تونس- انتخابات برسم الإفلاس

الطاهر المعز
2023 / 1 / 29

صناديق الإقتراع والمَعِدَات الخاوية

جرت الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية يوم الأحد 29 كانون الثاني/يناير 2023، ليختار حوالي ثمانية ملايين مواطن 131 نائبًا (من إجمالي 262 مُرشّح)، إضافة إلى ثلاثين نائبًا تم انتخابهم في الدّورة الأولى، ومهما كانت نسبة المُشاركة ونتائج الإنتخابات، فإن للمجلس النيابي الجديد صلاحيات مُغايرة للمجلس السابق، فلا يمكنه مُساءلة الحكومة ولا الرئيس الذي يتمتع بالأولوية في اقتراح مشاريع القوانين، وجرت هذه الإنتخابات في جو من اللامبالاة وعدم الاهتمام بالعملية الانتخابية، بسبب الأزمة السياسية والإقتصادية بالبلاد، خصوصًا بعد مراجعة تصنيف تونس، يوم الجمعة 27/01/2023، من طرف وكالة موديز، ومنحها آفاقا سلبية. أما الإئتلاف الذي كان يحكم البلاد، منذ سنة 2012، بزعامة الإخوان المسلمين، المنضوي في "جبهة الخلاص الوطني" ( إضافة إلى حزب العُمّال والحزب الدّستوري) فقد دعا إلى مقاطعة الانتخابات، معتبراً 25 تموز/يوليو 2021، وما تلاه، غير شرعي، فيما يُحاول الإتحاد العام التونسي للشغل مع "الرابطة التونسية لحقوق الإنسان" و"هيئة المحامين" و"المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" إعادة تجربة 2013، عبر طرح "مبادرة الإنقاذ" للخروج من الأزمة، بمشاركة خبراء في مجالات القانون الدستوري والاقتصاد والشؤون الاجتماعية
كانت المُشاركة في الإنتخابات ضعيفة، لأن الوضع الاقتصادي وتباطؤ النّمو وارتفاع الأسعار والبطالة والفقر، وشح المواد الغذائية (فضلا عن ارتفاع أسعارها) كالحليب والزيت ومشتقات الحبوب، يستحوذ على اهتمام المواطنين، الذين يُغامر الآلاف منهم بحياتهم في زوارق الموت نحو أوروبا،، حيث دَفَع الفقر أكثر من 32 ألف تونسي إلى الهجرة بحراً نحو إيطاليا بشكل غير قانوني سنة 2022.
في هذا السياق خفضت وكالة التصنيف الائتماني الأميركية "موديز"، يوم السبت 28/01/2023، تقييم ديون تونس طويلة الأجل وخفضت تصنيفها "لوجود مخاطر كبيرة في قدرة الدّولة على سداد دُيُونها"، وهو الوضع الذي وصله لبنان ، بعد انخفاض كبير في مستويات احتياطي العملة الأجنبية، فيما تحتاج الحكومة إلى حوالي أربعة مليارات دولارا لسدّ عجز الميزانية ولسداد أقساط الديون الخارجية التي يحل أجلها سنة 2023، وفق تقرير وزارة المالية (كانون الأول/ ديسمبر 2022) الذي أورد أن الدين العام ارتفع إلى أكثر من 110 مليارات دينار (حوالي 35,5 مليار دولار) أو ما يُعادل 80,2% من الناتج المحلي الإجمالي، وأصبحت تونس مُصنّفة من قبل الوكالة الأمريكية "موديز" (وهي وكالة خاصة تُقدم الإستشارات للدّائنين) ضمن مجموعة بلدان مُتعثِّرَة مالِيًّا، منها سلفادور والحبشة ومالي وسريلانكا والعراق، وسبق أن وافق صندوق النقد الدّولي مبدئيا على قرض بقيمة 1,9 مليار دولارا، على أربع سنوات، لكن الإتفاق النهائي مرتبط باتفاق الحكومة مع الإتحاد العام التونسي للشغل قبل إصدار قانون خصخصة ما تبقّى من القطاع العام، ومجموعة قرارات أخرى اشترطها صندوق النقد الدّولي، سوف تُلْحِق أضرارًا مُؤكّدة بمصالح الأُجَراء...
شرعت الحكومات السابقة (حكومات الإخوان المسلمين وحلفائهم) في ما أسمته، نقلا عن صندوق النقد الدّولي، "إصلاح منظومة دعم المواد الأساسية"، مستخدمة نفس الخطاب الذي فرضه صندوق النقد الدّولي في كافة البلدان التي لجأت للإقتراض، مُتَذَرِّعَةً ب"توجيه الدعم نحو مستحقيه، واعتماد نظام التحويلات المالية..."، في ظروف انخفاض قيمة الصادرات وانخفاض عائدات السياحة، وتوريد المحروقات والغذاء والأدوية والآلات، بالعملات الأجنبية، بينما انهارت قيمة الدّينار من 1,1 دينارًا مقابل الدّولار قبل عشر سنوات إلى 3,2 دينارا مقابل الدّولار، بنهاية سنة 2022، ما أدّى إلى ارتفاع عجز الميزان التجاري إلى نحو ثمانية مليارات دولار، أو ما يُقابل 17% من الناتج الداخلي الإجمالي.
أصدرت وزارة المالية تقريرًا بعنوان "إطار متوسط الميزانية 2023/2025" ( لم يتم ترويجه على نطاق واسع) تَضَمّن رفع الدعم بصفة نهائية عن المحروقات والمواد الغذائية ومواد أساسية أخرى، وفق جدول زمني واضح، بين سنتَيْ 2023 و 2025 وتطبيق "حقيقة الأسعار" أي أن المواطن التونسي سوف يشتري المواد الغذائية والمحروقات بنفس السعر المعمول به في أوروبا، لكن دخله السنوي لا يزيد عن 20% من الحد الأدنى للأجور بدول الإتحاد الأوروبي، ويُعلّل التقرير هذا القرار، وكأنه قرار الحكومة، بينما هو قرار مفروض من صندوق النقد الدّولي والدّائنين الآخرين، ب"توجيه الدّعم لمستحقيه" أو "تهريب وتبذير المنتجات المدعمة"، ويورد التقرير أرقامًا عن خفض نفقات الدعم من 8832 مليون دينار (2850 مليون دولار) سنة 2023 إلى 3349 مليون دينار (1080,3 مليون دولار) سنة 2025، ما يعني ارتفاعًا كبيرًا لأسعار الغذاء ومُشتقات النفط والكهرباء والغاز المنزلي...
قدّر أحد المُستشارين الاقتصاديين للإتحاد العام التونسي للشغل أن هذه الإجراءات قد ترفع نسبة الفقر من 20% سنة 2022 (وفق وزير الاقتصاد والتخطيط ) إلى 25%، خلال سنة واحدة، ما يزيد من الفوارق بين الطبقات، ومن انتشار الفقر.
يتفق معظم التونسيين على وجود أزمة عميقة، ومن مظاهرها ارتفاع عدد المواطنين الذين يغادرون البلاد بشكل غير نظامي، وتم إحصاء 32 ألف تونسي وصلوا إلى سواحل إيطاليا سنة 2022، عدا عمّن لم يتم إحصاؤهم، وتشمل الهجرة خرِّيجي الجامعات وأصحاب المؤهلات والخبرات، كالمهندسين والمُحاسِبين ومُطَوِّري برامج الكمبيوتر، وخصوصًا الأطباء، إذ أعلن رئيس نقابة أطباء القطاع الخاص، يوم 28/01/2023، أن 90% من الأطباء المتخرّجين الجُدُد يغادرون البلاد كل سنة، للعمل بالخارج، لذلك بقي عدد الأطباء العاملين بالبلاد مُستقرًّا عند حوالي ستين ألف طبيب بالقطاع الخاص، يبلغ مُعدّل أعمارهم ستين سنة، وما هذا المثال سوى عينة من نتائج الإنهيار الإقتصادي، وارتفاع البطالة والفقر، وارتفاع الأسعار ونسبة التضخم، وتوقع محافط المصرف المركزي التونسي، يوم الرابع من كانون الثاني/يناير 2023، أن ترتفع نسبة التضخم من 8,3% سنة 2022 إلى 11% خلال سنة 2023، وأن أغلب المؤشرات الاقتصادية سلبية، ما يُهدّد بتفاقم الأزمة، وبلوغ مرحلة الانهيار.
المصارف تستفيد من الأزمة:
حققت المصارف العاملة بتونس، سنة 2022، وخصوصاً تلك المدرجة بالبورصة ( 12 مصرفًا من إجمالي 23)، أرباحًا صافية كبيرة تجاوزت 1,71 مليار دولارا، تتناسب عَكْسيًّا مع نسبة النمو الضعيفة ( أقل من 2% ) ومُناقضة للصعوبات الإقتصادية للبلاد، حيث نمَتْ أرباح المصارف بنسبة 13% في المتوسط، مقارنة بالسنة السابقة رغم الأزمة الاقتصادية بالبلاد، ويمكن تعليل ذلك باستفادة المنظومة المصرفية من زيادة حجم الاقتراض الداخلي للدولة، ومن ارتفاع قيمة "الخدمات المصرفية" أي الرسوم التي تفرضها المصارف على الزبائن، والفائدة على قُرُوض الأفراد والشركات الصغيرة، ما يجعل من القطاع المصرفي قطاعًا ريعيا، لا يُوجّه قروضه نحو الإستثمار، وإنما نحو قروض الإستهلاك، قصيرة الأجل، بالإضافة إلى إقراض الحكومة سبعة مليارات دولارا (طلبتها المصارف من المصرف المركزي) بفائدة قدرها 200 مليون دولارا، ومنذ "استقلال المصرف المركزي" عن الحكومة، لم يعد يُؤَدِّي دور الرقابة على العمولات والفوائض التي تفرضها المصارف على الزبائن، وفق دائرة المُحاسبات منذ سنة 2020، ما أدّى إلى وضع غير طبيعي بين اقتصاد متأزم وقطاع مصرفي مزدهر، بفضل هذه الأزمة...
هذه نظرة سريعة على المناخ الإقتصادي والإجتماعي الذي أحاط بانتخابات 29 كانون الثاني/يناير 2023، وهو مناخ غائم، يُفسِّر ضُعْف الإقبال على عملية التّصويت، والإتجاه نحو محاولات الخلاص الفردي والمُقامرة بالحياة في قوارب الموت...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت