سلاما أمنا الأرض فقد نزل فيك من نحب 2

عباس علي العلي
2023 / 1 / 25

عرف الإنسان الحرص على أشياءه كواحدة من الغرائز الطبيعية مثله مثل أي حيوان يرى أن هنام حق محدود ومجسد في حاجة، لا يريد لأحد أن يشاركه فيها، فيأخذ طعامه أو حاجته التي هي موضع حرص فيودعها مكانا مأمونا على الأقل غير منظور للأخرين، فكان الدفن في التراب أول تلك الوسائل، قد يكون تعلمها من بيئته من الحيوانات التي تشاركه المكان حتى عرف في وقت لاحق وضع الأشياء بين الحجارة أو بين الشقوق أو خلف الأبواب وهكذا تطورت وسائل الحفظ في يومنا هذا، فأصبحت المخازن سريه بأرقام إليكترونيه محمية بجدران عصية حتى على المتفجرات والتهديم... لكن تبقى الفلسفة ذاتها،..... فلسفة الحفاظ على ما لا تريد أن يراه أو يستخدمه أو يستعمله غيرك، أو هو هكذا بعيدا عن العيون التي تسرق كل شيء.
اتسأل مع نفسي وخصوصا بعد مشهد دفن والدتي وكأني أفكر لأول مرة في بعض من مظاهر وأشكال من حياتنا وتعليلاتها، ربما لأنني لم أنشغل بها وجدانيا بقدر ما أشغلني موضوع الدفن في التراب، أهي ذاتها فلسفة الحرص القديمة عند الإنسان والحيوان؟ أم هي مجرد عادة دينية موروثة عن أسلاف قساة لم تتطور مشاعرهم كما هي رقيقة ومفعمة بالود اليوم، لربما لم يكن لديهم حلا سوى التخلص من موتاهم سريعا ونهائيا، وكأنما يقولوا أن الحياة سريعة لا تحتمل أن نحمل معنا ما لا ينفع بعد اليوم، أو ربما يثقل حمل الموتى كاهل حركتنا فنتعثر، الرأي الراجح عندي أن هذا الإنسان العاطفي الذي سكب الدمع على فراق الأحبة لن يقول ذاك ولم ولن يفعل مثل هذا الجحود... وحتى حرق جثثهم عند البعض لم يكن عدوانا على المشاعر بقدر ما كان التعبير المقبول والمنطقي عندهم يتصورونها قمة الوفاء للموتى، بل أجزم وبعيدا عما يقال من رواية دينية غرابية قابلية هابلية أنها من حرصة دفن موتاه في التراب بأنتظار حل أو معجزه تعيده باللقاء أو تعيد له ما دفن في لحظة قدر...
عندما قام المصريون القدماء بتحنيط موتاهم والسومريين القدماء دفنوا مع أحبتهم الزاد والماء وما كان للميت من مال وعز وجاه، وهكذا فعلت شعوب وأمم أخرى ما نظن وتعتقد أنها حقوق الموتى التكريمية إن لم تكن الطبيعية، كان الجميع يعتقد بلحظة قدر تلك ... لحظة القدر الغير محسوبة... لا نفهمها الآن ولا نتعامل بها لأننا نعتقد أننا أكتشفنا الوهم الذي كانوا عليه، أو ربما هم تخلصوا من وهمنا المبكر أو المتأخر بتبرير، أن اللحظات التي تمر خارج وعينا المنطقي العقلي ربما تعيد وأقول "ربما دائما" لأني لا أملك إجابة قطعية لها حقيقة بقدر... معجزة أو خارج سياق منطقنا المتعاجز أن يدرك الغرائب فيصفها بالأساطير، أن الموتى في خزائنهم المحفوظة ومعهم ما يحتاجون هذا هو حقهم الوجودي، ولا حق لنا في رفع شعار الحي أولى من الميت، فالمال لصيق الملكية والحق لصيق صاحبه لا يفترقان حتى يصرح صاحب الحق بتنازله عنه... إذا لماذا نحن نجرد موتانا من كل شيء إلا من خرقة قماش تستر ولا تثمر، ونفرح بأننا سلبنا ما كانوا يحرزون حرصا أو تدبيرا أو ربما حق مطلق وسلطان على ما يمنح السلطان من حق... فصرنا نرث وسمونا ورثة.
طبعا الإنسان في عقله البعيد الكثير من الأماكن التي يخزن بها ما مر ذكريات معارف قراءات أحزان أفراح وجوه من كل شي يمر سيدفنه شاء أم أبى، بأمره أو من طبيعته في حجر بعيده، قسم يلفها الظلام فتنسى حتى يحدث زلزال التذكر أو المناسبة فتعدو تجري راكضة، لتقف أمام عينه ولا كأنها ماتت أو نسيت خلف الجدران، مما قرأت قديما "أن إكرام الميت دفنه" وصرنا نردد هذا كالنشيد بمناسبة أو غير مناسبة، طيب..... لماذا نكرمه بالدفن سريعا؟... سيقولون هذا حقه علينا كي لا تتشوه صورته الجميلة بأعيننا وقد بدأ بالتعفن والتفسخ... طيب ولماذا لم نجد حلا لهذا التفسخ والتعفن، خاصة وأن من يرحل عنا سواء كبيرا أو صغيرا عزيز على القلوب والنفوس وربما لا نريد أن نفرط به.... سيقولون مهما طال البقاء فلابد أن يذهب حيث يجب أن يذهب... طيب... هل من الممكن أن نجد بديلا عن مدافن التربة نحفظه فيها وبذات الوقت يمكننا أن نراه حين نشتاق، وقد البلغ العلم من القدرة فوق حد التصور... لماذا نلجأ دوما في حلولنا لحيوانيتنا القديمة... سيقولون أن الله أراد والدين أوجب والمنطق يقول... ربما لكنني غير مقتنع.
ندفن البذور لتخرج لنا براعم الغد
وندفن الأحبة في غياهب التراب
كأننا ندفن ماضي لم يعد يورق
هل كانوا أمواتنا شجر يابس لا لزوم له
أم زاد وطعام للتراب
ذهاب
بلا أياب
ووداع دون جواب
وسفر غير مأمول له اللقاء
يا حسرتي
بعد ذاك التأنق والجمال
نزين وجه الراحلين بالتراب
ونقرأ الأناشيد
أناشيد الرحيل
ونقول الوداع ثم نكرر الوداع
ونقفل راجعين
كرمنا أحبتنا
وأسعدناهم بمهيل التراب
يا وجعي عليك أمي
لم يخترع أصحاب الكتاب
غير حل التراب
نامي سبدتي ملكة ضمها قبر
وأنا أتنعم فوق الفراش..
غدا سأزورك في نفس المكان
عندما يأمرني ملك الأموات أو أن أتسلم نسخة القرار
وبيدي كتاب
"كل من عليها فان"......

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار