الشخصيات المبدعة - محميات طبيعية -

منى نوال حلمى
2023 / 1 / 16

اعتبار الشخصيات المبدعة " محميات طبيعية " ضد الحصار والهجوم والتشويه
------------------------------------------



وجه الحياة مشوه ، قبيح ، ممتلئ بالبقع والبثور والحفر . ليس وجها جميلا على الاطلاق ، ولا يحفز على الحركة ومواصلة المقاومة وتحمل طبيعتها القاسية ، غير المبالية بنا . تفاجئنا الحياة ، بالأمراض والموت وفقد منْ ظللنا نحبهم ونرعاهم فى قلوبنا . تجبرنا على الجنون ، حينما ندرك كم هى تافهة أحلامنا ، ورغباتنا . كم هى ساذجة مضحكة أيامنا . وكم هو مؤلم الغثيان الذى نستيقظ معه كل صباح ، وعلى وسادته المتنمرة ننام كل مساء ، يخبرنا بحقيقة العبث وعدم الجدوى . يا لها من بطولة ، أن تصفعنا الحقيقة مع شروق الشمس وغروبها ، نتقبلها ونختار ألا نفارق . ويا لنا من أشقياء ، نحاول فلسفة ما هو عصى على التفلسف ، لا نمل من اعطاء معنى على ما هو خُلق ، ليبقى بلا معنى .
وتدرك الحياة تكوينها المأساوى ، وجبروتها الذى لا تهذبه مرور الأزمنة . وتعلم أنها مهما حاولت ، لا تستطيع تغيير نوع ولون القماش الذى صًنعت منه .
تنظر الحياة الى وجهها فى مرأة الوجود ، ولا يعجبها ما تراه محدقا لها فى تحدى ، واستهزاء . تتيقن أننا نستحق أرفع الأوسمة والجوائز . فمع هذا الوجه ، منْ يريد رؤيته كل يوم ، " فدائى " . ومنْ تود توريث جيناتها ، " فدائية " .
ورغم ذلك ، فان الحياة لا تشعر أنها مدينة بالاعتذار ، أو الشرح والتفسير .
واخترعت الحياة حلا مؤقتا ، يجمل من وجهها المخادع ، ويحسن من سُمعتها لدينا نحن البشر . نخاف أن نعترف أننا لا نحبها ، ونرفض قوانينها ، حتى لا نُتهم بازدراء الحياة ، أو بالتمرد على مشيئة الآلهة ، أو بالضعف بعد ملايين السنين من التطور .
وكان الحل أن ترسل الحياة ، من فترة الى أخرى ، أنواعا من البشر تلطف من جوها الخانق ، تضفى على العالم شيئا من التعقل والنظام والمعنى ، تسعدنا بينما يحاصرنا الشقاء ، وتبعث فينا الرجاء رغم سحابات اليأس ، وتعطينا مصلا تحت الجلد يوهمنا .. أن لا فناء .
شخصيات من النساء والرجال ، تعدل الأشياء المقلوبة ، وتضبط الايقاع الواقع ، وتمحو آثار النغم " النشاز " . مثل كل البشر ، وليست مثل البشر .
هؤلاء هن النساء المبدعات ، وهم الرجال المبدعون ، على الأرض يمشين ويمشون . لكن الطموح ليس
الاكتفاء بما هو على الأرض .
هذا هو العطاء الوحيد للحياة البخيلة . وهذه هى منحتها ، وهى التى تأخذ ولا تمنح .
بفضل هؤلاء المبدعات والمبدعين ، فى كل مجال ، على مدى العصور والأزمنة ، يقل عدد البقع والبثور والحفر ، المغروزة فى وجه الحياة .
ولا شئ يدعو مجتمعات كوكب الأرض للتباهى والشعور بالفخر والتميز ، لا شئ يرتقى بأحوالها ، وينظف أخلاقها ، وينهض بعقولها ، الا احتفائها بتلك الشخصيات المبدعة ، لتعتلى حصريا أعلى تمجيد .
وأصحاب الابداع عملات نادرة ، لابد لأى مجتمع لديه رغبة جادة فى التغير الى الأفضل ، أن يعتبرهم " محميات طبيعية "، لا يتم المساس بها تحت أى مُسمى ، وتوفير كافة الخدمات والضمانات ، لكى تواصل مهمتها التاريخية .
تتعدد الشخصيات المبدعة . لكن الجوهر واحد ، وهو القدرة على رؤية المعتاد بعين غير اعتيادية ، والاحتفاظ بالتفرد الذاتى ، والقلب الطفولى المحمل بالدهشة والبساطة والعفوية ، عدم المساومة على الحرية الفكرية والشخصية ، التخيل بلا حدود وقيود ، عدم توقف التساؤل ، احداث الصدمات للسائد ، ازدراء المحظورات الموروثة ، عدم القناعة والرضا بواقع الأشياء .
هذا الجوهر المشترك للعملية الابداعية ، هو ما يجعل الابداع هو كبرى الفضائل الممكنة ، وقمة النبل الأخلاقى .
عرفنا من فلاسفة الأخلاق القدماء أن الفضيلة وسط بين رذيلتين . فالشجاعة وسط بين الجبن والتهور . والكرم وسط بين البخل والتبذير . والنظام وسط بين الفوضى والجمود.
ولأن الإبداع فضيلة ، فهو يخضع للنظرية نفسها . فالإبداع وسط بين رذيلتين (الجنون) ، و(العادية) . ويكون المبدع بالتالى ، هو الوتر المشدود بين الإنسان فاقد العقل (المجنون) ، والإنسان فاقد التفرد (العادى) .
وإذا نظرنا إلى (الجنون) باعتباره حالة الانفصال الكامل المستمر عـن الواقع والناس والعالم الخارجي ، وإلى (العادية) باعتبارها حالة الاتصـال الكامل ، يكون الإبداع هو تلك الحركة الخلاَقة (الفاصلة) بين قطبي أو رذيلتي الانفصال والاتصـال . ويكون المبـدع هو ذلك المسافر أبدا ، على المسافة المتأرجحة والوعرة ، بين الخارج والداخل بين الآخر والذات ، بين الكلام والصمت ، بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون .
هنا تكمن عبقرية المبدع أو (المبدعة) وأيضـا مأساته. يدرك المبدع أن استمرار عبقريته وإبداعه ، مرهون بالإبقاء على الخيط الرفيع بين الاتصال والانفصال. فالإبداع يُشحن ويجـدد بالاتصال. لكنه لا يمنح طاقاتـه وأسراره ورؤاه ، إلا بالانفصال .
ويحكى لنا التاريخ، عن مواهب وطاقات مبدعة ، تبددت بسبب ارتباك في جرعتى الاتصال والانفصال ، فإذا زادت جرعة الاتصال بالعالم الخارجي، كان ضياع الوقت، وحصار التفاهات ، والمشاغل غير الموحية . أو زادت جرعة الانفصـال عـن العـالم الخارجي، فكانت العزلة ، والإفلاس، والجدب، وربما الكآبة ثم الجنون أو الانتحار.
يتعطش المبدع إلى نوع خاص رفيع من التواصل . ليس أي بشر، ليس أي حوار، ليس أي عمل فنى، قادر على مخاطبة ثرائه وعمقه وتمرده .
قد يفضل المبـدعات والمبدعين العزلة والانفصال ، عن تواصـل زائف سطحی ، يسحب من طاقاتهم وينال من إنسانيتهم وإبداعهم .
وفى مجتمعاتنا ، هناك " خوف من الابداع " ، يجعله محاصرا بالعديد من الممنوعات والمحظورات والخطوط الحمراء .
لا بد أن يتغير الخوف من الابداع ، الى فهم عميق لضرورته الحضارية والأخلاقية والثقافية والنفسية ، ونتركه كما يشاء ، يجرى اللازم من العمليات التجميلية لوجه الحياة ، ليصبح أكثر احتمالا . وعندما ننظر اليه ، تزداد مناعتنا وتشبثنا بالعيش .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت