صراع المواقف والقيم في مسرحية (مقال افتتاحي)

الكبير الداديسي
2023 / 1 / 25

لأحداث. لا يغير المشهد إلا ظهور شخصية أو اختفاؤها من على الركح، أو بعض الإرجاعيات ( flash back)التي تعود بالمتفرج إلى ماضي الشخصيات.

6- حركية الديكور لم توازيها حركية الشخصيات التي ظلت تتحرك بتؤدة وأناة بعيدا عن القفز والصراخ، او التعبير الجسدي… وهي حركة تعكس الأدوار المنوطة بالشخصيات (صحفية، رسامة ومقاول..) وظلت شخصية النادل وحدها الأكثر حركية تسعى إلى تكسير رتابة على الركح، وقد اختير لها لباس أقرب إلى المهرج ليتناسب وحركيتها، وسمح لها بالقفز أحيانا على الطاولات أو التموضع أسفلها بحسب مقصدية الكاتب/المخرج ، كما أتيح للرسامة كنزة في بعض المشاهد بتقديم رقصات تعبيرا عن تمردها…

7 – العنف والعنف الرقمي: النص المسرحي يقارب قضايا متعددة، منها العنف ضد النساء من خلال ما عاشته شخصية كنزة وفريدة، وتطور العنف إلى العنف الرقمي المتمثل في التهديد والابتزاز ولو بصور وأشرطة وهمية، وما يمكن أن يحدثه هكذا في الشخصية ويدفعها إلى تغيير موقفها مكرهة، فلم تجد الصحفية فريدة سوى الرضوخ لطلبات حمزة لما ابتزها بصور وفيديوهات قد تلطخ سمعتها، ولم يوقف هذا الابتزاز إلا تهديد كنزة له وإخباره بتسجيل تهديداته وابتزازه للصحفية وهي التفاتة موحية من المسرحية لعنف جديد غدا يتسلل لحياتنا ويهدد توازننا….

8 – قيام المسرحية على الصراع واختلاف المواقف والتصورات: تجلى الصراع أولا في اختلاف جنس الأبطال(بطلين في مواجهة بطلتين) وفي اختلاف الرؤية للعالم واختلاف المواقف، فكثيرة هي مظاهر الصراع التي تقدمها المسرحية من خلال ثنائيات النزاهة/ الفساد. الصدق/ الكذب . الالتزام/ الانتهازية… ينضاف إلى ذلك الصراع الداخلي الذي تعيشه كل شخصية على حدة (مناضل فتّش في ذاكرته فلم بجد سوى شعارات وبقايا كتب ووجوه فقرر النضال بطريقة مخالفة لإنقاذ أمه من المرض اشتغل في البناء وتسلق في مراتب السلم الاجتماعي… رسامة مزورة ركبت على إبداع فنان إفريقي لتلميع صورتها باستغلال فقره…) وهو ما جعل الشخصيات تعيش معاناة تأنيب الضمير ، وحتى تلك الصحفية التي قدمتها المسرحية رمزا للالتزام والوقوف في وجه الفساد والمقاولين الذين يتعاملون بمنطق الإسمنت يهدمون المآثر والمنشآت الثقافية لبناء مشارعهم (حمزة بنى مقهى الحافة على أنقاظ مسرح قديم) فقد ظهرت في الأخير مريضة مرضا خطيرا ينبئ بنهايتها.

9 – المسرحية والتطهير: المسرحية ترمي المتفرج في إتون الوهم حيث تختلط الحقائق بالأوهام ويغدو من الصعب عليه التمييز بين الحق والخطأ ، وبين الصدق والكذب فيعتقد أن كل ما تقوله الشخصيات حقيقة: (الصحفية شخصية قوية ، الرسامة فنانة كبيرة، المقاول يملك صك إدانة وتشويه الصحفية، والرسامة لها فيديوهات وصور للمقاول…) قبل أن تأتي لحظات للاعتراف والسقوط فتظهر الصحفية مريضة عمرها الافتراضي قصير جدا لا يتجاوز أياما معدودات، وتبدو تلك ا الأسلحة التي كانت الشخصيات تهدد بها بعضها البعض غير حقيقية، لتبرر كل شخصية اختياراتها في ما يشبه جلسة اعتراف لبست فيها الشخصيات أقنعة وتمكنت منها خلالها كسب تعاطف المتفرجين وهم مقتنعين أن تلك الأدوار مجرد تمثيل،

10 – بين البداية والنهاية: في ما يشبه البناء الدائري للنص كانت الخاتمة مثلَ البداية على إيقاع العزف على آلة الفيولونسين و البوح بالمستور والتخلص مما يثقل الذات ويعذبها، وتلخيصا لكل الرسائل المعلنة والمبطنة، وما إنهاء المسرحية بمشهد انكفأت فيه كل شخصية على ذاتها وكنزة تطفئ الشموع بعبارات مشحونة برمزية البحث عن الشخصية المتوازنة والعيش في توازن دون التضحية بالقيم إلا تلخيص لمعاناة الإنسان المعاصر الذي يكد من أجل الصعود إلى الأسفل، والسعي نحو الحافة (اسم المقهى) في مسرحية كل شيء فيها مختار بقصدية اسم المقهى / أسماء الشخصيات، لباسها أدوارها، رقصاتها تبدو مظهريا من علية المجتمع لكنها تحمل في دواخلها جبالا من الهمم ومشاكل تضيق عنها الصدور وهو ما قد يبرر تصرفاتها ويكسبها تعاطف الجمهور…

هذه عشر ملاحظات سريعة حول مسرحية “مقال افتتاحي” كمسرحية واقعية، تتجاوز الواقعية الانتقادية التي تكتفي بانتقاد الواقع ورصد عيوبه واختلالاته إلى واقعية تثور فيها الشخصيات الإشكالية على واقعها وتغيّره بإرادة داخلية ورغبة في أن تكون تلك الشخصيات كما تريد وليس كما يراد لها، وهو ما يتطلب دراسة خاصة للشخصيات والصراع في المسرحية قد تتم العودة إليها…

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار