أما من نهاية لحروب الأخوة الأعداء ؟ *

كامل عباس
2023 / 1 / 10


أما من نهاية لحروب الأخوة الأعداء ؟ *
تاريخ تجمعات البشر منذ أن ظهرت على وجه الأرض وحتى الآن هو تاريخ حروب بين الاخوة في الانسانية من أجل اقتسام خيرات الطبيعة وفقا لما تمليه ارادة المنتصر فيها, بدءا من العصا مرورا بالبندقية انتهاء بالقنبلة النووية , ولكن والحق يقال لقد حاولت القوى التي تنحاز الى الانساني على حساب الطبقي ما تستطيع للحد من تلك الحروب وكادت ان تنجح في محاولتها الأخيرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية , لقد اتفقت الدول المنتصرة بدعم منها على تشكيل هيئة الأمم المتحدة وأوكلت اليها مهمة حفظ الأمن والسلم الدوليين . ذادت جرعة التفاؤل مع صدور الميثاق العالمي لحقوق الانسان عام 1948 الذي وقعت عليه كل الدول ووافقت على احترام الانسان من كونه انسان بغض النظر عن جنسه ولونه وقوميته واثنيته ودينه , لكن الدول "الحضارية الكبرى" المنتصرة والتي تعهّدت بتسهيل مهمة الهيئة وافقت على الميثاق على ما يبدو انحناء لموجة الغضب الشعبي التي ولدتها الحرب , في حين استمرت في العمل بنفس الطريقة السابقة وبشكل ابشع من الماضي , فشيوخ القبائل السابقين كانوا واضحين جدا في حروبهم مع قبائلهم في حين عمل شيوخ القبائل الجدد على الكذب والنفاق وأفشلوا مهمة الهيئة .
مؤسف القول بان الادارات الأمريكية اشترت الجميع عبر رشوتهم وعممت الفساد في ارجاء الكون , يهمني هنا انتصارها في تحويل هيئة الأمم لتبدو وكأنها تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية وموظفوها الحاليون يحرصون عليها من أجل رواتبهم وليس من اجل الانسان وحقوقه
كنت آمل أن تتصرف قيادة هيئة الأمم بعد حماقة بوتين بتقديم استقالتها واستقالة موظفيها احتجاجا على سلوك امريكا وروسيا معا وعدم العدول عن الاستقالة الا بعد تعهد امريكا اولا ومن ثم بقية الدول بالدعوة الى اجتماع الدول الموقعة على ميثاقها لكي يكون حّل الحرب الروسية الأوكرانية عبر تطوير الهيئة اولا لتصبح قادرة على حفظ الأمن والسلم الدوليين ثانيا. يبدو ان قيادة الهيئة تبرر سلوكها بأن ذلك الطريق سيدعم الفوضى بدلا من النظام, وانا ارى ان ذلك الطريق لو تّم لكان اوصلنا الى النظام من جديد بدلا من ذلك التدمير لمدن بكاملها على رؤوس ساكنيها ليتم جمع أشلاء البشر في أكياس نايلونية قد يحوي الكيس قدم طفل ورأس امرأة وأمعاء جندي .
لقد مرّ عام على ذلك الغزو الأحمق وبدا وكأنها بداية حرب عالمية جديدة بدأت بوادر شرارتها الثانية في الشرق الأوسط مع تشكل حكومة اسرائيلية يمينية متطرفة يبدو فيها الحاخامات اسوأ بكثير من بوتين فهم يتحدثون عن هيرمجون جديدة سينتصر فيها الخير على الشر وينصفهم لكي يكملوا بناءهم على ارضهم التاريخية , اما الشرارة الثالثة الأخطر فهي قد تكون على ارض تايوان الصينية تاريخيا . وها هي امريكا عاجزة عن التأثير هي والهيئة الملحقة بها عن ايقاف ذلك المسار .والحروب ومعها الفوضى التي تجتاح العالم .
من يتابع مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة العالمية سيستخلص منها الكثير وسيرى أن هناك اتفاقا بين الجميع على ان الحرب ستتوسع على نفس طريقة الحرب العالمية الثانية - لكأن التاريخ يكرر نفسه - ولكن هذه المر ة ستكون نتيجة الحرب مختلفة فلن يكون فيها رابحون وخاسرون بل الجميع سيكون خاسرين . بكافة الأحوال الصورة التي تنقلها لنا مواقع التواصل الاجتماعي مع الصحف العالمية تبرز اتجاهين متناقضين .
- اتجاه يمثل أقوياء وأغنياء العالم المصرين على حسم الصراع بالقوة العسكرية تماما كما جرى في السابق , وهم يتوهمون انهم سينتصرون حتما وبين يديهم الآن مجتمع دولي طيّع يدعمهم: لسان حالهم يقول : نحن اذكياء وأقوياء وهم أغبياء وضعفاء فلماذا نتنازل عن حقوقنا لهم ؟ هذه ساحة المعركة ستحسم الأمور بيننا , وستكون نتيجتها بأسوأ الأحوال كما توقعت اساطير الأولين هو قيام القيامة وفوران التنور اذا استعملت فيها القنابل النووية ولكن قد ينجو من الحرب زوج من كل نوع ويعود التطور من جديد ليكرر الحالة السابقة التي سينتصر فيها الأذكياء امثالنا .
- اتجاه يمثل شعوب الأرض قاطبة , والتي ترى ان الوقت قد حان لوضع حّد لهذه الفئة الباغية في التاريخ المصرة على ظلمها وجورها . نحن قمنا بمراجعة للماضي ولا نريد أبدا الاعتداء على املاك الناس ونحن مع أي ملكية خاصة جمع فيها صاحبها ثروة عن طريق جده وجهده وذكائه وليس عن طريق ظلم الآخرين واستغلالهم والوقت قد حان لنجمع بين الانساني والطبقي ولكنهم يصرون على ان يكنون الطبقي اهم من الانساني كي يتمتعوا بطيبات الحياة الدنيا في حين نموت نحن من الجوع .
لم تجلب لنا حروبهم سوى الفوضى والحقد والكره بين البشر وليس النظام , والحرب قد تشهد تقلبات وقد تعود امريكا لتنضم الى روسيا في محاربتنا خصيصا اذا نجحت خطة بوتين واستمر حتى نجح ترامب أو واحد عل شاكلته , اما الأمل فهو من امريكا بالذات فقد تسفر الحرب الداخلية فيها بانتصار تيار ثالث يطالب بالعودة الى لبرالية فرانكين روزفلت , الى الجلوس على طاولة العالم وليس على راسها ليتفقوا فيما بينهم على ايقاف لحرب باللجوء الى القانون الدولي وليس عبر الحرب أي بصراحة سحب الفيتو من روسيا وامريكا معا بعدما خذلتا العالم وكذبتا عليه في استمرارهما في التسلح وحل المشاكل بالقوة العسكرية وهو ما حّول الحرب الباردة الى حرب ساخنة قد تلتهم حضارتنا كلها . لا بديل عما دعت اليه العولمة من استبدال القوة العسكرية بالقوة الاقتصادية في السوق الجديدة وهوما ينهي الفوضى ويعيد سلاسل التوريد من كل الجهات حسب اقتصاد كل دولة ,أي سيجلب الاقتصاد للعالم النظام وليس الفوضى كما يريد تجار السلاح في السوق
في نهاية القرن التاسع عشر توصل علماء الفيزياء الى اكتشاف قوانين الترموديناميك الذي يقول قانونه الثاني ما يلي : أي جملة مغلقة تميل نحو حالة الفوضى او الاضطراب من أجل تحقيق حالة التوازن الديناميكي . من أكثر الأمثلة وضوحا على القانون برأيهم هو الشمس التي تحرق ببطء وقودها النووي مبعثرة الضوء والحرارة وفي النهاية سينضب وقودها وتتوقف عن الاشعاع مما قد ينتج عنه الموت الحراري الكوني ولو بعد ملايين السنين . اشاعت تلك النظرية بين الناس موجة من التشاؤم والتقطها المتزمتون في الأديان الثلاثة الرئيسية قائلين . ان قصة الكون بدأت من وضعية الكمال في جنات عدن وأخذت خطاً هابطا فيما بعد بسبب الخطيئة التي اقترفناها وهاو الله يعاقبنا على ارتكاب خطيئتنا , ولكن في الوقت ذاته تقريبا مع فارق ضئيل في السنين ظهرت نظرية التطور وجوهرها: بدأت الحياة على الأرض بشكل كائنات بدائية مجهرية ومع تقدم الزمن تطورت لتنتج محيطا حيويا على الأرض مذهلا بتعقيداته المنظمة بملايين من الكائنات الحية ذات البنى بالغة التعقيد التي تأقلم كل منها بمنتهى الروعة ضمن أمكنة بيئية ملائمة, أي ان العمليات البيولوجية كانت تميل نحو المزيد من التطور وتنتج النظام من الفوضى ,. التقط الخيط هذه المرة المتنورين في الأديان قائلين : علم الحياة أفضل من علم الجماد وهو يشير الى عظمة الخالق الذي بدا فيه الخلق من عدم وتطور بشكل تدريجي كما تشير العلوم الطبيعية وسيستمر هذا التطور بعون الله ليتطّهر قلب الانسان من الشر تدريجيا ولا نستغرب ان يتحول الناس الى ملائكة بالنهاية يتعاونون مع بعضهم على الخير وليس على الشر . هذه المرة وجد الملحدون التقدميون انفسهم الى جانب المؤمنين , لابل وهم مستعدين للعمل معهم من اجل ان يتحول الانسان الى ملاك يحب لأخيه ما يحب لنفسه .
ربما كانت النقمة على علم الفيزياء ولا تزال كونه حطّم لنا الذرة وفجّر منها الطاقة وأهداها للأغنياء كي يصنعوا منها قنابل نووية تخيف كل من يجرؤ على التفكير بقلب نظامهم , ليس علم الفيزياء أسوأ من علم الحياة , ونظرية انشتاين عن الزمن تخدم البشرية كما تخدمها نظرية دارون لو أن القيمين على العلوم وجّهوها لخدمة الناس واستعملوا تلك الطاقة المكتشفة لتحلية مياه البحر- على سبيل المثال لا الحصر- وليس لأجل صنع القنابل النووية , المشكلة في قدرة الظالمين على توجيه العلوم كافة بما يخدم استمرار جاههم ونفوذهم وثروتهم وتوريثها الى ابنائهم وعدم قدرتنا على ردعهم عن هذا الطريق, وها هي الأبحاث الحديثة لعلم الأحياء تهديهم قنابل بكتريولوجية تنهش لحم الانسان وهو حي كما ان علم الحياة يتعاون مع علم الفيزياء ليهديهم الذكاء الصنعي الذي يستعمل ضد الفقراء والضعفاء . العلم جرى له ما جرى للدين بكل أسف على ايدي تلك الفئة الباغية في التاريخ , واذا استوعبنا دروس الماضي ربما حّولنا هذه الحرب الى حرب اخيرة بين الاخوة في الانسانية .
............................................................
• - هذا المقال مُهدى الى الصديق العزيز دلير زنكنة

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت