مشروع قانون الموازنة العامة يعمق الأزمة

فهمي الكتوت
2023 / 1 / 24

الأردن - عُدّ مشروع قانون الموازنة العامة في ذروة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأردن . موازنة 2023 كغيرها من الموازنات السابقة؛ موازنة تقليدية حمّلت الفقراء والكادحين والاقتصاد الوطني اعباء اضافية، بزيادة الايرادات الضريبية بنسبة تقدر بحوالي 12%، بعد ما ارتفعت الضريبية خلال الشهور الثمانية الأولى من عام 2022 بنسبة تقدر نحو 10% مقارنة مع نفس الفترة من عام 2021 مشكلة بذلك ما نسبته 77.7% من اجمالي الإيرادات المحلية . في حين يئن الاقتصاد الوطني تحت وطأة الازمة المالية والاقتصادية الخانقة، فقد سجل الناتج المحلي الاجمالي بأسعار السوق الثابتة خلال عام 2021 نموا متواضعا نسبته 2.2% يعتبر أقل من معدل النمو السكاني.
من المعروف أن الموازنة العامة تعكس موقف السلطة من الفئات والشرائح والطبقات الاجتماعية، من خلال الإيرادات ومصادرها والنفقات وأبوابها، وهي من بين أهم القوانين تأثيرا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وعلى حياة المواطنين، فهي كالمرآة تعكس حالة الاقتصاد الوطني، وقدرة الدولة على الاعتماد على الذات، وحماية قرارها السياسي.
لقد ارتبطت الأسباب الحقيقية للازمة البنيوية للاقتصاد الأردني بمصالح الاحتكارات الرأسمالية والمشاريع الامبريالية في المنطقة، فقد سادت أنماط اقتصادية؛ سمتها الاساسية (ريعية خدمية) واعتمدت النفقات العامة للدولة على الإيرادات الضريبية، والقروض والمنح الخارجية، ولم يجر استثمار موارد البلاد المتنوعة وتم اهمال القطاع الزراعي. واسهمت السياسات الرسمية؛ في تعميق التشوهات الهيكلية للاقتصاد الأردني، من خلال هيمنة القطاعات الطفيلية والتوسع في الانفاق الممول بالقروض التي اوصلت الإقتصاد الى الحافة، تم ذلك في ظل غياب الحياة الديمقراطية، وتفشي الفساد السياسي والإداري والمالي.
ارقام الموازنة:
• بلغت قيمة الموازنة العامة 11431 مليون دينارمنها 9840 مليون دينار نفقات جارية، و 1591 مليون دينار نفقات رأسمالية، وبلغت قيمة الايرادات العامة 9569 مليون دينار منها 8766 مليون دينار ايرادات محلية، بزيادة قدرها 835 مليون دينار، وبلغت الايرادات الضريبية 6633 مليون دينار بزيادة قدرها 696 مليون دينار . وبلغت المنح الخارجية 802 مليون دينار، منها 626 مليون دينار من الولايات المتحدة، و 90 مليون دينار من مخرجات مؤتمر مكة والصندوق الخليجي للتنمية و 60 مليون دينار من الاتحاد الأوربي، و 26 مليون دينار اخرى، وسيجري تغطية باقي العجز البالغ 1862 مليون دينار عن طريق الاقتراض.
• بلغت قيمة موازنة الوحدات الحكومية (هيئات مستقلة) 1467 مليون دينار منها 943 مليون دينار نفقات جارية و 524 مليون دينار نفقات رأسمالية . منها ايرادات محلية 671 مليون دينار والمنح الخارجية 105 مليون دينار.
• بلغت قيمة الموازنتين 12897مليون دينار، كما بلغت قيمة اجمالي الايرادات المحلية للموازنتين 9330 مليون دينار، وبذلك يصبح العجز الحقيقي 3603 مليون دينار قبل المنح، 2658 بعد المنح .
• موازنة التمويل: 10.521 ملياردينار، وتمثل هذه الموازنة قيمة المبالغ المنوي اقتراضها في العام 2023 لتغطية القروض المستحقة وإطفاء السندات المستحقة، وتسديد عجز الموازنتين.
• بلغت حصة وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي 1294 مليون دينار وتقدر بنحو4% من الناتج المحلي الاجمالي، وهي أقل من نسبة المؤشرات الدولية التي تقدر بحوالي 6% ، اما مجموع الانفاق الحكومي في القطاعات الصحية (951) مليون دينار 2.8 % من الناتج المحلي مقارنة مع 6% رؤية منظمة الصحة العالمية للنفقات الصحية في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط،. اما النفقات العسكرية التي وصلت نسبتها نحو 8% في الموازنة (2799) مليون دينار، في حين تقدر نسبتها عالميا نحو 4% من الناتج المحلي عالميا، رغم اهمية دعم القوات المسلحة وتوفير الامن والاستقرار الا ان نسبة النفقات في الحهاز العسكري مرتفعة مقارنة مع حجم الانفاق العام.
• وبدلا من ان تفي الجهات الرسمية بوعدها بتوحيد الموازنتين؛ اصدرت موازنتين مستقلتين في وثيقة واحدة، وهو اجراء شكلي لا يفي بالغرض، حيث تتجنب الجهات الرسمية دمج الموازنتين بموازنة واحدة، خشية من الكشف عن اجمالي الإنفاق العام، ونسبته في الناتج المحلي الاجمالي، وعن نسبة العجز الحقيقي للموازنة العامة، اضافة الى محاولة اخفاء القيمة الحقيقية لموازنة التمويل.
ان تفاقم العجز المزمن في الموازنة العامة اسهم في ارتفاع نسبة الدين العام المعلن إلى نحو 116% من الناتج المحلي الإجمالي (37336) مليون دينارعلما أن القيمة الحقيقية للدين أعلى بكثيرمما ذكر، حيث لم تفصح وزارة المالية عن قيمة الدين الحقيقي، ولدى التدقيق في البند المتكرر في الموازنة منذ عام 2016 ، بما يسمى التزامات سابقة والتي بلغت قيمتها الاجمالية 1046 مليون دينار. مع الاشارة الى أن القيمة الحقيقية للالتزامات السابقة غير معروفة لدى الجهات الرقابية، والى اي سنوات سوف تمتد، ومن الناحية المهنية لا يجوز تضمين النفقات المقدرة التزامات سابقة، وقد اعتبرها ديوان المحاسبة مخالفة دستورية. اضافة الى ما ورد في المركز المالي صرف 4360 مليون دينار قيمة تغطية العجز بعد التمويل في موازنات الأعوام السابقة، بمعنى أن هناك انفاق خارج الموازنة بدون اصدار ملاحق واخضاعها للرقابة.
لعل الاطلاع على تعليق ديوان المحاسبة كافِ حول الموضوع " ان أحكام الدستور تلزم الحكومة بعدم صرف نفقات تزيد عن المقررة في قانون الموازنة العامة إلا بموجب قانون يصدر لهذه الغاية قبل الانفاق وحيث ان تسديد الالتزامات السابقة يعني أنه تم الانفاق خارج قانون الموازنة العامة ولم يظهر ضمن العجز المقدر والفعلي خلال الأعوام التي سبقت عام 2016 فإن ذلك يعني أن هذا الإنفاق كان مخالف لاحكام الدستور. كما انتقد تقرير ديوان المحاسبة ما ورد في المركز المالي 4360 مليون دينار قيمة المبالغ التي صرفت لتغطية العجز بعد التمويل في موازنات الأعوام السابقة ".
إن إصرار الجهات المعنية على عدم الإفصاح عن قيمة الدين الحقيقي يثير الشبهات. كما لجأت الجهات الرسمية الى عدم احتساب قيمة سندات وقروض صندوق استثمار الضمان الاجتماعي والبالغ قيمتها 7312 مليون دينار، بداعي ان الدولة لا تقترض من نفسها وهي مقولة مغلوطة فأموال الضمان الاجتماعي ملك للعمال. وهي سياسات تثير القلق لدى المواطنين على مستقبل مدخراتهم.
بات الدين العام يشكل تحديا حقيقيا للاقتصاد الوطني، كما بلغت خدمات الدين في الموازنتين (الفوائد) 1760 مليون دينار تتغول على حصة الخدمات العامة والنفقات الرأسمالية، وتستنزف جيوب المواطنين، وهي تعادل قيمة النفقات الرأسمالية، وهي ثمرة السياسات المالية والاقتصادية للنهج السائد في البلاد بسبب غياب برنامج وطني تنموي حقيقي شامل، والخضوع لإملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين.
• لم يراع مشروع قانون الموازنة لعام 2023 خطة (التحديث الاقتصادي) المزعومة، لا بزيادة النفقات الرأسمالية بما يسمح تغطية مساهمة الخزينة في التحديث الاقتصادي، ولا بتوفير مناخ اقتصادي لجذب الإستثمارات المحلية والخارجية… فالاقتصاد الأردني لم يعد منافسا لا محليا ولا خارجيا، بسبب ارتفاع العبء الضريبي وخاصة الضرائب غير المباشرة، وفي مقدمتها المشتقات النفطية التي أسهمت في إنكماش الاقتصاد، اضافة الى ارتفاج اجور النقل ونسبة الفائدة، الأمر الذي أدى الى ارتفاع معدلات البطالة بشكل غير مسبوق خلال العقود الثلاثة الاخيرة ، عدا عن هجرة الكفاءات المحلية، وهروب المستثمرين للخارج. خاصة أن الرؤية الاقتصادية التي اقرتها الحكومة تستهدف تحقيق ما يلي:
1- توفير فرص عمل جديدة لأكثر من مليون شاب وشابة يلتحقون بسوق العمل بحلول عام 2033، بمعدل 100 الف فرصة سنويا .
2- زيادة الدخل الحقيقي للفرد بنسبة 3% سنويا في المتوسط (نصيب الفرد من الدخل) وبما ان معدل النمو السكاني في الاردن 2.4 %، معنى ذلك ان النمو الاقتصادي المستهدف يفترض أن لا يقل عن 6% لتحقيق الخطة.
وتتضمن الرؤية الاقتصادية جلب استثمارات وتمويل بقيمة 41 مليار دينار، ويأتي معظم هذا التمويل (72%) من خلال الاستثمار المحلي والأجنبي المباشروالشراكات بين القطاعين العام والخاص. وبما ان حصة القطاع العام 28% من اجمالي تمويل الخطة يتطلب توفير اكثر من مليار دينار سنويا.
من غير المتوقع ان تحقق الرؤية الاقتصادية اهدافها ضمن السياسات السائدة في البلاد، وفي ظل تهميش الرأي الاخر والقوى والاحزاب السياسية التي تملك برامج وطنية لمواجهة التحديات، ومصادرة الحريات العامة .وتضخم عدد الوزارات وتعدد الرواتب للفئات النافذة، وصرف رواتب تقاعدية حتى لمجرد تسمية الشخص وزيراً ليوم واحد. لقد فاقمت السـياسات المالية والاقتصادية العجز المزمن في الموازنة العامة للدولة، وميزان المدفوعات، كما فاقمت المديونية. وتركت الاستثمارات الاجنبية، بصماتها على تشوهات الاقتصاد الأردني، التي تركزت في القطاعات الخدمية (البنوك والعقارات والمضاربات في البورصة وغيرها)، اضافة الى استيلائها على قسم كبير من حصص الدولة في القطاعات الحيوية من خلال التخاصية، وبات رأس المال الاجنبيي يهيمن على ما نسبته 52% من الشركات الكبرى في البلاد.



حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار