السلاح النووي أداة ردع لا أداة أنتصار

عبدالله عطية شناوة
2023 / 1 / 12

بعد انهيار الجيش النازي واجتياح الجيش الأحمر للعاصمة الألمانية برلين، وما سبق ذلك من سقوط موسوليني في أيطاليا، أختار المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، أن يجرب سلاحه الجديد الذي لم يكن أحد يعرف عنه شيئا، حتى ذلك الحين وهو السلاح الذري، ليكون استخدامة رسالة الى الجميع ببداية العصر الأمريكي، ونهاية عصر تقاسم العالم بين الأمبيريالتين البريطانية والفرنسية، وكبحا لصعود منظومة جديدة هي المنطومة الأشتراكية.

عسكريا كانت التجربة تستهدف معرفة المدى التدميري، والآثار اللاحقة للسلاح الجديد على البشر والشجر والحجر، وهي تجربة آمنة لا يخشى المقدمون عليها ردا مماثلا، في عالم انهكته الحرب العالمية الثانية، فضلا عن عدم أمتلاك أية جهة أخرى سلاحا مماثلا، وشاء حظ مدينتا هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين أن تكونا ميدان التجربة الوحشية.

لكن سرعان ما تسربت، أو سربت، أسرار ذلك السلاح الى بريطانيا، ثم فرنسا، ولم يكن في ذلك أيضا أي تهديد للسيادة الأمريكية، غير أن الأمر أختلف تمام الأختلاف حين تسربت الأسرار النووية للأتحاد السوفييني، وأمتلك السوفييت أمكانبة تصنيعه، وصنعوة بالفعل، كان ذلك أيذانا بحالة توازن ابطلت السيادة الأمريكية على العالم، وأبطلت في الوقت نفسه، أمكانية معاودة استخدامه، فذلك سيكون فناء متبادلا للمغامرين باستخدامه.

أدرك الأمريكيون أن ذلك السلاح قد أنتهى مفعوله، وتحول من أداة نصر، إلى أداة ردع، لذلك توجهوا الى تطوير منظومات الأسلحة التقليدية وربطها بتكنولوجيا الفضاء، فكان ما سمي بمشروع ((حرب النجوم))، الذي خرج الحديث عنه الى العلن، في عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغن. أما السوفييت المنتشون بامتلاك الأسرار النووية، فتوجهت أنظارهم الى تعزيز ترسانتهم النووية بما يضمن تفوقها على الترسانات المماثلة لدول الغرب مجتمعة، دون الأنتباه الى عبثية ذلك كون التوازن النووي، والفناء الشامل الناجم عن استخدام السلاح النووي قد أبطلا مفعوله العملي، وانهكت الكلفة الأقتصادية للسباق في هذا المجال، ولسباق أنتاج وتطوير الصواريح الحاملة للرؤوس النووية الأقتصاد السوفييتي، وكان لذلك أن يكون أحد عوامل انهيار الأتحاد السوفييتي.

فلاديمير بوتين رجل المخابرات السوفييته السابق، الذي وصل في ظروف غير معروفة، الى قيادة روسيا كبرى بلدان الأتحاد السوفييتي ووريتثه القانونية، حمل مشروع انهاض روسيا من ركام الأنهيار السوفييتي، وتطوير نظامها الجديد لتصبح دولة رأسمالية متطورة وتنخرط في أجواء تنافس رأسمالي سلمي كقوة عظمى على قدم المساواة مع الولايات المتحدة، واعترف بوتين شخصيا أنه عرض على الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون أنضمام روسيا الى حلف الناتو، لكن الأخير تعامل مع العرض كمزحة، ولم يوله أي اهتمام، ذلك أن العقل السياسي والأقتصادي الأمريكي، ينفي من حساباته أية أمكانية لبروز قوة موازية في فضائها الخاص الذي يهيمن على العالم ويضبط أيقاع الحركة فيه، وهو حلف الناتو.

وربما كان تعامل كليتون المهين مع عرض ضم روسيا الى الناتو، بالإضافة الى طرد روسيا من مجموعة الثمانية، التي عادت كما كانت مجموع السبعة، ربما كان ذلك ما فتح مدارك بوتين على حقيقة الموقف الأمريكي من روسيا، ذلك الموقف الذي يقوم على أن لا شريك لها في ((قيادة)) العالم. وأنها حين تستخدم كلمة شريك فانها تقصد في الحقيقة تابعا وليس شريكا حقيقيا.

ولم يكن بوتين حتى بحاجة الى استنفار حسه المخابراتي لاكتشاف الدور العلني لأمريكا في انقلاب عام 2014 في أوكرانيا، وأن الهدف منه تحويلها الى بؤرة معادية لروسيا يمكن استخدامها ضدها في أي تطور لاحق. وربما أدرك كذلك أن المواجهة مع أمريكا قادمة إن عاجلا أو آجلا، وأن السلاح النووي الروسي لم يعد مضمون الفاعلية، وقد لا يشكل رادعا لعدوان نووي عليها، في حال عدم أمتلاك وسائل حمله وضمان عدم اسقاطه، بأنظمة الدفاع الجوي المذهلة التي طورتها واشنطن، قبل وصوله الى أهدافه، وربما حتى اسقاطه فوق الأراضي الروسية، بواسطة تلك الأنظمة التي نشرت في بلدان حلف الناتو المحيطة بروسيا، ورأى بوتين بلا ريب، أن الخطر صار محدقا بروسيا بعد تثبيت مادة في الدستور الأوكراني تعتبر أنضمام أوكرانيا الى حلف الناتو أولى الأولويات. حيث ستصبح شبه جزيرة القرم، التي كانت تأريخيا قاعدة بحرية لأسطول البحر الأسود الروسي، قاعدة للناتو قد تنشر فيها المنظومات المضادة للصواريخ الروسية. حينها تنتهي حال التوازن والرعب النووي المتبادل. فكانت عملية الأستفتاء التي أجريت لسكان القرم ذي الأغلبية الروسية، وأعادته كما كان قاعدة روسية.

ثم انكب الجهد الصناعي العسكري الروسي على تطوير الصواريح الهجومية الفرط صوتية الحاملة للرؤوس النووية، ومنطومات الدفاع الجوي المتطورة أس 400. أمر أبقى على ذلك التوازن قائما وحمى روسيا من أمكانية مهاجمتها نوويا دون امتلاك القوة على الرد. لكن وفي مجرى ذلك يبدوا أن الروس لم يعيروا انتباها الى جانب آخر، يتعلق بأن الأمريكان والغرب قد توفروا على أسلحة غير نووية فائقة التطور تستخدم تكنولوجيا الفضاء، في كشف ساحات المعارك وفي تصويب التهديف، يمكنها استنزاف العدو، وتفادي ضرباته، وتكبيده أفدح الخسائر.

وهكذا أمكن امتصاص فاعلية الهجوم الروسي في مرحلته الأولى، مرحلة الوصول الى مشارف كييف، ثم أجبر الجيش الروسي على التراجع، ولم يسجل أي تقدم بعد معركة سيفيرو دونيتسك, بل هو أضطر الى الأنسحاب من مدينة خيرسون الأستراتيجية بعد انسحابه من محور خاركوف ثم من ليمان.وتدريجيا إزدادت الضربات الأمريكية الموجهة الى الجيش الروسي أيلاما وتوسعت مدياتها حتى شملت قواعد جوية في العمق الروسي تأوي طائرات إستراتيجية قادرة على حمل رؤوس نووية.

ومع التعثر الروسي الواضح في ميادبن القتال، أنصب جهد روسيا العسكري على تدمير البنية التحتية المدنية الأوكرانية، التي يبدو أنها لا تهم كثيرا النخب الأوكرانية الحاكمة، قدر أهتمامها بتوجيه ضربات موجعة الى الآلة العسكرية الروسية، مثل الضرية الأخيرة في دونيتسك التي أبيد فيها أكثر من 400 عسكري روسي، حسب الجانب الأوكراني، و85 عسكري حسب الجانب الروسي.

وتطلق أمريكا والغرب حملات تضليل استراتيجي هدفها خداع الروس، توحي بان أمريكا وبلدان الناتو تواجه مصاعب في توفير متطلبات كييف من السلاح والعتاد، مع أن مجريات الحرب لا تشير أبدا إلى ذلك، والدليل قدرة الأوكران على الصمود أمام القوات الروسية ومنعها من التقدم، حتى لأمتار في جبهة بخموت، أو غيرها من الجبهات، مقابل دقة الضربات التي يكيلها الناتو لها، سواء في أقليم دونباس أو في العمق الروسي.

الخلاصة التي يمكن الخروج بها أن الوضع في ساحات المعارك يشهد اختلالا لصالح الغرب، يشجعه على مواصلة تغذية الحرب في أوكرانيا، مع ثقة كاملة، بعدم وجود مجنون في روسيا قد يغامر بتحويل المواجهة الى مواجهة نووية، كون أي عاقل يدرك أن ذلك ليس نصرا لأحد أنما هو فناء شامل. ولا قيمة هنا للتهديدات التي تصدر من موسكو بأن الخيار النووي حاضر بكل تأكيد، ولكن في حال وجود تهديد وجودي لروسيا.

وهذا ما يطمئن واشنطن إلى أنه لم يعد هناك ما يهدد رسوخ العصر الأمريكي.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت