المشاكل النفسية، سينمائياً

دلور ميقري
2023 / 1 / 25

1
قليلة هيَ الأعمال الأدبية، المكتوبة بالعربية، المتناولة مشكلة نفسية. فمن بين القائمة الطويلة لأعمال أديب نوبل، نجيب محفوظ، لا نعثر سوى على رواية واحدة، هيَ " السراب "، المنشورة عام 1948، حبكتها تتمحور حول عقدة أوديب. إحسان عبد القدوس، عالجَ عقدة أخرى عن تعلُّق الفتاة بالأب، في روايتين؛ هما " أين عمري "، المنشورة عام 1954، و" لا أنام "، المنشورة بعدها بثلاث سنوات . كذلك تُعتبر مجموعته القصصية، " بئر الحرمان "، المنشورة عام 1962، من ضرب الأعمال الأدبية، المهتمة بالمشاكل النفسية. أما الأديب يوسف السباعي، فإنه كتب رواية نفسية واحدة، هيَ " نادية "، المنشورة عام 1960، تتحدث عن فتاة تتقمص اسمَ شقيقتها التوأم ولا ترغب بكشف شخصيتها الحقيقية لمن تحب.
تلك الندرة في الأعمال الأدبية، المَوْصوفة، انعكست بطبيعة الحال على السينما المصرية، التي كانت تُعرف ب " هوليوود المشرق ". لأن أولئك الأدباء الثلاثة، كانوا الأكثر رفداً للفن السابع في موطنهم سواءً بالقصص أو السيناريوهات. جديرة بالملاحظة، المعالجة السينمائية لرواية محفوظ، " السراب "، وذلك بعد نشرها بما يزيد عن العقدين. وباعتقادي، أن جرأة فكرة الرواية، المتحددة كما أسلفنا بعقدة أوديب، جعلت المخرجين ينأون بأنفسهم عن انتاجها. إلى أن فعلَ ذلك مخرجٌ مغمور، هوَ أنور الشناوي، فقدم فيلماً ضعيفاً وبأداء متشنج من قبل بطله، نور الشريف، الذي كان في بداياته الفنية. أما رواية السباعي، " نادية "، فتم إنتاجها سينمائياً عام 1969، بنفس الإسم، من قبل المخرج المعلّم أحمد بدرخان. في هذا الفيلم، أدت الفنانة سعاد حسني الدَور المزدوج بإجادة رائعة. وقد نشرتُ دراسة عن هذا الفيلم، وذلك في عام 2006.
" بئر الحرمان "، هيَ إحدى قصص مجموعة إحسان عبد القدوس، حيث أنتج فيلم بالاسم نفسه، أيضاً عام 1969 ومن بطولة سعاد حسني. الفيلم، إخراج كمال الشيخ. وبهذا العمل، عاد المخرج لمعالجة عقدة نفسية؛ هوَ من انتج قبلها بست سنوات فيلماً آخر، " الليلة الأخيرة "، ضمن نفس السياق. " بئر الحرمان "، كان أول فيلم للشيخ يُنتج بالألوان. وقد أبهرَ المُشاهد، حقاً، بشخصية " ناهد "، المصابة بالإنفصام، من خلال ملابسها الفاقعة الألوان ليلاً ومن ثم ملابسها العادية نهاراً.
قصة أخرى من تلك المجموعة، " حالة الدكتور حسن "، تم تحويلها إلى فيلم بعنوان، " أين عقلي " عام 1974، إخراج عاطف سالم وبطولة سعاد حسني. هذه الأخيرة، على رأيي، هيَ التي أنقذت الفيلم بأدائها المتميّز لدَور " عايدة "؛ المرأة المقترنة برجل مثقف، لكنه يعاني من إنفصام الشخصية ( الفنان محمود ياسين ). وكذلك بالطبع، دَور " د. زهدي "، المؤدى من قبل الفنان الكبير رشدي أباظة. لكنني أفترض، أن القصة أساساً مقتبسة بشكل ما من رواية " المرأة المجهولة " للكاتبة الفرنسية الكلاسيكية، مارغريت وين ( 1847 ـ 1926 ). ومن المعروف، أن قصصاً أخرى لإحسان عبد القدوس أشير إليها على أنها منحولة عن أعمال أجنبية. المهم التنويه، بأن ثمة قصة بالاسم نفسه، " المرأة المجهولة "، تم إنتاجها فيلماً، عام 1959، للمخرج محمود ذو الفقار وبطولة شادية وعماد حمدي. لكنها عن رواية كلاسيكية أخرى، تأليف الفرنسي ألكسندر بيسون ( 1848 ـ 1912 ).
أما رواية الفرنسية الكلاسيكية، مارغريت وين، فإن المخرج كمال الشيخ تعهّدَ إنتاجها عام 1963، عندما قدّم فيلمه " الليلة الأخيرة ". مَن قام بكتابة السيناريو والحوار، هوَ الأديب يوسف السباعي.
هذا الفيلم، هو السادس للمخرج المبدع كمال الشيخ، الذي أقوم بدراسته.

2
شارة الفيلم، تركزت على صورة للفيلا، التي سنعلم أن معظم حوادث الفيلم تقع فيها. الشارة، مثل بقية المَشاهد، مترافقة مع موسيقا مؤثرة من المختارات العالمية.
يجدر أيضاً التنويه منذ البداية، إلى أنّ كل مشهد من مشاهد الفيلم، كان لوحة فنية شديدة التعبير. ويرجع الفضل بالطبع لمدير التصوير، عبد الحليم نصر ( 1913 ـ 1989 )، الفنان القدير، الذي تتلمذ علي يد ألفيس أورفانيللي، أحد رواد السينما المصرية. عبد الحليم نصر، من ناحية أخرى، كوّنَ شركة إنتاج مع المخرجين أحمد بدرخان وحلمي رفلة.
المشهد الأول للفيلم، تَرافقَ مع مونولوج لبطلته، نادية صادق ( الفنانة فاتن حمامة )، التي نراها تستيقظ صباحاً في حجرة نوم الفيلا. إنها تحدد السنة، 1942، قائلة أنها ستكون الأسعد في حياتها، كونها ستصبح حرم الضابط الطيار، صلاح محرم. أول علامة للفيلم، قول البطلة في مونولوجها أنها تتمنى لو تنتهي الحرب؛ وكانت تقصد، بالطبع، الحرب العالمية الثانية، الشاهدة على غارات الطائرات الألمانية.
ولكن، هيَ ذي نادية تتأمل حجرة النوم بدهشة. لقد كانت حجرة غريبة تماماً عليها، بدءاً من دولاب الملابس، المفترض أنها وضعت فستان عرسها فيها، إلى سرير النوم، المزدوج. بينما كانت تنظر باستغراب إلى صورة لها، وهيَ بسنّ ناضجة مع فتاة شابة، إذا برجل يدخل إلى الحجرة، وكان يبدو خارجاً لتوه من الحمّام: " ما هذا..! إنه شاكر، زوج شقيقتي فوزية؛ فكيف يقتحم حجرة نومي بدون استئذان؟ ".
إعتباراً من المشهد الأول، سنُدرك أن نادية قد استيقظت من النوم وهيَ فاقدة ذاكرتها. ثمة مساحة زمنية كبيرة، تقدّر بخمسة عشرة عاماً، لا تذكر منها شيئاً. فاليوم، الذي أفاقت فيه على الغرائب حولها، لم يكن سوى أحد أيام عام 1957. في المقابل، لاحظت أن فستانها وحذاءها على مقاسها تماماً. ثم ستعلم حقيقة أخرى أرعبتها، أنها في القاهرة وليسَ الإسكندرية؛ أين كانت نائمة في اليوم السابق ـ كما أجاز لها الوهم. الأغرب، أنها كانت قد استيقظت كعروس، من المفترض أن تزف في هذا اليوم. وإذا شاكر ( الفنان محمود مرسي )، يخبرها ببساطة أن تستعد لعرس ابنتهما، الذي سيجري في نفس اليوم. الابنة سامية ( الفنانة مديحة سالم )، ما لبثت أن ظهرت كي تتكلم مع نادية بصفتها والدتها.
ومن المواقف المعبّرة في الفيلم، أنه في خلال عرس ابنة نادية في مساء ذلك اليوم، يقدم لها أحد المدعوين كأساً من الويسكي، فتقول له: " أنا لا أشرب ". يلتفت المدعو إلى شاكر، مستغرباً: " ألحق زوجتك، التي تقول أنها لا تشرب! ". في الأثناء، كان الخدم يدورون بأقداح الشراب والجميع يشربون نساءً ورجالاً. تعقيباً على مشهد التحرر هذا في المجتمع المصري آنذاك، أتساءل ما لو كان جديراً بالجيل الجديد أن يخجل اليوم من عقليته، المغرقة بالرجعية؛ وهوَ يرى أسلافه، بهيئتهم الأنيقة وعقليتهم المنفتحة؟
عقبَ حفلة العرس، تسافر الابنة سامية مع عريسها إلى اسبانيا، أين يخدم كموظف في القنصلية المصرية. بعدئذٍ نادية تفاجئ شاكر، بالقول أنها ليست فوزية. ذكّرته بكونها الشقيقة الصغرى لفوزية، فما كان منه إلا انكار معرفته بهذه الحقيقة. بل إنه أنكر حتى معرفته بوالد نادية، مع العلم أنه حماه. ولكن من سَير أحداث الفيلم، ستعرف أنه كان يكذب عليها. وبدَورنا نعلم، أن هذه هيَ عقدة حبكة الفيلم: أن نادية قد استعادت ذاكرتها في ذلك اليوم، لتفاجأ حينما استيقظت صباحاً أن الجميع يعاملها على أساس أنها فوزية.
في المشاهد التالية، وبعدما أحضر لها شاكر أوراقاً رسمية تثبت أنها فوزية، علاوة على ألبوم صورها، تستمر نادية في مونولوجها الداخليّ وتقرر أن تُظهر اقتناعها بشخصيتها الجديدة كي لا يعتبرها من حولها أنها قد جُنّت. شاكر، وكان رجل أعمال، يقرر السفر إلى الإسكندرية لأجل تجارة عالقة في الجمارك. بناءً على رغبة نادية، يوافق على أن ترافقه. لقد كانت ستنتهز وجودها في تلك المدينة ( مسقط رأسها )، لكي تبحث عن الحقيقة. وهذا ما فعلته، هناك في مدينتها. جديرة بالملاحظة، كيفَ أن الفيلا المفترض أنها مسكن أسرتها قد تحولت إلى بناء متعدد الأدوار: هذا ما حل بالإسكندرية تدريجياً، منذ انقلاب العسكر عام 52، فاندثرت قصورها وفيلاتها وحدائقها، لتحل محلها أبنية الإسمنت المسلح، القبيحة المنظر.
خطأ فادح، أخالُ أنه بسبب سيناريو الفيلم: تقابل نادية الضابط صلاح ( الفنان كمال ياسين )، الذي كانت ستتزوجه قبل 15 عاماً. وإذا به لا يعرفها، بالرغم من أنه يؤكد لها أنه خطبَ في شبابه فتاة اسمها نادية، وأنها قتلت في غارة ألمانية على منطقتهم السكنية ومات معها والدها. إذ كيف ستتغير ملامح نادية في خلال مدة زمنية ليست بالبالغة الطول، بالأخص قوله لها أن بها شبهاً من خطيبته السابقة؟
ونتجاوز ذلك المشهد إلى مشهد آخر، نتابع فيه نادية على وقع موسيقى تصويرية ذات رهبة وهيَ تدخل إلى مدفن أسرتها. هناك، يقع نظرها على شاهدة قبر نقش اسمها عليها مع تاريخ الوفاة؛ 1942. بينما كانت تردد في نفسها، مرتاعة: " هذا مستحيل! لو كانت نادية هنا تحت التراب، إذاً أنا أكون مَن؟ "، إذا بيَد توضع على كتفها. لقد كان شاكر، الذي يقول لها بنبرة مشفقة أن تدع أوهامها وتحيا الواقع. ثم يعترف لها، أنه اضطر للكذب عندما ادّعى أنه لا يعرف فتاة اسمها نادية برهان ولا والدها: " وذلك من أجل ألا أفتح الجرح القديم ".
فيما بعد، تحصل نادية على معونة الدكتور مجدي ( الفنان أحمد مظهر )، والذي يصر أمام شاكر بأنها بحاجة لطبيب نفسي وإلا ستفقد عقلها. شاكر، لا يرتاح للدكتور ويطلب من نادية ألا تلتقيه. تتنصت لمكالمته مع الدكتور، وتفاجأ بمعلومة عن أن والدتها قد ماتت في مستشفى الأمراض العقلية: " نعم، أمك كانت مجنونة ويبدو أن هذا مصيرك أيضاً! ".
بعد محاولتها الإنتحار بتناول حبوب مهدئة، يحضر د. مجدي ويجري لها الإسعاف اللازم. ذات مساء، يكون شاكر في الحديقة، فيشاهد نادية واقفة على الشرفة. يصعد إليها، ثم يهم بدفعها إلى الأسفل. تنتبه هيَ لمحاولته، فتفر من المنزل إلى عيادة د. مجدي. هناك تؤكد له أن شاكر حاول قتلها، ليوهم الآخرين أنها انتحرت. يصطحبها مجدي إلى عيادة صديقه الطبيب النفسي، د. عمار ( الفنان عبد الخالق صالح ). تبقى هناك بضعة أيام، تحت إشراف الطبيب. تحت اشراف هذا الأخير، تستعيد بكل دقة تفاصيل الغارة الجوية وكيف قتلت شقيقتها الكبيرة فوزية. عندما ذكرت أنها كانت بين يدي الخياطة قبيل الغارة، يعرب د. مجدي عن استعداده للسفر إلى الإسكندرية كي يجلب هذه المرأة لتتعرف على نادية. لكن الخياطة، عندما حضرت، تخاطب نادية باسم فوزية. يسقط في يد هذه الأخيرة، فتوافق على العودة مع شاكر إلى المنزل.
المشهد الأخير من الفيلم، حينَ يحاول شاكر قتل نادية خنقاً بغاز الحمّام، وذلك عقبَ اعترافه لها بأنه قدم رشوة للخياطة كي تدعي أنها فعلاً فوزية. يتبين من كلامه، أنه عام 1942، كان قد أوهمهم هناك في المستشفى بأن نادية هيَ زوجته، فوزية، وذلك لكي لا يحرم من ميراثها بعدما قتلت في الغارة.. وكانت نادية عندئذٍ راقدة في المستشفى، فاقدة الذاكرة على أثر الغارة.
ينقذها مجدي من الموت، وبعد ذلك يؤكد لها الحقيقة؛ وهيَ أنها فقدت ذاكرتها طوال 15 عاماً ثم استعادتها في يوم زواج ابنتها. وفي الختام، ترتبط بمجدي بعدما مات شاكر بحادثة سيارة.
في هذا المقام، يُقال أن نهاية الفيلم كانت مختلفة؛ بحيث جعلت نادية تتوافق مع شاكر من أجل ألا تُصدم ابنته، التي هيَ على كل حال ابنة شقيقتها. لكن فاتن حمامة، غير المقتنعة بهكذا خاتمة، استعانت بالمخرج البريطاني دافيد لين، وكان يزور مصر لأجل انتاج فيلم " لورنس العرب "، وكان من بطولة زوجها عمر الشريف. دافيد لين، أقنع بدَوره المخرج كمال الشيخ بصحة وجهة نظر فاتن حمامة بشأن نهاية فيلم " الليلة الأخيرة " !!

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار