عن حتمية المواجهة بين العلمانية والإسلام

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 1 / 24

تقوم العلمانية على مفهوم أن "أهل مكة أدرى بشعابها"، بمعنى أن ساكنيها من زمن لآخر وعصر لآخر هم- في زمنهم وعصرهم- أدرى بأحوالهم وأحوال مدينتهم أكثر من غيرهم، سواء من سبقوهم أو من سيلحقون بهم في العيش هناك، وبالطبع ممن هم من خارجها وغرباء عنها. وتتوسع العلمانية في هذا المفهوم أكثر إلى الزعم أن "الأحياء أدرى بشؤون الحياة"، أو أن "أهل الدنيا أدرى بشؤون دنياهم"، أو أن "العلمانيون (نسبة إلى ’العالم‘ وليس ’العلم‘) أدرى بشؤون عالمهم". هي زعم بأحقية أهل العالم في أن يكتشفوا عالمهم وينظموا معيشتهم فيه بأنفسهم؛ أو، في قول آخر، أن يصبح أهل الدنيا هم أنفسهم المرجعية الوحيدة في أمور دنياهم. وتحقيقاً لهذه الغاية، لا تحتاج العلمانية إلى تقديم أي مزاعم بخصوص أحقيتها أو معرفتها فيما يخص عالم الآخرة، أو ما بعد الدنيا. ذلك لا يأتي ضمن نطاق اهتمامها أصلاً، كونها معنية في الأول والأخير بالأحياء وعالمهم فقط.

لكنها تضطر حتماً إلى مواجهة الدين حين تجد أن هذا الأخير يفرض من نفسه مرجعية على نفس العالم الذي تريد العلمانية تحريره من أي مرجعية سوى هؤلاء الذين يحيونه أنفسهم. ولما كان الدين يستمد أحقيته المرجعية على عالم البشر من أسطورة ميتافيزيقية فيما وراء العالم ذاته، وجدت العلمانية نفسها مضطرة- لكي تحرر عالم الأحياء من مرجعية غيبية من خارج هذا العالم ذاته- إلى تجاوز نطاق اختصاصها الأصيل ومصارعة الدين عبر تفكيك وتقويض هذه الأسطورة الدينية ذاتها، أو عالم الغيب. في قول آخر، كان لابد من دحض وفضح عورات الأسطورة الدينية أولاً حتى تنهار من تلقاء نفسها المرجعية الغيبية، أو سلطة الآلهة والرسل والحواريين والصحابيين والقديسين وغيرهم من الغائبين والأموات، على تفاصيل حياة الأحياء الحاضرين في هذا العالم.

في أوروبا، كان الملوك والأمراء يحكمون في ممالكهم وإماراتهم على مرجعية من قوتهم ونفوذهم وممتلكاتهم وأنسابهم ورضا الرعية بحكمهم، فضلاً عن مقومات أخرى جميعها تخص هذا العالم فقط. وفي الوقت نفسه، كان البابا في روما يحكم من خلال الكنائس في نفس تلك الممالك والإمارات، ليس بالتوازي مع الملوك والأمراء لكن في تسامي وأسبقية نظرية فوقهم جميعاً. الأسطورة المسيحية تقضي بكون البابا خليفة أو وكيل أو مندوب أو ممثل الرب يسوع المسيح، الذي كان بدوره مبعوث الله إلى الأرض. ومن ثم يصبح البابا ممثلاً ومترجماً للإرادة الإلهية على الأرض، أعلى وأسمى من كل الملوك والأمراء قاطبة. وعلى خلفية هذا النزاع على السلطة بين البابا وكنائسه من جهة والملوك والأمراء من الجهة المقابلة، نشأت الحركة العلمانية الغربية بتحريض ودعم من الملوك والأمراء ضد سلطة البابا. في النهاية انتصرت العلمانية للعالم على الغيب، للملوك والأمراء على البابا والكنائس التي انتُزعت من سيطرة البابا الدينية في روما وأُخضعت بالكامل لسلطة الملوك والأمراء الذين يحكمون في هذا العالم الحاضر.

عند هذه النقطة، أصبحت الممالك والإمارات الأوروبية أشبه بوضع نظيراتها عبر العالم الإسلامي منذ بداياته حتى الآن- الحكام يحتكرون كامل السلطة في شقيها العلماني والغيبي، أو الدنيوي والأخروي معاً. لكن هذا الوضع لم يدم طويلاً، لأن العلمانية كنظرية وممارسة كانت قد رسخت أقدامها بالفعل في الواقع الحياتي المعاش للناس بعدما قوضت المرجعية الدينية الأسطورية. ولما كان الأساس الفلسفي للعلمانية هو "أهل مكة أدرى بشعابها"، كان منطقياً أن تمتد النظرية إلى كون أهل مكة هؤلاء هم أبناء المدينة أنفسهم، في هذا الزمن بالذات وفي حياتهم هذه بالذات، جميعهم وليس قلة منهم فقط، سواء من ذوي المرجعية الدينية أو غير ذلك. ومن ثم أدت العلمانية، التي رعاها الملوك والأمراء في المبتدأ لتعزيز سلطتهم في صراعهم ضد البابا والكنيسة، إلى تقويض سلطة الملوك والأمراء أيضاً داخل ممالكهم وإماراتهم بعد تحررها من التبعية للبابا في روما، لتنتقل السلطة ومن ورائها المرجعية الساندة لها كاملة غير منقوصة إلى "أهل المدينة" أنفسهم، كلهم مجتمعين، وليس إلى أي شخص آخر مهما كانت ادعاءاته أو مرجعياته، دينية أو علمانية أو أخرى.

في الواقع العربي، الإسلام لا يمثل سلطة منازعة لسلطة الحكام حتى يطلق هؤلاء الأخيرون العلمانية ضده لتقويض مرجعيته الأسطورية الغيبية. بل على العكس، الحكام في العالم الإسلامي كانوا دائماً وأبداً بحاجة إلى الإسلام، الأسطورة الغيبية ذاتها، لإضفاء الشرعية على حكمهم عبر كل العصور حتى اليوم. في الوقت نفسه، طالما بقيت الأسطورة الإسلامية هي السائدة على مخيلة المجتمعات الإسلامية تحت حماية الحكام ورعايتهم، لن تتمكن العلمانية أبداً من تحقيق الانتصار والغلبة والانتشار عبر هذا العالم الشرقي مثلما فعلت في الغرب. كذلك، وللمفارقة، لأن الحكام هم في الأصل من أهل هذا العالم وليسوا من أهل الغيب والدين، هم أيضاً لا يستغنون عن العلمانية من أجل بقائهم واستمرارية حكمهم. في قول آخر، الحكم في العالم الإسلامي ذو طبيعة فردية استبدادية منذ بدايته إلى اليوم، ويستند على ويستمد مشروعيته من الأسطورة الدينية الغيبية ومن الواقع الحياتي المعاش معاً في الوقت ذاته. وهو، من أجل المحافظة على بقائه، لا يستغني لا عن الدين ولا عن العلمانية. بل نجده دائماً ما يتدخل عبر ممارسة سلطته تارة في صف الدين، وتارة أخرى في صف العلمانية، ليُبقي الاثنين معاً في قبضته ولخدمة مصالحه.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار