قطار آخن 52 الفصل الأخير

علي دريوسي
2023 / 1 / 16

حصل إبراهيم على منحة مغرية للدراسات العليا من شركة "غارغويل"، غيّر إقامته من ألمانيا إلى إنكلترة، استقر به المطاف في مدينة "باث" الإنكليزية، هناك انشغل ببحوث الدكتوراه تحت إشراف أستاذه "ستيفن"، أحد الأصدقاء المقربين جداً من الدائرة الضيقة التي يحرك خيوطها غير المرئية الأمير حسن أدليرهورست بمساعدة زوجته ويده اليمنى الدكتورة هناء شابر.

كان موضوع إطروحته يدور حول "مقاومة التعب والعمر التشغيلي لأعمدة ومحاور آلات تحريك القطارات".

فوق طاولة مكتبه علّق إبراهيم لوحة مكتوبة بخط اليد وباللغة الإنكليزية "مَنْ لم ينجز عملاً مفيداً أو لم يجنِ بعض المعرفة في يومه، لم يعشه حقيقة، بل أنفقه هباءً". كانت هذه هي هدية الأمير الشخصية بعد استلام إبراهيم لعمله البحثيّ.

أخذ يعمل صباحاً ومساءً وبقي على يقين بأن بحوثه العلمية لن تتوقف عند ملاقاة الإبرة الضائعة في كومة القش، بل عليه أن يتابع بحثه بجدٍ عساه يعثر على إبرة ثانية أكثر أهمية من الأولى.

**

وهكذا فقد اقتصرت حياته على المخبر والمكتب وسرير النوم ومراسلة صديقته مانويلا. الغربة المرتبطة بالعزلة تجعل صدر الإنسان صبوراً نقياً دافئاً ومؤمناً بالله.

ماتت صديقته الإيرانية "أمينة" ـ الصداقة التي لم تكن قد تبلورت بعد ـ أمام بوابة بيتها العريضة في مدينة "بريستل" حين كانت تنتظر خروج سيارة زوجها من كراج الفيلا. أفادت الشرطة بأن الحدث قضاء وقدر. دهسها الزوج الإنكليزي من أصول إيرانية بسيارته وشطرها شطرين دون أن يلمحها، بينما كانت تتبادل القبلات الهوائية مع ابنها الذي جلس في المقعد الخلفي للسيارة.

انقطعت علاقته مع هنيلوري التي استقرت في موسكو، هناك استلمت إدارة شركة "غارغويل" بشكل كامل بتكليف رسمي من الأمير وزوجته.

أما علاقته بعشيقته سابينه فقد تضاءلت وانكمشت حد الجفاء، بعد حوالي الشهرين من عودتها إلى عملها في شركتها الخاصة في مدينة آخن اكتشفت طبيبتها النسائية إصابتها بسرطان الثدي. صارا يتهاتفان في فترات متباعدة ولم يلتقيا إلا مرة واحدة لعدة دقائق أثناء حضورها لحفل تأبين الدكتور "توفيق فريد شابر"، كانت حالتها النفسية في أقصى درجات الحضيض.

الذي يعرف مرض السرطان لا يصفه، ومن يصفه لا يعرفه حتماً. للإنسان الحق في حياة خالية من الداء الخبيث.

إصابتها بالسرطان صنعت من إبراهيم رجلاً آخر، جعلته يمعن التفكير في صحته ومستقبله، بين ليلة وضحاها توقف عن التدخين وصارت سجائر "غارغويل"، السحرية الفائضة بالشغف، أمراً من الماضي، صارت لا تعني له شيئاً ما عدا ذلك الحنين الجارف إليها، صوت المشتاق. طلّق السجائر في يوم عيد ميلاده ومنذ ذاك اليوم لم يستطع احتساء القهوة مع الحليب. كان قراره البطولي هذا هو الهدية الأثمن التي تلقاها في حياته حتى ذلك التاريخ. انتصر على السجائر دون حاجته إلى نصائح من أحد أو إلى استخدام العقاقير لتعويض نقص النيكوتين في جسده.

إذا اعتاد الإنسان على تدخين السجائر ـ مهما كان نوعها ـ تراه يكبر ويغرق بمآساته يوماً بعد يوم غير مصدّق بأنّ للآخرين القدرة على التخلي عنها أو أنهم لم يدخنوها قطعاً. مثله مثل من يلد دون أصابع فتراه يكبر غير مصدق بأنّ للآخرين أصابع قادرة على العمل.

على الصعيد الآخر أخذت علاقة إبراهيم بصديقته مانويلا تتعمق أكثر فأكثر وتتوطد يوماً بعد يوم. أنهت مانويلا دراستها وعادت للعمل في جامعة دورتموند في ألمانيا ودأبت تقتنص الفرصة تلو الأخرى لزيارته في مدينة "باث" أو لقضاء عطلة نهاية الأسبوع معه في مدينة لندن، حتى أنهما أمضيا معاً لعامين متتاليين أعطال عيد الميلاد في منزل أهلها.

تزوج إبراهيم مانويلا بعد أن صارت حبلى.
حين أخبرته مانويلا بأنها حامل، لم تسعه الفرحة، سمّى جنينهما "اسحاق" دون أن يعرفا نوع جنسه، ثم امتنع عن تناول المشروبات الكحولية ودأب على الصلاة يومياً.

**

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت