريكا الجنوبية إلى عدة محاولات انقلابية، في الأرجنتين وبيرو والبرازيل. أما كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا فتتعرض لتهديد أمريكي دائم، منذ عُقُود.
في الأرجنتين، لا تزال نائبة الرئيس الحالية والرئيسة السابقة للأرجنتين، كريستينا فرنانديز دي كيرشنر، هدفًا لليمين المدعوم أمريكيا، وصَدضر في حقّها حُكْمٌ، في السادس من كانون الأول/ديسمبر 2022، بالسجن لمدة ست سنوات بتهمة الفساد، مع مَنْعِها من الترشح لأي منصب، وبذلك تم استبعادها من الانتخابات الرئاسية التي من المقرر أن تجري في تشرين الأول/أكتوبر 2023 والتي كان من الممكن أن تفوز بها، بدعم من قُوى اليسار، وهذه ثالث محاولة لإبعادها عن الحياة السياسية.
في بيرو سُجن الرئيس اليساري بيدرو كاستيلو، ، يوم السابع من كانون الأول/ديسمبر 2022، بعد انقلاب برلماني مدعوم من الجيش ومن سفيرة الولايات المتحدة "ليزا كينا"، العميلة السابقة بوكالة المخابرات المركزية، في حين لا تزال النقابات العمالية والقوى اليسارية والفقراء والسكان الأصليون يقاومون ويعارضون هذا الانقلاب، رغم من استخدام العنف العسكري والذخيرة الحية ضد المُحتجّين، ولم تمنع حالة الطوارئ وعنف الجيش الإضرابات والتظاهرات الحاشدة، بحسب صحيفة "الغارديان" في 19 كانون الثاني/ يناير 2023.
في البرازيل ، حاول اليمين المُساند للرئيس المهزوم جاير بولسونارو، بدعم من وكالة المخابرات المركزية والمبشرين الأمريكيين (المسيحيون الصهاينة اليمينيون المتطرفون)، تنفيذ انقلاب في 8 كانون الثاني/يناير 2023، من خلال غزو القصر الرئاسي وبناية المحكمة العليا والكونغرس. لكن، وخلافًا لما حصل في بيرو والأرجنتين، فشلت محاولة الانقلاب اليمينية هذه، وطلب بولسونارو تمديد إقامته بالولايات المتحدة، بعد فَشَلِ أنصارِهِ.
كما تحاول الولايات المتحدة منذ عقود تغيير أنظمة نيكاراغوا وكوبا وفنزويلا، ولا تزال شعوب هذه البلدان الثلاث تواجه صعوبات اقتصادية خطيرة بسبب الحصار الأمريكي والتدخلات المباشرة في شؤونها.
هذه لمحة موجزة عن الوضع في أمريكا الجنوبية، بنهاية سنة 2022 وبداية سنة 2023

عودة المشاريع المُشتركة
أطلق المكسيك مبادرة لاستبدال منظمة الدول الأمريكية بهيئة إقليمية جديدة، لأن منظمة الدول الأمريكية دعمت الانقلابات الرجعية والموالية للولايات المتحدة في فنزويلا وبوليفيا وبيرو وغيرها.
بعد عودة "إينياسيو لولا دا سيلفا" لرئاسة البرازيل، عاد الحديث عن إعادة بناء "أوناسور"، واقترح الرئيس " لولا " عملة مشتركة بين الأرجنتين والبرازيل والدول الأخرى التي ترغب في الانضمام إلى هذه المبادرة، وعادت قضايا التكامل الإقليمي إلى جدول الأعمال، كما أصدرت حكومات المكسيك وبوليفيا والأرجنتين وكولومبيا بيانًا مشتركًا يعتبر "بيدرو كاستيلو" رئيسًا شرعيًّا لجمهورية بيرو، غير أن حكومة تشيلي، المحسوبة على كتلة التقدّميين، تعترف بحكومة الإنقلابيين بقيادة "دينا بولوارت"، ولا تلتزم بهذا البيان المشترك، كما أعطت تشيلي الأولوية للتكامل الإقليمي من خلال تحالف المحيط الهادئ، ذي الصبغة التجارية والإقتصادية، ولم تُشارك في المبادرات ذات الصّبغة السياسية التي قد تثير غضب الإمبريالية الأمريكية، وبخصوص فنزويلا، رَعت الدول التقدمية (باستثناء تشيلي) الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين المعارضة والحكومة الشرعية، لتنظيم الانتخابات المقبلة سنة 2024، ما يُوفِّرُ فرصة ثمينة لحكومة فنزويلا ولكافة بلدان المنطقة، لوضع حد لزعزعة الاستقرار في أمريكا الوسطى، وما قد يؤدّي لرفع التجميد عن أصول الدولة الفنزويلية في القطاع المصرفي الدولي، خاصة بعد المحادثات بين القادة الأمريكيين والأوروبيين مع الرئيس "نيكولاس مادورو" بشأن أزمة الطاقة التي تفاقمت بسبب الحرب في أوكرانيا، وربما يتم رفع الحظر عن القطاع النفطي الفنزويلي قريبًا.
اتفقت حكومات شيلي والأرجنتين وبوليفيا، في تشرين الأول/اكتوبر 2022، على العمل معًا لبناء كارتل الليثيوم لتنظيم الأسعار والإنتاج، ووضع خطط لتطوير البحوث العلمية والصناعات والتكنولوجيا... ويمكن السعي إلى تحالف مماثل بين شيلي وبيرو لتنظيم استغلال وإنتاج وتسويق النحاس، من أجل بناء مسار تكامل إقليمي استراتيجي مستدام.
في الأرجنتين، أعلن وزير الإقتصاد "سيرجيو ماسا"، يوم 27 كانون الثاني/يناير 2023: "سنبدأ تصدير الغاز إلى تشيلي في الأيام القليلة المقبلة وقد يتم تصديره إلى البرازيل بدءا من أيلول /سبتمبر2023، ليتحول بذلك ميزان الأرجنتين التجاري الخاص بالطاقة من عجز تجاوز خمسة مليارات دولار سنة 2020، إلى فائض يبلغ نحو 12 مليار دولار سنة 2025"، ما سوف يُمَكّن الأرجنتين من تسديد ديونها الضّخمة، حتى سنة 2027، حتى دون استثمارات إضافية، بحسب الوزير.
أصبحت الأرجنتين دولة مُصدّرَة للغاز والليثيوم ومعادن أخرى، ما يمنحها فرصة نمو استثنائية، وما يُمكّنها من تسديد الدّيون التي اقترضها الرئيس اليميني السابق ماوريسيو ماكري (57 مليار دولارا، سنة 2018) من صندوق النقد الدّولي، بعد أن تخلّفت الدّولة عن سداد الدّيون، سنة 2020، فيما ارتفعت نسبة التضخم إلى 100% وارتفع سعر الدّولار في السوق الموازية، ولا تزال الدّولة مدينة بأربعة وأربعين مليار دولارا لصندوق النقد الدّولي.
تم اكتشاف الغاز الصّخري في منطقة "فاكا موريتا" بمقاطعة "فاثاغونيا"، ولم تكن الأموال متوفرة لبدء استغلال هذا الحقل الذي يتوقع أن يكون ثاني أكبر موقع للغاز الصخري في العالم، وتمكنت الدّولة من توفير الإستثمارات، وإتاحة المجال لتُحقّقَ البلاد الإكتفاء الذّاتي من الغاز، من خلال خط أنابيب غاز يُعزز الإستهلاك المحلي بنحو 25%، بداية من شهر حزيران/يونيو 2023، والبدء في التصدير، قبل نهاية العام 2023، عبر خط أنابيب آخر قُدِّرت تكاليف بنائه بنحو 1,8 مليار دولار، يتم تمويلها من قِبَل مصرف التنمية البرازيلي وشُركاء إقليميين آخرين.
أكّدَ رئيس البرازيل، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، خلال زيارة إلى بوينس آيرس، أنه سيهيئ الظروف لتمويل خط الأنابيب،
ويسجل التعدين ( في الأرجنتين) أداء قويا مع وجود 95 مشروعا لليثيوم والنحاس ومعادن أخرى قيد التنفيذ، بعد انتقال هذه المشاريع من طور التنقيب إلى مرحلة التطوير، لكن يشير اقتصاديون أرجنتينيون إلى حاجة الحكومة إلى إعادة تمويل 85 مليار دولار من الدين قصير المدى المقوم بالعملة المحلية (بيزو) سنة 2023، في حين تُطالب النقابات برفع الأجور لتدارك ارتفاع الأسعار والتضخم الذي بلغت نسبته 100% بنهاية سنة 2022، بينما ألحق الجفاف أضرارًا كبيرة بمحاصيل القمح وفول الصُّويا، ما قد يُخفض عوائد التصدير.
أصدرت حكومة الأرجنتين عفْوًا عن المُتهربين من الضّرائب والأثرياء الذي حوّلوا ثرواتهم (أو جزءًا منها) إلى الملاذات الضريبية، أملاً في "استعادة البلاد بعضا من ثروتها"، وفق وزير الإقتصاد الذي قَدّر الأموال العائدة بنحو 117 مليار دولارا، بينما لا يزال الأثرياء يحتفظون بما قيمته 300 مليار دولار في الولايات المتحدة، أي ما يعادل نصف الناتج المحلي الإجمالي للدولة المُثْقَلَة بالدّيون، مع الإشارة أن وزير الإقتصاد "سيرجيو ماسا" يطمح أن يُصبح رئيسًا للجمهورية، بعد استبعاد "كريستينا فرنانديز دي كيرشنر"، إثْرَ حُكْم قضائي جائر.
عودة البرازيل
في البرازيل، أقال الرئيس لويس إيناسيو لولا داس يلفا" بعض قادة الجيش وأجهزة المخابرات، إثر اقتحام أنصار الرئيس اليميني المتطرف السابق "جايير بولسونارو" بعض المباني التي تُمثّل سيادة الدّولة، بتواطؤ بعض الأوساط العسكرية والبوليسية... أما في مجال السياسة الخارجية فكانت الأرجنتين – ثالث أكبر مُستورد للسلع البرازيلية بقيمة 15 مليار دولارا، سنة 2021- أول بلد يزوره "لولا"، ليلتقي بحليفه الرئيس "ألبرتو فرنانديز"، والتباحث في مجالات التجارة والعلوم والتكنولوجيا والدفاع، قبل مشاركتهما في قمة لتجمع دول أميركا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي، وإعادة روابط البرازيل (أكبر دولة وأكبر اقتصاد بأمريكا الجنوبية) مع محيطها بجنوب القارة الأمريكية، بعد إهمال الرئيس السابق بولسونارو لبلدان الجوار وتآمره على فنزويلا والأنظمة التقدمية، والتباحث مع الرئيس الكوبي "ميغيل دياز كانيل" والرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو"، الذي أعاد الرئيس البرازيلي التواصل معه، بعدما اعترف "بولسونارو" بالبيدق الأمريكي "خوان غوايدو" رئيسًا مُؤقّتًا لفنزويلا، كما يتوقع أن يلتقي "لولا" برئيس الأورغواي اليميني "لويس لاكال بو"، بمناسبة مُشاركة هؤلاء في القمة السابعة لمجموعة دول أميركا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي (سيلاك التي تضم 33 دولة) بالعاصمة الأرجنتينية "بيونس آيرس" وكان الرئيس البرازيلي "لولا" أحد مؤسسي هذه المنظمة التي عَلَّقَ "بولسونارو" مشاركة البرازيل بها، بسبب معاداته لكافة الأنظمة التقدمية، ومقاطعته لكل من فنزويلا وكوبا ونيكاراغو وبوليفيا وتشيلي وكولومبيا والأرجنتين، وكل حكومة محسوبة على اليسار.
من أهم المشاريع التي ناقشها رؤساء أهم اقتصادَيْن بأمريكا الجنوبية، إطلاق عملة مشتركة ( وليست عملة مُوحّدة) بين البرازيل والأرجنتين، لتكون ثاني أكبر عملة بعد العملة الأوروبية الموحدة اليورو، وهو مشروع قديم، أوقف "بولسونارو" المفاوضات بشأنه، سنة 2019، رغم ما يتيحه المشروع من فُرص تعزيز التجارة بين البلدين ( 26,4 مليار دولارا خلال إحدى عشر شهرا من سنة 2022) دون اللجوء إلى الدّولار الأمريكي، من دون إلغاء الريال البرازيلي أو البيزو الأرجنتيني، والعملات الأخرى للدول التي قد تلتحق بالمبادرة ، كخطوة أولى نحو عملة موحدة، بعد سنوات...

تكمن أهمية تعزيز التعاون بين البرازيل والأرجنتين في قوة اقتصادهما التي تُعتبر أكبر قوة في تجمع "ميركسور" التجاري، وقد يؤدّي التبادل التجاري بالعملة المشتركة إلى خفض الضغط على احتياطي العملات الأجنبية، والمساهمة في تقويض هيمنة الدّولار الأمريكي على المعاملات التجارية والمالية الدّولية، إذ من المتوقّع أن تلتحق بالبرازيل والأرجنتين، دول أخرى، ولو بعد سنوات، لحل أزمة نقص العملات الأجنبية التي تعرقل التجارة، مع تجنّب التقلب في سعر العملات، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" (20/01/2023)
أمريكا الجنوبية والصين
تميزت دورة القمة السابعة لمجموعة دول أمريكا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي التي استضافتها بوينس آيرس، عاصمة الأرجنتين، بعودة البرازيل، بعد سنتَيْن من الغياب، وتميزت كذلك باهتمام الصين التي أشار رئيسها إلى أهمية التعاون مع أمريكا الجنوبية في إطار المشروع الصيني " الحزام والطريق "، ومبادرات التنمية العالمية، ومبادرات الأمن العالمي، وتسعى الصين إلى ضم دول أمريكا الجنوبية لبرامجها "للتعاون بين بلدان الجنوب"، بهدف توسيع دائرة نفوذها من خلال الإستثمار في البنية التحتية ومشاريع التنمية الاقتصادية، وهو ما بدأت الصين تنفيذه منذ سنوات في نيكاراغوا وجمهورية الدومينيكان وفنزويلا وبوليفيا وإكوادور وأورغواي، وشملت التجارة الصينية كافة الميادين ( عدا الأمن) التي أهملتها الولايات المتحدة، وتتخوف الأرجنتين والبرازيل، وكذلك المكسيك (المرتبطة باتفاقيات مع الولايات المتحدة وكندا) من توسّع نفوذ الصين بأمريكا الجنوبية بنفس الطريقة التي توسّع بها في إفريقيا، ما قد يُعرقل التجارة المشتركة لبلدان أمريكا الجنوبية، ضمن "ميركوسور"...
تُعاني شُعوب أمريكا الجنوبية من موقعها جنوب الولايات المتحدة التي تعتبر جنوب القارة الأمريكية مَرْتَعًا لشركاتها ومخابراتها وجيشها، لكن صُمُود شعوب القارة وصمود بلد صغير مثل جزيرة كوبا، منذ ستة عُقُود، يُعتَبَرُ نموذجًا للكفاح ومُقاومة أكبر وأشرس قُوّة امبريالية...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت