حين يزيح العراقيون الغبار عن عراقيتهم

عبدالله عطية شناوة
2023 / 1 / 17

غريب هذا الشعب الذي يستوطن البقعة التي شهدت ولادتي. تنظر إليه أحيانا فيخالجك الشك في انه شعب، وتظن أنه مجرد كتل بشرية متنافرة لا يجمعها جامع، أثنيات لا تطيق بعضها، لا بل عشائر من ذات الإثنية لا تتفق إلا لتعود الى التصارع، ديانات يكفر بعضها بعضا، طوائف يوغل متطرفوها في دماء بعضها البعض، مليشيات تحمل مجازا أو زيفا أسماء أحزاب، تتحالف حينا لتعود الى التناحر احيانا آخرى.

وتنظر الى ذات الشعب في مناسبات أخرى، فتعجب من تآلفه، واختفاء التناقضات بين أفراده، حتى لكأنك ترى شعبا آخر!

في عام 2007، لم يكن قد مر أكثر من أشهر أو أسابيع معدودة، على خفوت الأستهدافات الطائفية التي صبغت شوارع مناطق وسط وجنوب العراق بالدماء، خرجت أحدى أوسع الصحف السويدية أنتشارا، بمانشيت لموضوع معزز بالصور، من قلب العاصمة السويدية ستوكهولم، ترجمته نصا: ساحة سيرغل تغلي Sergels torg kokar. وساحة سيرعل Sergels torg هي أكبر ساحة للاحتفالات في قلب العاصمة السويدية، ولكن تغلي بمن؟ ... المفاجأة أنها لم تكن تغل بالسويديين، بل كانت تغلي بالعراقيين المقيمين في ستوكهولم الذين خرجوا للأحتفال بفوز منتخب بلادهم ببطولة آسيا لكرة القدم.

ساحة سيرغل غصت بعراقيين لا يعرف بعضهم بعضا، الكردي والعربي والتركماني، الأشوري والكلداني، المسيحي والمسلم، السني والشيعي، المندائي والأيزيدي والكاكائي، ومن لا يعتنقون أي دين، كلهم جميعا توجهوا الى ((سيرغلس توري)) لأن منتخب العراق فاز بكأس آسيا. هتفوا معا لمجد العراق، وغنوا معا في حب العراق.

واليوم أيضا تنقل لنا وسائل الإعلام من البصرة حيث مهرجان كأس الخليح العربي 25، صورا مذهلة عن عراقية العراقيين، عراقية ضرغام وشيركو، أمجد وآسو، جلال وآلاي، وتلاحمهم على المستطيل الأخضر، وعراقية جمهورهم البصري والبغدادي والأربيلي والموصلي والكركوكلي. وتنقل لنا أيصا صورا باهرة عن احتضان البصريين لأهلهم العراقيين، ولأشقائهم، الخليجيين، عن الكرم العراقي، الذي نضم الأشقاء الخليجيون قصائد عنه وفيه.

وهذا، كما أرى، يشير الى حقيقة تعتم عليها تعقيدات المرحلة الأنتقالية، التي يعيشها المجتمع العراقي، ارتباطا بتفاعلاته الداخلية، وأنعكاسات التفاعلات الأقليمية والدولية عليه. ويمكن تلخصيها بكلمات معدودة: نعم في العراق فساد وفاسدون، فيه جريمة ومجرمون، وفيه أيضا من باعوا أنفسهم لغير العراق، وفيه كذلك من ضلوا طريقهم الى عراقيتهم. ولكن فيه أيضا عراقيون أوفياء لعراقيتهم، يختزنون مشاعر محبة لا حدود لها لبعضهم البعض، ولأشقائهم في محيطهم العربي. ولكل الطيبين في العالم.

وهذا كاف للأطمنان ألى أن في العراق شعبا واحدا، بقطع فسيفسائية جميلة، لم تنتف أمكانية جلي الغبار عن الجانب الوضاء، الطيب، والنبيل فيه.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت