هنا العراق

رائف أمير اسماعيل
2023 / 1 / 23

هنا لمستْ أولُ شمسٍ أرضا ، فاخضّرَ بنورِها أولُ مَكان
وهنا بَذَخَتْ أولُ غيمةٍ مطرا، فتزهّرَ من مائها قمحٌ ورَيحان
هنا أنزَلَتْ أولى الجبالِ روافدَها، فتعانقَ وتمازجَ حباً فراتان
وهنا حبا أولُ طفلٍ أسمرْ، إسمرَّ من خصبِ أرضٍ جنان
هنا سارَ أولُ إنسانٍ حاملاً رايتَه، مُعلنا بدايةَ الزمان
وهنا كَتَبَ أولُ حكيمٍ بسمتَهُ، ورَسَمَ فرسهُ أولُ فنان
هنا عاشَ أولُ من رَصَدَ الأفلاكَ ، وأولُ من عَبَدَ
الشمسَ والقمرَ ، هنا تكهّنَ أولُ الرهبان
وهنا سَرَحَ في سماءِ خيالِ الناسِ انليل البطلُ وعشتار وتموز وإينانا ، ومَرَحَ على البقاعِ الشاسعةِ الموَّرَدَةِ كلكامش وسرجون وحمورابي منتشينَ بأحلامِ الخلودِ والتحليقِ والطيران
هنا إبراهيم تَرعرعَ ونَما، وبفأسِه كَسَّرَ أصنامَ الدُجى ، لم تئد نورَ إيمانِه أغلالٌ ولا نيران
وهنا عَلتْ أولُ نَخلةِ وسَقَطَتْ أولُ تَمرةٍ وذاقَ الحلاوةَ أولُ إنسان
هنا تَذَهّبتْ أولُ سُنبلةٍ لأولِ زرعٍ شَقَّتْ تُربتَهُ يَدان
وهنا الحلاجُ، تَصَوَّفتْ رُوحُهُ فَخَرجَتْ عن دِينِ المارقينَ، أحبَ الله الجميلَ وهذى بِهِ أعظمَ هذيان
هنا رَسَمَتْ أحلى الأيامِ والمحنِ عِراقا، صارَعِرقُ الحياة ونكهتَها ، فمن عَرَقِ جبينَه وملحَه ذاقَتْ وارتَوتْ كلُ الأوطان
وهنا للعراق بناتٌ عفيفاتٌ، جميلاتٌ، أجملُ من كلِ النسوان
فهنا كربلاءُ الهدى ، فيها الحسينُ يحيا، فيُرزُقُ ثورتَه نسَّلا متواصِلا، بعدما وَهَبَ نفسَه وجسدَه لدينِ اللهِ قربان
وهنا نجفُ علي العُلا، به الفقيرِ والمظلومِ ارتجا، تحتَ أرضِها يَهنأ الميتُ في قبره، لايخيفُه جنٌ ولا أكفان
هنا الناصريةُ الغرقى في أهوارِ الخيرً و الشعرِ والسَنا ، مازالت قيثارتُها تعزِفُ لَحنا عَذْبا ، مُذْ نَجى نوحُ بها في أولِ طوفان
وهنا دَيالى السَكرى، بشرابِ أعنابٍ شتى، وعصيرَ برتقالِ أشهى، فلقد روى نهرُها العظيمُ أولَ بستان
هنا المَوصُلُ الأبهى، أرضُ آشورِ ونينوى، الخيرُ نَفسُه يأكلُ منها، من مكتبةِ آشور بانيبال استلهمَ الخيرُ الخيرَ والعنفوان
وهنا واسطُ الوَسطى بينَ الزهوِ والحسنى ، فيها المتنبيُ توسَطَ، بين تَبختُرِ وحُلم نبوةِ وسعى ، فأجادَ في قصائدهِ الحسان
هنا دهوكَ العليا، الصيفُ يخجلُ منها، فلايجرؤ المساسُ بفتاةٍ تلبسُ الأشجارَ والوردَ زِيّا، كأن من حدائقِها تنبعُ كل الالوان
وهنا السليمانيةُ الأنقى ، كل شتاءٍ الى جبالِها الثلجُ يأوي .. ينامُ مُستريحا فيحلُمُ بحُلمِ نوروزِ.. ثم تشرقُ شمسُ الصيفِ فينسَّل من نومِه ليغسلَ وجهَهُ في دربندخان
هنا كركوك الأزكى، الذهبُ الأسودُ فيها تَجلى، يشتعِلُ ويتوهجُ ليلا فتبيضُ وجوهُ الكُردِ والعُربِ والتركمان
وهنا أربيلَ الأحلى ابنة حصاروست الأعلى، من كهف شانيدر التقطتْ قلادَة التاريخِ وتجمَّلتْ كاعبةُ كوردستان
هنا بابل الأولى، عاصمةُ التاريخِ الأزهى، بوابةُ عشتارِ الأنثى ، فيها الجِنانِ تعلَّقتْ بحبلِ سماويُ الحنان
وهنا الأنبار البيدا، يدُ الكرمِ الطولى، تَراهُ يَبسِطُ يدهُ الى كلِ أُفُقٍ و مدى ، يَرفعُ الخيامَ ضيافةً في الصحاري والوديان
هنا صلاح الدينَ الجسرى، سيفُ العراقِ وشموخِه الأسمى، ما رفَّ بقلبِ العراقِ خوفُ الاّ و هبَّ وشمَّرَ عن سواعدِهم رجالُها الشجعان
وهنا المثنى بنت المثنى، سليلةَ الشجاعةِ القصوى، ابنةُ العشرينِ ماشاخت ثورةً، ولاطيبِ أهلِها علتْهُ أفنان
هنا الديوانية المقهى، فيها القهوةُ والحكمةُ تروى، تروي قلوبا ما مثل أوردتِها تشبعتْ بالحبِ ولاشريان
وهنا ميسانُ الزُها ، القصبُ في أهوارِها أزدهى، وبين برديهاالسمكُ تراقصَ وجَرى، فصارت أحلى من ربيع نيسان
هنا البصرةُ الفيحا ، أحبَّها الدهرُ وهوى، فأمِنَ على خزائنِه تحتَها، النخلُ فيها علا واستوى، باسطا تمره الى كلِ الدُنا.. كلما أبحرَ سندبادٌ وطافَ، حَجَّ الى سيدةِ الخُلجان
وهنا بغدادُ الكبرى، بها المعرفةُ حُبلى ، المجدُ بها اعتلى ، فغارَ منها البعيدُ والجيران
هنا يلوحُ الشرُ في كلِ غفلةِ وظلمةِ، لكنه يولي هاربا في كلِ إشراقَةِ حكمةٍ ونبضِ وجدان .. فهذه الأرضُ ما هزها يوما بركانٌ، فكيفَ يهزُها من الأعالي نعيقُ غربان.
وهنا، كأنني في ابتهالاتي وهذيانُ قلبي سمعتُ الله يقول: والضحى، والليلِ اذا سجى، ماودعكَ ربُك ياعراقُ وما قلى ، وللآخرة خيرٌ لك من الأولى ... فطارتْ روحي منتشيةً تجوبُ كلَ الأكوان
26/3/ 2019

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت