هو لا يتكلم وأنا لا أعود ... قصة قصيرة

منى نوال حلمى
2023 / 1 / 27

-
---------------------------------------------

تلك المرأة الساكنة قلبك ، المطلة من ملامحك ، المقيمة فى دمك ، كم أغار منها . قبل أن أحبك ، كنت أسخر دائما من مشاعر الغيرة ، وأعتبرها سذاجة لا تليق بأمرأة مثلى . أنا لست بساذجة ، لكننى أحترق غيرة عليك .
نلتقى أنا وأنت .. كل شىء مهيأ لنا .. غموض الليل ، ورقة الهواء ، وعذوبة الأنغام ، وسِحر الشِتاء . فاضت بقلبى الأشواق ، وأنت كعادتك عاشق جميل ، يمنحنى أحلى الكلمات . لكن تلك المرأة الساكنة قلبك ، المطلة من ملامحك ، المقيمة فى دمك ، تتدخل بيننا ، تعكر صفو الوصال .
فى كل لقاء ، أحسها ، أشم رائحتها . أنظر إليك ، أراها تتحدانى ، وتسألنى الرحيل عنك . لست أدرى ، هل أرحل أم أبقى ؟.
فى كل لقاء ، أتمنى لو تأتينى دونها . لكنها ممتزجة بظلك ، وتسبق خطواتك إلى جلستنا .
فى دهشة تسألنى : " لماذا أنتِ متعكرة المزاج ، ومازلنا فى أول الليل ؟ "
بماذا أجيبك ؟؟.
هل أعترف بأننى أغار عليك ؟ . هل أعترف بأننى أضع نفسي ، فى مقارنة مع تلك المرأة الأخرى ؟. هل أعترف بأننى أسيرة الشعور الذى طالما سخرت منه ؟. يمنعنى كبريائى من الاعتراف .
بالأمس التقينا .. وسامتك مبهرة الضياء ، حديثك ساحر ، يطوف بى بعيداً عن الزمان ، والمكان . تدعونى عيناك للارتماء فى بحرهما .. ألبى النداء .
تأخذ يدى بين يديك وتقول : " مالك هذه الأيام أصبحتِ كثيرة الشرود ، والتوتر . ماذا بكِ ؟ "
لا أستطيع إخفاء مشاعرى الليلة .. لابد من أن أصارحك ، وليذهب كبريائى إلى الجحيم .
قلت : " أغار من تلك المرأة الأخرى ، التى اقتحمت حياتك .. لا أستطيع أن أحتملنا نحن ثلاثة معاً .. خلصنى من عذابى ، قل لى ، أتحبها ؟ "
مندهشاً تقول : " أحبها ؟ . ما هذا العبث الذى تتحدثين عنه ؟ . ألا تعرفين مَنْ أحب ؟ . لا أتخيلك تغارين حقاً ؟ ".
أقول : " الغيرة تكاد تذهب بعقلى . وخيالى يصور لى أشياء كثيرة .. ".
تقترب أكثر ، بحنان تقول : " أعرف خيالك الجامح . ولكننى أحبك أنتِ .. أنتِ الحب الذى عشت سنوات عمرى ، أبحث عنه .. أنتِ المرأة تدهشنى وتحيرنى ، والتى ادخرت لها كل مشاعرى ، وأسرار فرحتى ... لست أتصور أن أفقدك ، أو أن تغيبى ،
صالحنى حبك على عمرى الضائع وقسوة الأيام ، لست أتمنى شيئا الآن ، سوى أن تبقى معى حتى آخر العمر . "
هل كان لابد من اعترافى بالغيرة ، حتى تُسمعنى كلمة الحب ؟.
أسألك : " ولكن ماذا عنها هى ؟ ".
تقول : " هى صديقة ، لا أكثر ولا أقل ".
قلت : " اهتمامك بها أكثر من الصداقة ، لم لا تعترف بالأمر ؟ ".
تقول : " أى أمر ؟ ".
قلت : " أنك تحبها وهى تحبك ".
تقول : " ماذا حدث لك ؟. لماذا لا تصدقيننى ؟ ".
قلت : " ربما تحبنا نحن الاثنتين فى وقت واحد ، ربما لا تدرك أن اهتمامك بها يتعدى حدود الصداقة " .
بانفعال تقول : " لا أستطيع مجاراتك فى هذه المناقشة . وأرفض أن تساورك الشكوك ".
قلت : " وأنا أرفض أن تشاركنى فيك امرأة أخرى " .
تسألنى : " ماذا تعنين ؟ ".
قلت : " إما أنا ، أو هى ".
تقول : " إنها صديقتى ، كيف تطلبين مِنى أن أنهى علاقتى بها " .
قلت : " لو كانت مجرد صديقة كما تزعم ، لسهل عليك التخلى عنها " .
تقول : " إنها صديقتى .. لا أستطيع الاستغناء عن وجودها " .
قلت : " لست أؤمن بالصداقة بين الرجل والمرأة " .
تقول : " لكننى رجل مختلف ، وهى امرأة مختلفة " .
أقول : " وأنا امرأة عادية .. تقليدية .. أليس هذا ما تود أن تقوله ؟ " .
تقول : " كلامك الليلة يدل على ذلك " .
قلت : " لن أستطيع احتمال تلك المرأة الأخرى، أكثر من هذا الحد . إننى أخيرك إما أنا ، أو هى .. إما صداقتها ، أو حبى .. " .
تركته وحيداً مذهولاً من قرارى المفاجىء .. أنا أيضاً ، لم أكن مستعدة لمثل هذا القرار . من حقى أن أغار عليه . من حقى ألا تشاركنى فيه امرأة أخرى .
يتهمنى بالتقليدية ، لأننى لا أعترف بصداقته مع المرأة الأخرى . غريب أمر الرجال .. يريدون كل شىء . يرغبون جميع النساء . ولديهم تفسيرات لكل ما يفعلونه . ترى لو كنت أنا فى مكانه ، ماذا سيفعل ؟ . لو كان فى حياتى رجل صديق ، لا أستطيع الاستغناء عن وجوده ، كما الحال مع صديقته ، ماذا سيكون شعوره ؟.
أحياناً يؤنبنى ضميرى ، ربما أكون قد قسوت عليه ، ربما أكون واهمة ، أو بالغت فى الأمر ، أو أكون قد جرحته بشكوكى . لكن ما هى إلا لحظات ، وأطمئن . فهو الذى بدأ القسوة ، بإقحامه تلك المرأة الأخرى بيننا . هو الذى جرحنى ، بإصراره على عدم التخلى عنها .
مر وقت طويل ، ونحن الاثنان فى صمت .
هو ينتظر مكالمتى ، وأنا أنتظر عودته . لا هو يتكلم ، ولا أنا أعود .
مر وقت طويل ، والحياة بدونه أيام متشابهة العبير ، والألوان . أفعل كل شىء بدقة فى موعده ، أروح وأجىء ، وأتكلم ، وابتسم لكننى ذابلة الملامح ، بقلبى حزن ، لا يُذهبه إلا وجوده معى .
لن أعود . كل شىء أهون ، من امرأة أخرى تشاركنى فيه ، باسم الصداقة . لن أعود . رغم أننى أدرك أنه حب عمرى الماضى ، والآتى .
----------------------------------------------------------

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت