كتاب -السلطة الثقافية والسلطة السياسية- لعلي أومليل: المثقف العربي وسؤال الأولويات

صلاح الدين ياسين
2023 / 1 / 8

من إصدارات مركز دراسات الوحدة العربية، صدرت الطبعة الأولى من الكتاب ببيروت في العام 1996، من تأليف المفكر والدبلوماسي المغربي السابق علي أومليل، الذي أنجز جملة من المؤلفات التي تعنى بقضايا الفكر والتراث والحداثة، ومن أبرزها "في التراث والتجاور" (1988)، "في شرعية الاختلاف" (1990)... الخ. وفي كتابه هذا الموسوم ب "السلطة الثقافية والسلطة السياسية"، يعرض أومليل لمواضيع ذات صلة بمكانة المثقف وطبيعة السلطة العلمية في التاريخ الإسلامي، ليعرج فيما بعد على جذور نشأة الكاتب بالمفهوم الحديث، والذي اقترن بأوروبا في عصر الحداثة والتنوير، وفرنسا على وجه الخصوص، وصولا إلى رصد راهن وموقع المثقف العربي من المفهوم الحديث للكاتب:
هيمنة حَمَلَة العلم الديني
يشير المؤلف في البداية إلى أن السلطة السياسية والسلطة العلمية كانتا مجتمعتين في شخص واحد في صدر الإسلام، بدءا من النبي محمد، وانتهاء بالخلفاء الأربع الأوائل، هذا قبل أن يحدث الانفصال بين السلطتين المومأ إليهما مع تأسيس الدولة الأموية على يد معاوية وتَشَعب أنظمتها ووظائفها، وهو ما دشن صراعا ممتدا بين السلطتين المتنازعتين، بحيث سعى الفقهاء إلى الرقابة على السلطة السياسية بزعم أنهم مؤتمَنون على حفظ الشريعة، وفي المقابل لطالما حرص السلاطين على استتباعهم وضمان ولائهم عبر المزاوجة بين أسلوبي "الجزرة والعصا"، في مسعى منهم لتأكيد الشرعية الدينية التي كانت ركيزة أساسية ضمن مصادر المشروعية التقليدية للحكم الإسلامي.
ومن هنا كان الفقيه أو العالم الديني يستمد سلطته من العامة، بخلاف المشتغلين بالآداب والعلوم غير الدينية، الذين لم تكن بضاعتهم تجد رواجا إلا عند السلطان وكبار أشراف الدولة. وفي هذا الصدد، في وسعنا استحضار وضعية المعتزلة كشاهد على المأزق الذي تعرض له أصحاب الفكر العقلاني، فقد كان هؤلاء في حاجة ماسة إلى التحالف مع السلطة السياسية، لأن مذهبهم النخبوي العقلاني ما كان يلقى قبولا لدى العامة، وبالتالي فقد عرف هذا المذهب ذروة ازدهاره أثناء تبنيه من لدن الخلفاء العباسيين (المأمون والمعتصم والواثق) كمذهب رسمي للدولة، هذا قبل أن يتعرض المعتزلة للمحنة والمطاردة عند تولي المتوكل للحكم.
انكفاء وعزلة الفيلسوف
في مقابل هيمنة أصحاب العلم الديني واستئثارهم بالسلطة العلمية، لم يشكل الفلاسفة المسلمون بديلا فعليا للفقهاء، بالرغم من أنهم جعلوا من فلاسفة اليونان الأوائل، ولا سيما أرسطو مثلهم الأعلى الثقافي، إذ أمعنوا في التفكير المجرد والمتعالي عن الواقع، الذي لم يتخذ من مساءلة أساس شرعية السلطة السياسية وتغيير النظام الاجتماعي السائد أفقا له. وهكذا فإن المدينة الفاضلة التي تَمَثلها الفلاسفة المسلمون في كتاباتهم لم تكن، بحسب المؤلف، مشروعا سياسيا واقعيا، بقدر ما شكلت محاولة ذاتية للهروب من بؤس الواقع المفرغ من أي حمولة فلسفية. وعليه لم يضطلع دعاة الفكر العقلاني والفلسفي في التاريخ الإسلامي بالدور المنشود منهم، والمتمثل في نقد النظام السياسي والاجتماعي، واستعاضوا عن ذلك بمفارَقة الواقع والانكفاء على مثلهم الأعلى الفلسفي، كوسيلة للتعويض النفسي عن مرارة الواقع مخافة التعرض لبطش العامة والحكام.
كما تطرق أومليل إلى فئة "الكتاب"، الذين سطع نجمهم بالموازاة مع تأسيس الدولة الإسلامية وتعقد وظائفها ودواوينها، فقد اختصت تلك الفئة بالتدبير الكتابي لشؤون الدولة (كتابة مراسلات السلطان والحرص على تبليغ معناها...)، وكان جل "الكتاب" من المَوالي، أي من أصول غير عربية، ولهذا فقد اعتبروا بأن العرب جددا ودخلاء على السياسة، إذ نهلوا من الأدب السياسي الفارسي على وجه الخصوص، في مسعى لتلقين السلطان فن الحكم، ومن ثم منافسة نموذج سياسة الفقهاء. وبالرغم من الدور التحديثي الذي لعبته فئة "الكتاب" في الثقافة العربية، من خلال الانفتاح على روافد أجنبية فارسية ويونانية، إلا أن مضمون أدبهم السياسي ظل تقليديا في جوهره، وأسهم في تكريس تقاليد الحكم الملكي الاستبدادي.

المفهوم الحديث للكاتب
إن المفهوم الحديث للكاتب (l’écrivain) أو المثقف قد ظهر بفرنسا خلال القرن الثامن عشر، ذلك أن كتاب وفلاسفة عصر التنوير كانوا العامل الأساسي في التحول السياسي بأوروبا، الذي دشنته الثورة الفرنسية سنة 1789. ومثلما يرى المؤلف، فإن الكاتب بمفهومه الحديث، هو حامل لمشعل الحداثة ومُثُلها، بحيث لا ينزوي في برجه العاجي ويغوص في متاهات التفكير التجريدي المعزول عن الواقع، بمقدار ما يجعل من نقد وتغيير النظامين السياسي والاجتماعي موضوعا وهدفا له.
كما أن الكاتب بمفهومه الحديث يستند إلى سلطة الرأي العام، ولا يَقنع بترويج بضاعته لدى الحاكم وكبار أعيان الدولة، على عكس موقف الكتاب والفلاسفة القدماء، الذين نظروا إلى العامة بشيء من التسفيه والاحتقار، وذلك مَرَده إلى نفور هؤلاء من التفكير العقلاني النقدي. فمع بزوغ عصر الحداثة الأوروبية، ارتفعت معدلات القراءة والتعليم بفعل تطور وسائل النشر والطباعة، وجرى الانتقال من التصور التقليدي حول العامة أو الرعية إلى التصور الحديث، الذي يستند إلى مفهوم الشعب أو الأمة، في إطار دولة المواطَنة التي قوامها المساواة أمام القانون. فما موقع المثقف العربي من المفهوم الحديث للكاتب؟
الكاتب العربي بين الدعوة إلى الالتزام وراهنية النضال الديمقراطي
يرى صاحبنا بأن الكتاب العرب أضاعوا بوصلتهم حينما تلقفوا دعوة جان بول سارتر في الخمسينيات إلى أدب وفكر ملتزم، أي من حيث هو وسيلة للذود عن قضية اجتماعية أو سياسية نبيلة، كنقيض لطرح أنصار موقف "الفن للفن"، الذين يشددون على أن الفن يكتسب قيمته من ذاته، وبالتالي لا يجدر بنا تسخيره لخدمة قضية أو رسالة معينة. وفي تقدير المؤلف، كان الأولى بالكتاب العرب أن يناضلوا من أجل إقرار الديمقراطية وحرية النشر والتعبير كشرط ضروري لتبلور المفهوم الحديث للكاتب، بدل الانشغال بدعوة الالتزام التي برغم جاذبيتها، فإنها لا تعدو أن تكون ترفا في ضوء الافتقار إلى نظم ديمقراطية تعددية. ومن ثم فإن الكتابة لا تغدو ممكنة إلا في فضاء حر وديمقراطي وتعددي، ولعل ذلك من أبرز الدروس المستخلصة من التجربة الأوروبية التي عرفت نشأة المفهوم الحديث للكاتب والمثقف.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت