البطريرك يتحدث إلى دُمى

عادل صوما
2023 / 1 / 23

وصل الفشل الممنهج المتعمد للرئيس الدمية السابق ميشال عون في إدارة شؤون لبنان إلى جعله بلداً فاشلاً، قضاؤه لا يستطيع محاسبة مجرمين معروفين لأي ضرير تسببوا في أكبر انفجار غير ذري في مرفأ بيروت، وحكومة مستقيلة تدير البلاد بعد نهاية فصول مسرحية رئاسته، مهمتها تصريف الأعمال، وعملها محصور بالمحافظة على الحد الأدنى من شؤون المواطنين.
لكنها بعيداً عن هذا الكلام الانشائي على الورق، لا تملك في الواقع من أمرها أي شيء سوى تمرير صفقات الوزراء، ولا تستطيع إدارة بلد أو تصريف أمور مواطنين، ولا حتى تستطيع الاستفادة من مياه الامطار التي تذهب هدراً في لبنان، ولا تصريف مياه المجاري التي تطفح في بعض الاماكن، ولا اعطاء الكهرباء 24/24 في بلد سيطرت العتمة عليه، وأصبحت طرقاته شبه خالية من المارة والسيارات، لسبب واضح هو وجود حكومة أخرى تدير لبنان هي "حزب الله"، وجيش آخر في لبنان هو ميليشته، ورئيس آخر في لبنان هو حسن نصر الله.
الجمهورية الإسلامية
حكومة حزب الله وشيخها يريدون بدون مواربة جعل لبنان جزءاً من الجمهورية الاسلامية التي يتولى أمرها الولي الفقيه صاحب الزمان (تأمل اللقب الذي يدعو للشرك بالله صراحة. الله يُعتبر في الاسلام مالك الكون وصاحب زمانه).
الطريق إلى هذا الهدف تفشيل البلد وشلّه وإلغاء مكوناته ومقوماته وهويته وهدم معنويات مواطنيه، وجعلهم في حالة يأس منه، والبحث عن بديل في الهجرة، أو الخنوع لأمر صاحب الزمان وصلافته وبلطجته.
ولأن فشل السياسيين وصفقاتهم الخاصة وتبعيتهم لمن يرشيهم وصل إلى حد حدود إلغاء لبنان من منظمة الأمم المتحدة. ولأن الموارنة تخلوا بسبب "اتفاق الطائف" عن ميليشتهم بدون أي ضمانات إقليمية خصوصاً إيرانية، بحماقة تاريخية يحسدون عليها، لإخراح قائد الجيش المتمرد آنذاك ميشال عون من القصر الرئاسي. ولأن حلفاء الوطن ومؤسسيه الآخرين وصلوا إلى مرحلة الحضيض؛ السُنّة بعد اغتيال رفيق الحريري، والضربات الموجعة التي تلقاها ابنه سعد الحريري، وتراجع الدور الخليجي والسعودي خصوصاً في لبنان، ناهيك عن ترهل الدمية الدرزية صاحب الألف قناع وليد جنبلاط الذي لا يعرف أي قناع يضعه اليوم وأيهم وضعه أمس، تكلم البطريرك الماروني عن مصير لبنان بجرأته وصراحته المعروفة.
عن قصد أو بدون
حمّل البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي نواب المجلس النيابي اللبناني والوزراء، مسؤولية ‏‏"وصمة العار التي تلحق بلبنان"، وقال في عظته يوم أمس الأحد، موجها حديثه إلى نواب الأمة والوزراء (أو دُمى لبنان): "أنتم مسؤولون عن وصمة العار التي تلحق بلبنان من خلال فقدانه التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، المكونة من 193 عضواً، بسبب عدم سداد مستحقات الدولة اللبنانية البالغة ما لا يقل عن مليوني دولار".
(هامش صغير) أي مراهق لبناني يعرف تماماً أن أي نائب يستطيع تسديد هذا المبلغ من سرقاته وعمولاته الخاصة، بدلا من خطبه العصماء الجوفاء التي يرددها كالببغاء ليخدّر بها ناخبيه. لكن الأمر متعمداً عن سابق تصور وتصميم، لعدم وجود نوايا طيبة في لبنان.
ماء الوجه
أضاف البطريرك "وقف سداد المستحقات إذا كان غير مقصود فالخطئية عظيمة، وإذا كان مقصوداً فالخطيئة أعظم، ألا تخجلون من نفوسكم، يا شاغلي مجلس النواب ومجلس الوزراء أمام منظمة الأمم المتحدة وإنجازاتها لصالح لبنان؟".
كما اعتبر البطريرك أن "مهزلة جلسات انتخاب الرئيس مستمرة بالتزامن مع انهيار صارخ لسعر العملات، بحيث تجاوز سعر الدولار خمسين ألف ليرة لبنانية، وناهز البنزين المليون، فكيف سيعيش الشعب؟".
الخجل الذي يتحدث عنه البطريرك غير موجود أساساً، بل عدم وجوده شرط أساسي لعضوية مجلس النواب اللبناني في العقود الأخيرة، كما يبدو من تصرفات النواب.
بيت القصيد
أشار البطريرك الراعي إلى أنه "لا تزال القوى السياسية تتقاذف الاستحقاق الرئاسي، وتمتنع عن انتخاب رئيس جديد، يصمد أمام الصعاب ويرفض الإملاءات ويحافظ على الخصوصية اللبنانية. ليس خوفنا أن تتغير هوية رئيس الجمهورية المارونية وطائفته، بل أن تتغير سياسته ومبادئه ويلتحق بسياسات ومحاور ودول تجاهد ليل نهار للسيطرة على البلاد، وتحويله إقليماً من أقاليمها".
(هامش صغير) أصدرت إيران منذ حوالي عشرين سنة طابعاً يعتبر لبنان محافظة فيها، وتغيير هوية رئيس لبنان الماروني، هو آخر ما تبقى من تنوع بين الادبيات الإبراهيمة الإلهية في الجمهوريات الإسلامية العلنية أو العميقة الموجودة في الشرق الأوسط، وحزب الله يعمل حثيثاً على استبداله بولاية صاحب الزمان، وجعل المواطنين أصحاب هوية واحدة وزي موّحَد، ليس بالبلطة هذه المرة كما حجّبوا نساء الشيعة، بل بأسلحة الميلشيا المفترض أن تقاوم إسرائيل، وتطفيش المسيحيين وشراء أراضيهم.
أردف البطريرك: "لكن هذا الأمر مستحيلا، لأن قرار التصدي لتغيير هوية الرئيس وكيان لبنان مأخوذ سلفا مهما كانت التضحيات، ولا يظن أحد أنه قادر على تغيير هذا التراث التاريخي وهذه الخصوصية الوطنية، ويخطئ من يظن أنه يستطيع خطف رئاسة الجمهورية اللبنانية وأخذها رهينة ويطلب فدية لإطلاقها، لسنا شعب الفديات بل نحن شعب الفداء".
كلاكيت متواصل
يطلق مساعد مخرج أي فيلم كلمة كلاكيت قبل تصوير أي مشهد، لتنبيه من يعمل المونتاج وتركيب الفيلم لوضعه في سياقه، ويوم الخميس الماضي أطلق نبيه بري مساعد وكيل صاحب الزمان في لبنان كلمة كلاكيت 11 مرة، قبل مشهد فشل البرلمان اللبناني في انتخاب رئيس جديد للبلاد بعد 10 جلسات سابقة، انتهت إلى النتيجة نفسها بدون أدنى احساس بالوطنية، وستنتهي إلى النتيجة نفسها بكل وقاحة، حتى يؤتى برئيس ماروني على شاكلة جبران باسيل (آسف جبران عميل) ينفذ ما يريده صاحب الزمان لتغيير هوية لبنان تدريجياً، ويدمّر صيغة تعايش مواطنيه، فلا لزوم لها في ظل الحكم لله.
تدويل مطلوب
على الموارنة المبادرة بوضع لبنان في قضية دولية لحل مشكلته في الأمم المتحدة ومجلس أمنها، وإذا استلزم روتين المؤسسة الدولية صفة للمتحدث وقضيته، "شعب مسحوق ينقرض" تكون صفة مَن يتحدث وقضيته، فالبلد ليس أقل من أي محمية طبيعية. ويجب على الموارنة ضرب عرض الحائط بأي شريك آخر في الوطن لا يجرؤ على مشاركتهم، أو من هواة لبس قناع المنتصر والتهليل بما يهلل أو التكبير بما يكبّر، قبل أن يضيع لبنان كفرق عملة لا قيمة لها في سوق المصالح وزلازل إحلال شعوب مكان شعوب، بين صمت الليبراليين وأصحاب ديموقراطيات تحمي مَن لا يؤمن بها ويريد تقويضها ويستفيد من خيراتها.
لا بأس من نعت أي ماروني بالخيانة أو العمالة إذا فعل ذلك، فتاريخ هذا المنطقة بالكامل ليس مبنياً على وقائع، بل جبال سرديات متخمة بلغة إيقاعية تخدّر السمع والقلب وتعطل العقل لفرض ما يروق لها، حتى لو تعارض مع العلم والجغرافيا ووقائع التاريخ.
مُفاوض قومي
لماذا يذهب نواب الموارنة إلى مسرحيات مجلس النواب؟ هل هم متواطئون في اللعبة؟! هل لبنان يستحق المصير الذي ينتظره؟
واقعياً، لبنان ليس بحاجة إلى رئيس دمية بقدر ما هو بحاجة إلى مُفاوض ماروني قومي قوي، فشغور منصب الدمية المارونية سنة أو سنتين أو أكثر، ليس أمرا عظيما يماثل حل جذري للبنان.
هل هناك ماروني مؤهل لهذا الدور؟ ليعلن ذلك ويتجاوز لابسي العمائم أو الطراطير، وعنده جيش من متحدثي اللغات، يستطيعون نشر قضيتهم على وسائل التواصل للعالم أجمع بعدة لغات، بعدما حلّ المواطن اللبناني محل الجمل على قائمة الكائنات الصبورة، وحل القط ثانياً، وحل الحمار ثالثاً، وأبو بريص رابعاً، وخرج الجمل من قمة الصابرين الأربعة الأوائل بعد ظهور محمد بن سلمان.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت