كيف ضاعت حقوق العراق وتكبد خسائر فادحة ؟

داخل حسن جريو
2023 / 1 / 12

لا نتحدث هنا عن ضياع حقوق العراقية التاريخية قبل تشكيل دولته الحديثة عام 1921 , أبان حقبة الإحتلال العثماني للعراق ,والتي تمثلت بتنازل الدولة العثمانية بموجب إتفاقية أرضروم المعقودة عام 1823 م بين الدول الأربع، بريطانيا وإيران والدولة العثمانية والدولة الكعبية، حيث أعطت المعاهدة ,إيران مدينة المحمرة وميناءها وجزيرة خضر والمرسى والأراضي الواقعة على الضفة الشرقية من شط العرب . ومنحت حرية الملاحة للسفن الإيرانية بموجب إتفاقية أرضروم الثانية المعقودة عام 1847 .لم تعترف إيران بالمملكة العراقية المشكلة عام 1921 , إلاّ بعد مرور أكثر من عشر سنوات في العام 1932 .
وعلى الرغم من محاولات العراق التفاهم مع الحكومات الإيرانية المتعاقبة من منطلق حسن الجوار وروابط التاريخ المشترك بين البلدين , إلاّ أن ذلك لم يجد نفعا , إذ إستمرت إيران بنهجها التوسعي على حساب الأراضي العراقية, الأمر الذي إضطرت فيه الحكومة العراقية يومذاك بالتنازل عن بعض حقوق العراق بشط العرب , بمنح إيران سبعة كيلو مترات من شط العرب مقابل مدينة عبادان, بموجب معاهدة عام 1937 المعقودة بين البلدين, على أمل أن تستقر الأوضاع وتتحسن العلاقات بينهما ا . وينقل عن رئيس وزراء العراق المخضرم في العهد الملكي نوري السعيد , أن أحد الأسباب التي دفعته لعقد حلف بغداد الذي ضم يومذاك كل من العراق وإيران وتركيا وباكستان وبريطانيا وبرعاية أمريكية عام 1955 ,هو ضمان أمن وسيادة العراق من التوسع الإيراني والتدخل التركي أكثر من أي شيئ آخر.وفي العام 1960 حشدت إيران بعض قواتها العسكرية بإتجاه الحدود العراقية في منطقة شط العرب , والتي تصدت لها قوات عراقية لمنعها من التوغل في الأراضي العراقية . ويذكر أن العراق كان يومذاك يحضى بدعم الإتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الإشتراكية .
وفي العام 1969 نقضت الحكومة الإيرانية معاهدة عام 1937 ,حيث اعتبرت إيران من جانب واحد نقطة خط القعر (التالوك) في شط العرب هي نقطة الحدود الرسمية بينها وبين العراق , وبذلك فقد العراق نصف شط العرب منفذه الوحيد إلى الخليج العربي , بينما تمتلك إيران سواحل هي الأطول في عموم دول الخليج وتمتد إلى بحر عمان . وفي العام 1975 إضطر العراق عبر وساطة جزائرية الإعتراف بالأمر الواقع في شط العرب بإعتبار خط التالوك نقطة الحدود الرسمية بين البلدين , بعد أن أعياه التمرد الكردي المسلح في شمال العراق المدعوم عسكريا من قبل الحكومة الإيرانية .
ألغيت اتفاقية الجزائر من قبل الحكومة العراقية عام 1980 بعد تصاعد التوتر بين العراق ونظام الحكم الجديد الذي أطاح بنظام حكم الشاه وقيام نظام حكم الجمهورية الإسلامية التي تبنت سياسة تصدير الثورة من منظورها الديني الشرعي كما ترى, الأمر الذي يعني تدخلها بشؤون الدول الأخرى في محاولة منها لقلب نظم الحكم فيها على غرار ما حصل في إيران , مما أدى إلى نشوب صراع مسلح وحرب مدمرة بين العراق وإيران إستمرت ثمان سنوات , خسر فيها البلدان آلاف الضحايا وهدرت أموال طائلة ودمرت قدرات كلا البدين دون جدوى . ضاعت حقوق العراق مرة أخرى , ولكن هذه المرة يصورة أشد وأقسى من سابقاتها , إذ أنها لم تقتصر على الأراضي والمياه , بل شملت إزهاق الأرواح وتدمير البنى التحتية وتعطيل مسيرة التنمية . ما كان كل ذلك ليحدث لو أن الأمور عولجت بروية وحكمة وبصيرة ثاقبة من حكومتي كلا الدولتين , لربما كان بالإمكان نزع فتيل التوتر فيما بينهما وتجنب الحرب التي لا يجني منها البلدان سوى الدمار . وهذا ما أثبتته الأحداث لاحقا , لكن للأسف راح النظام الإيراني يعزف على الوتر الطائفي الديني لإثارة العراقيين والتي إعتقد أنها ورقته الرابحة ضد حكومتهم, وبالمقابل راح النظام العراقي يعزف على وتر الحقد العنصري للفرس بدعوى العداء التاريخي بين العرب والفرس,والذي لا أساس منطقي له في محاولة إثارة الإيرانيين من القوميات الأخرى ضد الفرس . لم تجد نفعا دعاوى الطرفين , فقد غلب العراقيون إنتمائهم وهويتهم الوطنية فوق كل شيئ آخر, كما غلب الإيرانيون هويتهم الوطنية بصرف النظر عن طبيعة حكمهم . كانت النتيجة حربا عبثية لم يكن فيها رابح , ولم يتمكن العراق من إستعادة أيا من حقوقه المسلوبة .
إن ما أردنا قوله هنا أن الحكومات الإيرانية المتعاقبة قد سلبت العراق الكثير من حقوقه التاريخية منذ حقبة الحكم العثماني مرورا بالحكم الهاشمي الملكي والنظم الجمهورية المتعاقبة وحتى يومنا هذا , لا لسبب سوى ضعف الحكومات العراقية في معظم الآحيان ,فعندما يمر العراق بأزمات سياسية أو إنقلابات عسكرية أو تمرد مسلح , تنقض فيها الحكومات الإيرانية لإبتلاع المزيد من مياه وأراضي العراق, بينما تصارع الجكومات العراقية من أجل بسط سيطرتها وتعزيز سلطتها في الداخل . وبذلك تصبح السيطرة الإيرانية أمرا واقعا فيما بعد, تمهيدا لضم المزيد من الأراضي العراقية لاحقا .وهذا أمر مؤسف ينبغي على الحكومات العراقية تدراكه بوضع مصلحة العراق في المقام الأول , وإنتهاج سياسة الحكمة والإعتدال تجاه الدول الأخرى , وبخاصة دول الجوار , وسد كل الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها خصوم العراق لتعكير إستقراره وصفو أمنه.
وبعد غزو العراق وإحتلاله عام 2003 أصبح العراق ساحة مفتوحة للتدخل الإيراني بحكم العلاقة الوطيدة بين النظام الإيراني وبعض المجاميع السياسية المعارضة لنظام الحكم السابق في العراق , والمتعاطفة مع نظام الحكم الإيراني من منطلقات طائفية , والتي كانت تتخذ منها ملاذا آمنا , حيث تمكنت هذه المجاميع من الهيمنة على المشهد السياسي العراقي , بفضل نظام المحاصصة الطائفية والأثنية الذي أدخلته الإدارة الأمريكية إلى العراق عام 2003 تحت عنوان الديمقراطية التوافقية في ظل نظام برلماني دستوري, ثبت فشله الذريع بإعتراف جميع الأطراف المشاركة في العملية السياسية أو المعارضة لها .لم يعد بالإمكان تشكيل أية حكومة عراقية دون رضا وموافقة النظام الإيراني وهو أمر بات يعرفه القاصي والداني , وبذلك لم يفقد العراق مياهه وأراضيه هذه المرة فحسب, بل فقد حريته وإرادته السياسية, وأصبح عليه تقديم فروض الطاعة لذلك النظام الذي لم يعد يكترث بحرمة أجوائه وأراضيه , ينتهكها بصواريخه وطائراته ومدفعيته متى يشاء وكيفما يشاء بذرائع شتى , يقطع مياهه ويطرد صيادي الأسماك ويحرمهم من رزقهم في مياهه الإقليمية , يعطل مصانعه ويوقف زراعته ليكون العراق سوقا رائجا لبضائعه ومنتوجاته الزراعية . أي هوان هذا وتفريط بحقوق العراق أكثر من ذلك .
يعاني العراق منذ سنوات نقصا حادا بموارده المائية بسبب قلة هطول الإمطار من جهة، وقلة الإطلاقات المائية في نهري دجلة والفرات وروافدهما القادمة إليه من تركيا وإيران من جهة أخرى , حيث قامت كل من تركيا وإيران ببناء سدود ضخمة لحجز كميات كبيرة من المياه القادمة إلى العراق , دون مراعاة حاجة العراق منها خلافا لمبادئ القانون الدولي التي تقضي بتقاسم مياه الأنهار المشتركة بصورة عادلة فيما بينها .ويقول وزير الموارد المائية العراقي مهدي رشيد الحمداني إن "الإطلاقات المائية من إيران بلغت صفرا"، فيما أشار إلى "اتخاذ حلول لتخفيف ضرر شح المياه في محافظة ديالى" شرقي العراق . واعتبرت خطوة إيران الأخيرة تجاوزا واضحا لكل القوانين والأعراف التي تُنظم حقوق الدول في الأنهار العابرة للحدود . كانت الأنهار والسواقي المائية القادمة من إيران تُلبي ثلث حاجة العراق، بالذات من الأنهار والروافد الكُبرى، مثل نهر الزاب الأسفل، الذي يُغذي بحيرة دوكان التي تتدفق بدورها لتغذي نهر دجلة . وهناك نهرا الكرخة والكارون، اللذان كانا مصدراً تاريخياً لخصوبة جنوب العراق. بالإضافة لمئات المجاري الموسمية، التي كانت تستخدم لسقاية المناطق الحدودية , لكن إيران "غيرت مجرى نهر الكارون بالكامل وأقامت ثلاثة سدود كبيرة على نهر الكرخة , دون أية مراعاة لحقوق العراق بتلك المياه . وبرغم ما لحق ويلحق العراق من أضرار بالغه بثروته الزراعية وتهديد أمنه الغذائي من جراء الجفاف وشح المياه , تقف الحكومات العراقية المتعاقبة عاجزة ولا تحرك ساكنا تجاه الإجراءات الإيرانية التعسفية المتمثلة بحرمان العراق من حصته المائية , بل تذهب أبعد من ذلك بفتح الأسواق العراقية لتصريف المنتجات الزراعية الإيرانية , بينما يفترض قيامها بدعم المنتوجات الزراعية العراقية بدلا من إغراق السوق العراقية بالمنتوجات الأجنبية .
يتوهم من يعتقد أن العراق لا يمتلك عناصر قوة تدعم مطالبه بحصص مائية عادلة من دول الجوار, لو أحسنت الحكومات توظيفها لمصلحة العراق . فالعراق بات اليوم الرئة التي تتنفس من خلالها إيران المحاصرة إقتصاديا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها , حيث أصبح العراق مصدر إيران الرئيس للحصول على العملات الأجنبية لتيسير عجلة الإقتصاد الإيراني , ناهيك عن أسواق العراق المفتوحة للبضائع والمنتجات الإيرانية.ويذكر هنا أن إيران قد إلتزمت بالحصار الظالم المفروض على العراق في عقد التسعينيات من القرن المنصرم.
ولم تقتصر خسائر العراق وفقدانه لحقوقه على إيران , بل باتت تشمل دولا صغيرة مثل الكويت التي إٍستولت على بعض أراضيه الحدودية الغنية بالنفط في الرميلية الجنوبية التي كانت أحد أهم أسباب إحتلال العراق للكويت عام 1990 ,وبعض أرصفة ومنشآت ميناء أم قصر , وحرمانه من بعض ممراته البحرية في خور عبد الله , وذلك بموجب تنفيذ قرار منظمة الأمم المتحدة الصادر في أعقاب إخراج القوات العراقية من الكويت عام 1991, القاضي بترسيم الحدود من قبل لجنة دولية لم يكن العراق ممثلا فيه, ولا يحق له الإعتراض على قراراتها في حالة نادرة لم تشهدها العلاقات الدولية , فضلا عن تحميل العراق خسائر جمة قدرت بمليارات الدولارات , عن أضرار قيل أنها لحقت بالكويت جراء إحتلالها لبضعة أشهر من قبل العراق عام 1990 , بينما دمرت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها معظم منشآت العراق الحيوية في حربهم العراق عام 1990 وما تلاها من ضربات صاروخية وقنابل بصورة متكررة على مدى عقد الزمان , ناهيك عن فرض حصار شامل أودى بحياة آلاف العراقيين دون رحمة بسبب شح الغذاء والدواء , والتي جميعها تعد جرائم حرب إبادة شاملة ضد الشعب العراقي , تستوجب محاسبة مرتكبيها وتعويض العراق عن خسائره من قبل من تسبب بها وإعادة إعماره. وحلت بالعراق طامة كبرى بقيام الولايات المتحدة الأمريكية بغزوه وإحتلاله عام 2003 بدعاوى زائفة ثبت للقاصي والداني بطلانها , وفي مخالفة صريحة لمنظمة الأمم المتحدة التي لم تلعب دور شاهد الزورهذه المرة , كما فعلت في حرب الكويت . كانت نتيجة الغزو كارثية بالنسبة للعراق والعراقيين حيث لم تبق ولم تذر من البنى التحتية العراقية من منشآت حيوية وطرق وجسور وكل ما يمت بصلة لديمومة الحياة في العراق , وبرغم ذلك لم يتجرأ أحد بمطالبة الولايات المتحدة بتعويض العراق عن خسائره كما فعلوا بحرب الكويت , بل الأدهى من ذلك طالب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب العراق بصلافته المعهودة ,دفع فاتورة الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق , أي على الضحية دفع ثمن أتعاب عملية ذبحه للجزار . فهل هناك ظلم لحق بالعراق وشعبه أكثر من هذا الظلم في عالم يتحدثون فيه عن العدالة وحقوق الإنسان .
وتركيا هي الأخرى تصول وتجول في شمال العراق بدعوى محاربة حزب العمال الكردستاني التركي بدلا من محاربته داخل تركيا , ولها قواعد عسكرية في شمال العراق. والغريب أن تركيا ترتبط بعلاقات إقتصادية وطيدة بحكومة إقليم كردستان العراق. والحكومة العراقية تقف موقف المتفرج تجاه ما يحصل من إنتهاكات عسكرية تركية لقرى وقصبات شمال العراق بين الحين والآخر . كما أنها تنتهك حقوق العراق بعدم إطلاقها لحصصه المائية في نهري دجلة والفرات , الأمر الذي أدى إلى إنحسار الرقعة الزراعية وتصحر أراضيه وتهديد أمنه الغذائي . وبرغم ذلك ما زال العراق سوقا رائجة للمنتجات الصناعية والتركية , ومصدرا مهما لسد حاجتها من الطاقة . وتتصاعد بين الحين والآخر أصوات نشاز لبعض القادة الأتراك بعائدية محافظة نينوى وأجزاء شاسعة من محافظات أربيل وكركوك ومناطق أخرى.
ولو أن الحكومات العراقية المتعاقبة قد وظفت قدرات العراق البشرية والمادية بحكمة وعقلانية ,وتجنبت الصراعات العبثية وأجادت فن التعامل الدبلوماسي بمعالجة الأزمات , لأختلف حال العراق اليوم كثيرا من دولة فاشلة إلى دولة يمكن أن تصنف في مصاف الدول المتقدمة .
فهل ترى أن هناك ثمة صحوة ضمير لدى من يتولون مسؤولية الدولة العراقية , لصيانة العراق أرضا وماءا وسماءا وحفظها من كل معتد أثيم تحت أي مسمى أو أية ذريعة , ووضع مصلحة العراق فوق كل المصالح , ولا ندعو هنا إلى التصرف بحماقة وعنجهية مع الآخرين , بل تغليب منطق التفاهم وتبادل المنافع وبناء شراكات إقليمية على أساس الأخذ والعطاء.والسعي بكل الوسائل لتعزيز الأمن القومي وأمن عموم المنطقة وحل النزاعات بالطرق السلمية , وعدم التدخل بشؤون الدول الأخرى وحقها بإختيار نظامها السياسي .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت