قطار آخن 50

علي دريوسي
2023 / 1 / 12

حين بدأ إبراهيم بكتابة الرسالة لم يسأل نفسه إن كان في حوزته عنوان مانويلا، وهكذا قرّر أن يبعث الرسالة مساء من الفندق أو من محل إنترنيت بوساطة الإيميل، بعد أن يحوّل الأوراق المكتوبة بخط اليد إلى ملف إلكتروني باستخدام جهاز الماسح الضوئي.

**

كانت مانويلا قد غادرت إبراهيم إلى مدينة "فيلادلفيا"، لنيل شهادة الدكتوراه في الأدب الأمريكي من جامعة "بنسيلفانيا".

لم يكن قد مضى على وجوده في ألمانيا أكثر من تسعة أشهر حين تعرّف إليها في الربيع مصادفة في أحد شوارع مدينة "دورتمود". كان قد وصل إلى المدينة قبل يومين من لقائهما بعد أن أنهى دورة تعلم اللغة الألمانية في جامعة "لايبتزغ". في لحظة اللقاء تلك كان يتسكع في المدينة برفقة مضيفه، وكانت هي برفقة مجموعة من طلبة إحدى الجامعات الأمريكية الذين وصلوا إلى ألمانيا ضمن برامج التبادل الطلابي.

عند إشارة المرور غازلها كما اعتاد الشرقي أن يفعل دون أن يتوقع منها ردّاً، لكنها ابتسمت له وتبادلا حديثاً قصيراً. أعطته ورقة عليها اسمها ورقم هاتفها وبدوره أخبرها أنه يسكن في غرفة ضمن السكن الطلابي "أَم غاردين كامب رقم 43" والعائد لجامعة دورتموند. بعد ساعة من الزمن نسي أنه تعرّف إلى إمرأة، لكن مانويلا بقيت حريصة على رسم ملامح وجهه واستذكار عنوان غرفته وتخزينها في ذاكرتها.

**

بعد ثلاثة أيام كانت تطرق باب الغرفة حيث يسكن مؤقتاً عند صديقه بصفة غير رسمية. لا اسم له على صندوق البريد ولا على باب الشقة. حين رأته اغرورقت عيناها بالدموع وهي تشرح له الصعوبات التي واجهتها إلى أن عثرت عليه.

بعد مشوار قصير في الحقول المجاورة شعر كلاهما بأن ثمة ما يربطه بالآخر، الحاجة للآمان في عالم يضج بالأنانية والآلات وضيق الوقت. لم تكن مانويلا بالمرأة الجميلة أبداً ولا بالمثيرة جداً، لكنها لم تكن قبيحة أبداً، كانت إمرأة نظيفة حالمة رومانسية محبة للسفر والقراءة وشراء الكتب والموسيقى والملابس والطعام الجيد، كان كل شيء مرتباً ونظيفاً في حياتها الخالية من الأخطاء.
بعد عدة لقاءات سمحت له بالعيش المشترك معها في شقتها الصغيرة.

كانت فرحته كبيرة حين كان يسافر معها لقضاء العطل في بيت أهلها. هناك السرير الواسع، الأغطية ناصعة البياض، الأطعمة اللذيذة، المعجنات، الخبز الطيب، النظافة والترتيب والأناقة، الدفء، الهدايا، التسوُّق، النزهات إلى الجبال والغابات، الثلوج المتراكمة، اللقاءات في المقاهي وزيارات الأقارب والأصدقاء.

بعد عدة أشهر غادرته إلى أمريكا لأغراض البحث العلمي. لم يكن قرارها بالسفر سهلاً. كانت قد خططت للرحلة قبل أشهر طويلة من تعارفهما. لم يقلقه رحيلها فقد كان لديه الكثير من الأعمال التي تنتظر إنجازها وكان أهمها حصوله على قبول جامعي لمتابعة دراسته العليا بعد تعديل ما درسه في جامعة بلده.

ومع سفرها بقي في شقتها وصار لديه الوقت للانشغال بأمور مستقبله، ولم يكن ليلهييه عن ذلك شيء فهو لن يضطر الآن للبحث عن غرفة للإيجار وتأمين الأثاث لها والمطبخ والتلفون والإنترنيت.

سافرت مانويلا وبقيت متمسكة بعلاقتها مع إبراهيم وعلى تواصل مكثف معه عبر الهاتف والبريد الإلكتروني، ظلت دائماً مهتمة بتفاصيل حياته وتطورات دراسته.
ما زال يحتفظ بهداياها ورسائلها وإيميلاتها وقصاصات الورق التي كانت تتركها له في مناسبات كثيرة.

**

حبيبي إبراهيم،

أتمنى أن تكون بخير. أفتقدك كثيراً حقاً، على الرغم من مرور يوم واحد فقط منذ أن قلنا وداعاً. لقد وصلت هنا بشكل جيد ودون مشاكل. كانت رحلتي مريحة للغاية حتى أنني حصلت على قسط من النوم. استقلت سيارة أجرة إلى مؤجريني الذين كانوا لحسن الحظ في المنزل. اسمهما "نانسي" و"مارك"، يبلغان من العمر حوالي ثلاثين عاماً وتزوجا قبل شهر. يبدوان لطيفان جداً. بالطبع، تعرفت أيضاً على قطتيهما، "سكرافي" و"إنغا"، في الحقيقة سكرافي سمين جداً لكنه ظريف تماماً.

المنزل كبير وسيكون أجمل لو يتم تجديده. إنه رث قليلاً وغير معتنى به. غرفتي صغيرة نوعاً ما وليست أنيقة ولا مرتبة على الإطلاق. لكن هذا لا يهمني الآن، لأنني سأكون معظم الوقت في مكتبة الجامعة حيث أجلس وأكتب لك الآن.

المكتبة مذهلة حقاً، ضخمة وجميلة، بأرضيات مغطاة بالسجاد والكثير من صالات القراءة الهادئة. أشعر براحة كبيرة هنا. هذا الصباح حصلت بالفعل على بطاقة الاشتراك، وبمساعدتها يمكنني الآن استعارة الكتب من المكتبة والوصول إلى أجهزة الكمبيوتر، وما إلى ذلك. وهذا شيء عظيم للغاية.

لسوء الحظ أعاني في الوقت الحالي من آلام في الرأس (صداع نصفي) وأشعر بالبؤس. لكن هذا خطأي بعض الشيء، لأنني شربت الليلة الماضية كأس كوكتيل ضخمة تحتوي على الأرجح على الكثير من الكحول، وهذا ما لم يكن مناسباً بالنسبة لي بعد رحلتي الطويلة المتعبة. البارحة وبعد وصولي مباشرة ذهبنا نانسي ومارك وأنا إلى مطعم مكسيكي. بعد ذلك أروني الطريق الموصل إلى مكتبة الجامعة وكانت مبادرتهم هذه لطيفة حقاً.

ليس لدي الكثير من الخطط لهذا اليوم بخلاف القراءة والتسوُّق.

تخيل يا حبيبي، لا يوجد سوبر ماركت قريباً من المنزل أو الجامعة. المدن الأمريكية متخلفة حقاً في هذا الصدد، عليك أن تسافر أميالًا عديدة لشراء المواد الغذائية. لحسن الحظ يوجد بالجوار محلات تُسمى بـ "7ـ إلفن" حيث يمكنك شراء أهم الأشياء اليومية مثل الخبز والحليب.

عزيزي إبراهيم، أرجو مراسلتي عبر البريد الإلكتروني وإخباري بما تفعله بالضبط. سأتصل بك الليلة لمعرفة كيف ترتب أمورك.

أحبك أكثر من أي شيء في العالم وأفكر بك دائماً.

لك مني ألف قبلة وقبلة.
حبيبتك مانويلا

**

مرحبا يا حبيبي،

شكراً لك على الإيميل الذي طال انتظاره. أفرحتتي جداً أمنياتك لي بعيد ميلادي.

أموري بخير وأبلي بلاءً حسناً في المكتبة، إلا أن جسدي يجب أن يعتاد على الطقس القائظ الرطب هنا، غالباً ما أشعر بدوار بسيط.

عطلة نهاية الأسبوع كانت رائعة، يوم الأحد، بالأمس، ذهبت مع نانسي ومارك إلى مركز تجاري ضخم للتسوق، يبعد عنا حوالي ساعة سفر، للوصول إلى هناك استقلنا القطار أولاً ثم الباص، عبرنا مناطق سكنية رهيبة شنيعة، أحياء عشوائية فقيرة بائسة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، رأينا منازل متهالكة ومدمرة جزئياً، مقالب قمامة ونفايات مبعثرة، أوساخ، صبيان وبنات يلعبون قربها، مومسات في العديد من زوايا الشوارع ... مشهد حزين ومخيف للغاية، أظهر لي وجهاً مختلفاً وسلبياً للولايات المتحدة الأمريكية.

كان المركز التجاري رائعاً وبعد عمليات بحث مكثفة في العديد من المحلات وجدت حقيبة تليق بك واشتريتها لك، حقيبة جميلة مصنوعة من الجلد الأصلي الأسود، تبدو مطابقة تماماً للشكل الذي رسمته ووصفته لي، آمل أن تعجبك فعلاً.

بعد انتهاء جولة تسوُّقنا ذهبنا إلى مطعم لحوم أمريكي نموذجي، أكلت شريحة لحم ضخمة، كلفت نقوداً كثيرة، لكن السعر لم يفاجئني فقد وجدته مكتوباً على بطاقة الوجبات، لم يؤنبتي ضميري فقد اعتقدت أن من حقي أن أكافئ نفسي لما أقوم به من مجهود في القراءة والبحث.

بشكل عام أنا مندهشة قليلاً من التكاليف الباهظة لكل شيء هنا. ذهبت للتوّ إلى متجر للنسخ والطباعة، نسخت أجزاء من كتاب (ليس كثيراً) ودفعت عشرين دولاراً مقابل ذلك. مبلغ ضخم حقاً. ربما تكون هذه التكلفة معادلة لسعر شراء الكتاب نفسه. سأضطر إلى التحقق من ذلك في المستقبل.

يوم السبت قرأت طوال اليوم، لكنني لم أستطع التركيز جيداً، كان الجوّ حاراً ودبقاً للغاية، وغرفتي ليست بتلك المجهّزة والمريحة إطلاقاً. فرشة سريري رخوة وطرية جداً لدرجة أنها تسبب لي آلاماً في أسفل الظهر، طاولة الدراسة متأرجحة وواطئة جداً. خسارة أن المكتبة ليست مفتوحة في عطلات نهاية الأسبوع وإلا لتمكنت من العمل هناك.

قبل أن أنسى، عنواني هنا، ليس جادة هاميلتون بل شارع هاميلتون. وإلا ما عدى ذلك فإن كل شيء كما كتبته لك. سيكون أفضل لي إذا ما كان بإمكانك إرسال تقريرك الجامعي إليّ عبر البريد الإلكتروني، وإلا سيستغرق الأمر وقتًا طويلاً عن طريق الرسالة والبريد العادي، أسبوع على الأقل، لا أريد الانتظار كل هذا الوقت لأنني متشوقة. لا أفهم تماماً سبب عدم تمكنك من إرسال كل شيء عبر البريد الإلكتروني، لأنك قمت بالفعل بإرسال بريد إلكتروني إليّ بنجاح، طالما أنه ليس لديك مشكلة تقنية مع الإيميل فلماذا لم ترسل لي هذه الرسالة مرفقة بالتقرير؟ هل هذا بسبب الحجم الكبير للملف مثلاً؟

على أي حال عليك أن تعلم بأن حبيبتك فضولية جداً ولديها العديد من الأسئلة: ما هو الجواب الذي تنتظره من جامعة آخن؟ هل يريد منك رئيس دائرة الامتحانات أن تذهب حقاً إلى جميع الأساتذة بغية تعديل المواد التي درستها سابقاً في بلدك الأم؟ ما هي المواد التي يجب عليك إعادة دراستها في جامعة آخن؟ هل ستحصل بعد التعديل على شهادة دبلوم ألمانية؟ ما هو القرار الذي ستتخذه أو ما هي أفكارك الحالية حول هذا؟ هل ترغب في البحث عن عمل أكاديمي في الجامعة؟ من فضلك اكتب لي المزيد من التفاصيل في وقت قريب جداً، من فضلك لا تجعلني أنتظر طويلاً.

اليوم سأمكث في المكتبة حتى الخامسة مساءً، سأكون الوقت كله مشغولة بالبحث عن المراجع. يوجد هنا الكثير مما أحتاجه لدرجة أنني أشعر الآن بأنني غارقة قليلاً في الوفرة. لو كنت متعمقة أكثر في رسالة الدكتوراه التي أنتويها، لكنت قد بحثت بشكل أفضل ولوجدت ضالتي أسرع، لأنني حينها سأبحث بشطل موجّه وتركيز أعلى ووعي علمي أعمق. لكن لا مشكلة، فطريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.

قد أخرج غداً لتناول العشاء مع نانسي ومارك وللاحتفال بعيد ميلادي قليلاً.
آه كم أود لو أقضي هذا المساء معك.

صدقني حبيبي، أفكر فيك كل ثانية وأفتقدك كثيراً لدرجة أن قلبي يؤلمني أحياناً. خاصة في المساء قبل النوم وفي الصباح عند الاستيقاظ يكون الوضع سيئاً حقاً، فتراني أتساءل كيف سيمكنني قضاء الوقت بدونك. لكنني أتخيل بعد ذلك كيف تكون مستلقياً بجانبي، عارياً بالطبع، وكيف نتضام ونقبّل ونداعب أجسادنا و ... أكثر من ذلك بكثير، ثم أشعر بتحسن مرة أخرى.

حبيبي الجميل، أحبك كثيراً جداً وبكل قوة قلبي.

آمل أن تستطيع استقبال اهتزازات حبي من فيلادلفيا إلى حيث أنت، أتستطيع ذلك؟

فكر بي واكتب لي في أقرب فرصة، اكتب لي كثيراً.

حبيبتك مانويلا المشتاقة لك.

**

دخلت سابينه المقهى برفقة هنيلوري وقد بان عليهما السرور والبهجة.

وضعتا أكياس التسوّق قرب الطاولة وهما تهأهئان ثم جلستا لتناول القهوة.

قالت هنيلوري:

ـ سنحتسي قهوتنا ونذهب فوراً إلى الفندق لأخذ حقابئنا.

أضافت سابينه وقد مُلِئ صدرها حُبوراً:

ـ الأمير حسن أدليرهورست وزوجته الدكتورة هناء شابر بانتظارنا.

***

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت