اللهُ لا يَتكَلم والرسولُ لم يَقُلْهُ: بَشَرِّيَةُ النص

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 1 / 5

مما لا شك فيه أن الكتابة كانت من قبل ظهور الإسلام بزمن طويل الوسيلة الأساسية لحفظ وتوثيق العقود والعهود، أو ما كان القرآن ذاته قد نص عليها تحديداً ولفظاً لهذه الغاية. وحين نجد في الحقيقة أن نبي الإسلام نفسه لم يسجل قرآنه- كلمة ربه إليه، ولا سنته- كلمته هو إلى تابعيه والمؤمنين برسالته، هذا يعني أمر من اثنين: (1) أن هذا النص موجود لكن غير ذي أهمية ليستحق التسجيل؛ أو (2) أن هذا النص غير موجود من الأصل ليتم تسجيله. في كلا الحالتين، النتيجة واحدة: أن النبي قد استحدث ديناً جديداً وقضى حياته في سبيل نشره وترسيخه ثم فارقها وهو لا يزال لا علم له بما يُسمى الآن ’القرآن والسنة‘، لأن أي منهما لم يكن له وجود على الإطلاق أثناء حياته. الأكثر صدمة لا يزال، أن عدم توثيق محمد لكلام ربه إليه وكلامه هو إلى المؤمنين به يُسقط أي ادعاء آخر بكون القرآن كلام الله أو الأحاديث النبوية كلام النبي. كما يُسقط كذلك ادعاءات أخرى كثيرة، من ضمنها روايات الوحي والناسخ والمنسوخ وأسانيد الأحاديث بين الصحيحة والضعيفة والموضوعة والإسرائيلية إلى آخره.

لكن، رغم ذلك، في الحقيقة النص موجود معنا اليوم ويرافق الإسلام منذ بداياته الأولى، في علاقة عضوية لا يمكن معها لأي منهما البقاء من دون الآخر. وحتى لو سلمنا جدلاً أن النص لم يوجد فعلاً في عصر النبوة، أثناء حياة النبي، هذا لا يعني أن النص لم يتطور وتُنفخ فيه الحياة في زمن ما، حتى لو بعد رحيل النبي بوقت طويل وفي عملية متدرجة وتراكمية لا دفعة واحدة إعجازية كما قد نتصور. كيف، ومتى، تطور النص الديني الإسلامي؟

النص هو وصف تقريبي قدر الإمكان لواقع ماضي أو حاضر أو مستقبل، أو رسم برموز خطية لوقائع أو علاقات فعلية. وهذا يعني أنه لا بد من واقع مادي ومحسوس سابق الوجود قبل أن تتوفر الإمكانية لوصفه عبر الكتابة النصية أو الحديث عنه ونقل صورة تقريبية له بوسيلة أو بأخرى. وفي حال غياب الواقع المحسوس يصبح من المستحيل وصف شيء لا وجود له سواء عبر النص المنطوق أو المكتوب أو بوسيلة أخرى؛ لكن العكس غير صحيح، بمعنى أن الواقع يوجد ويستمر سواء وجد أو لم يوجد نص يصفه ويتحدث عنه. فالواقع هو الأصل، بينما النص مجرد صورة معكوسة ومنقوصة في أحسن الأحوال. ويسري ذلك حتى على النصوص المتعلقة بالغيبيات والماورائيات، لأنها في واقع الأمر وإن كانت تتحدث عن كائنات ووقائع غير موجودة مادياً بالفعل في عالمنا المعاش، إلا أنها تستمد وجودها المادي هذا في داخل مخيلتنا؛ وبالتالي نستطيع التحدث عن الآلهة والشياطين والجان وعلوم الرياضيات والفلك والنجوم وأشياء كثيرة أخرى لا تبلغها حواسنا وذلك عبر إعادة بناءها داخل أذهاننا من ذات المكونات أو القوانين المادية المتاحة بالفعل ضمن عالمنا الفعلي المحسوس، لكن في صورة نظريات وتشكيلات تصورية غير موجودة وسطنا حقيقة وقد لا يكون لها وجود فعلي على الإطلاق.

لقد وُلِدَ محمد في قلب ثقافة ودين ولم يأتي من فراغ. كانت قريش تعبد الله، وتصلي وتصوم وتحج وتقدم الأضاحي وتتصدق وتتضرع وتستسقي وتفعل كل ما هو متعلق بالأديان، وذلك من خلال الرمز والطقس والعادة والتقليد وخلافه من دون الحاجة إلى النص. هذا هو ما قد عاشه محمد وطبقه على دينه الجديد حتى وفاته. وقد اعترفت به قريش وقبلت بدعوته ونبوته على هذا النحو المعتاد والمألوف لها، ومن ثم ما كان محمد بحاجة إلى توثيق هذا الاعتراف والقبول في نص مكتوب، خاصة إذا ما كانت نصوص العقود والعهود والمواثيق لا تُكتب إلا تحسباً لخلاف وانشقاق محتمل، أو كصك إذعان وخضوع في حالة الاستسلام بعد قتال. وما كان محمد بعد عودته إلى مكة منتصراً بحاجة إلى مثل هذا العهد أو صك الإذعان من أهله وعشيرته الذين وُلِدَ وتربي وسطهم.

لكن الوضع تغير بعد وفاة النبي وتفجر ’حروب الردة‘. كانت القبائل من خارج مكة تُخرج الزكاة لمحمد لكونه النبي المبعوث من عند الله الذي قد آمنت به وصدقت رسالته. أما الآن وقد مات محمد، لمن تُخرجها، وتحت أي مسوغ؟! بعد محمد، ظنت القبائل أنها قد استعادت مراكزها المتساوية في السابق سواء مع قبائل مكة أو أي قبيلة عربية أخرى، حتى لو اسْتَبْقت دين محمد بدلاً من دينها القبلي القديم. في الحقيقة، هي لم ترتد عن دين محمد، بل امتنعت فقط عن سداد الزكاة لأن محمد قد مات. كانت القبائل تُخرج الزكاة لمحمد كنبي ورمز ديني، وليس كزعيم قبلي لقريش. فما معنى أن تستمر في إخراجها لشخص آخر يفتقر إلى نبوة محمد ورمزيته الدينية وكل مؤهلاته أنه صاحب السلطة الشرعية في مكة؟ هذا معناه أن تصبح فاقدة الاستقلالية وخاضعة لسلطة آخرين من خارج قبيلتها حتى لو كانوا من نفس دينها. ذلك تحول ضخم في العلاقة السائدة والمتجذرة منذ زمن طويل بين القبائل العربية بعضها البعض، وما كانت أي منها لتقبل به بسهولة. وقد مَثَّلَ في الوقت ذاته نقطة تحول كبرى سواء في مسيرة الدين، أو في علاقة القبائل العربية بعضها ببعض.

في المحصلة، كانت حروب الردة في جوهرها فعل انشقاق سياسي أكثر منها ردة دينية، ودقت أول ناقوس خطر عبر جماعة المسلمين الحديثة العهد. ومن المرجح أنها قد لفتت نظر النخبة الأولى إلى حيث مكمن الخطر والتهديد الوجودي للجماعة الوليدة ونبهتهم إلى ضرورة الإسراع في البحث عن علاج شافي. ثم سرعان ما تحول الناقوس إلى صفارات مدوية تنذر بدمار شامل خلال عهدة ثالث الخلفاء عثمان بن عفان: ثمة خلل واضطراب مؤكد في المراكز القانونية لمكونات الجماعة المسلمة ينذر بفتنة وحرب شاملة. ربما جاء التحرك العلاجي متأخراً وكان من الأفضل تدارك الخلل إبان حروب الردة، لكنه قد جاء على أية حال. سارعت السلطة الشرعية ممثلة في عثمان لجمع صفوة من المختصين بهدف وضع أول نص (دستور) يضبط العلاقة المستجدة بين مكوناتها ويحول دون الخطر الماثل للعيان. تم بالفعل وضع القرآن، أو ’جمعه‘ كما يسميه الفقهاء. لكن لأن الخطوة جاءت متأخرة، ربما قد عَجَّلَ المصحف ذاته من ساعة عثمان نفسه ومقتله بدم بارد، لكي تنفجر الجماعة المسلمة من داخلها طعناً وتقتيلاً وتذبيحاً في بعضها البعض خلال ما يصطلح عليها ’حقبة الفتنة‘. رغم ذلك، ظهر إلى الوجود مصحف عثمان الذي كان أول نص ديني (عقد اجتماعي) إسلامي على الإطلاق، لكنه لن يكون الأخير وسيفتح الباب أمام سيل منهمر من النصوص والأدبيات الدينية لا زال فيضه متدفق حتى اللحظة.

مما لا جدال فيه أن المجموعة التي قد عهدت إليها السلطة بمهمة ’جمع‘ القرآن كان يجب أن تخضع لاعتبارات معينة تضبط عملها. جاء في صدر هذه الاعتبارات جهة الاختيار والتكليف- التي كان يمثلها عثمان نفسه بوصفه الخليفة الشرعي. كما لابد أن تتضمن هذه الاعتبارات أيضاً البحث والتنقيب في كل ما صدر عن النبي من أقوال وأفعال وسنن وعادات معيشية أثناء حياته، باعتباره يمثل الرمز والطقس الرئيس فيما هم مقدمون على صياغة نص خاص به، يصفه ويوثقه. وفي المحصلة، يجب أن يكون النص في نسخته النهائية مستوفي لشرطين أساسيين: (1) أن تقره السلطة التي كلفتهم بالمهمة؛ و(2) أن يلقى قبولاً عريضاً من جماعة المسلمين، وليس من كل مكوناتها بالضرورة. غير أن الشواهد تشير إلى أن هذا الشرط الثاني لم يُستوفى بالشكل المطلوب، بدليل مقتل الخليفة نفسه واندلاع حروب الفتنة وتعدد المصاحف بالتوازي مع مصحف عثمان.

هكذا قد تم وضع النظام (النص) الأساسي (الدستور/القرآن) الأول في الإسلام، الذي ستتم تكملته فيما بعد بواسطة الملاحق والشروحات والقياسات والتفاسير والمذاهب والمدارس والفتاوى والاجتهادات وإجماعات العلماء وخلافه من حين لآخر حتى زمننا الحاضر. إذ كلما استجد تغيير في المراكز القانونية لمكونات جماعة المسلمين، أصبح لزاماً إدخال تعديل مكافئ يعكس ويضبط طبيعة العلاقات الجديدة فيما بينها. لقد وُضِع القرآن ذاته لخدمة هذه الغايةً، لكنه مع مرور الزمن وتبدل المراكز يصبح قاصراً وحده عن تشخيصها وضبطها. ولكون النص الديني دائماً يتمتع بالقدسية ولا يجوز المساس به سواء بالتعديل أو التغيير أو الحذف أو الإضافة أو خلافه، كان لزاماً استيعاب المتغيرات الجديدة في ملاحق وحواشي منفصلة بعيداً عن المتن. هكذا قد ظهرت إلى الوجود خلال مراحل متعاقبة- عقب كل إعادة تشكل جديد في المراكز القانونية لمكونات الجماعة المسلمة- الأحاديث النبوية الشريفة والسنن المؤكدة والمذاهب والمدارس الفقهية المتعددة وما لا يحصى من الشروح والتفاسير والهوامش والحواشي والآراء والفتاوي إلى آخره، تصب جميعاً في محيط شاسع بلا شطآن من الأدبيات النصية. ودائماً ما كانت النصوص المضافة والمستحدثة تتبع نفس الآلية التي أسسها عثمان مع النص (الدستور) الأول (القرآن)- السلطة تعتمد مجموعة (هيئة) مختارة من أهل الاختصاص، الذين يُعْمِلون فكرهم وبحثهم في تراث الأقدمين؛ وفي النهاية لابد أن يحظى انتاجهم الفقهي برضا السلطة أولاً، ثم قبول عام لدى جماعة المسلمين، الذي لن يتحقق إلا إذا كان منتوجهم النصي يجسد الرمز والطقس الإسلاميين- أو يخاطبهم باسم الله ورسوله.

الخلاصة
* محمد أضاف إلى الأديان التي قد نشأ وسطها ديناً جديداً، في امتداد لها من حيث البساطة والأولية وتحت نفس الغطاء الإلهي كما جرت العادة، مستعيناً بنفس أدواتها مثل الرمز والطقس والنموذج والتقليد وخلافه. وكما لم تكن الأديان والمعتقدات القبلية حينذاك بحاجة إلى نص لكي تنشأ أو تستمر، لم يكن محمد بحاجة إليه أيضاً، ولم يُنْشِئه.

* ثم في مرحلة تالية، خطى الإسلام خطوة إلى الأمام على ما قد سبقه أو عاصره من أديان قبلية ليجد نفسه أمام أحد خيارين: إما (1) أن يقف عاجزاً حتى ينفجر من داخله وينفض؛ أو (2) أن يبدع ويبتكر حتى يضبط العلاقة المستجدة بين مكوناته. عندئذٍ، كان لزاماً أن يبتعد عن جوهره الأولي ويسير في اتجاه المأسسة عبر خلق نظام (نص) أساسي (دستور) يمنع التفكك ويتيح المجال أمام مزيد من التوسع والانتشار.

* تم تكليف ذوي الاختصاص بوضع (جمع) القرآن، الذي أصبح النص المؤسس (المرجع) لكل ما سيلحق به من نصوص دينية مكملة أخرى، جميعها تم تمريرها من تحت نفس الرمز والطقس الإسلاميين- باسم الله ورسوله. وسوف تتكرر نفس هذه الآلية طوال التاريخ الإسلامي لاستحداث نصوصاً جديدة تواكب المتغيرات على المراكز القانونية لجماعة المسلمين إلى يومنا الحالي، وجميعها تحت اسم الله ورسوله.

* كمثال على أهمية المراكز القانونية التي إذا ما تغيرت تستوجب تغيير النصوص، تخيلوا معي حالة شخص طبيعي مثلنا يدعى محمد حسني مبارك قبل 25 يناير 2011 وهو يشغل منصب رئيس جمهورية مصر العربية، ثم حالته نفسه وراء القضبان بعد هذا التاريخ؛ أو جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي قبل هذا التاريخ ثم بعده فوراً، ثم بعد 30 يونيو 2013؛ أو شخص آخر مثلنا أيضاً يدعى أحمد الطيب في منصب شيخ الأزهر حالياً واقف فوق المنبر يخطب في المصلين، ثم وهو جالس وسطهم بعد استقالته من منصبه؛ أو وضع شيعة العراق قبل صدام حسين ثم بعده حتى الآن.

* النص لا يخلق واقعاً، بل الواقع الجديد هو الذي يستوجب إنشاء نص جديد لكي يصفه ويضبطه ويوثقه. وكلما تغير الواقع، كلما استلزم تغيير النص أو استحداث آخر جديد كمرآة عاكسة له، ولو في صورة غائمة وناقصة.

* وهكذا النص الديني لم ينشئ الإسلام كواقع وحياة فعلية لأمة بأكملها. بل هذه الأمة نفسها هي التي قد خلقت كل هذا النص، كسجل ومرآة عاكسة لمسيرتها على أرض التاريخ منذ نحو ألف ونصف الألف عام.

* إثبات ألوهية أو بشرية القرآن والنص الإسلامي لن يقدم أو يؤخر شيئاً لدى عامة المسلمين ورجال الدين، لأن القداسة الدينية منشأها وجدان المرء ذاته ولا تُفرض أو تُسلب من خارجه، عبر نص أو خلافه.

* غير أن أقلية ضئيلة من الباحثين والمتخصصين وفق قواعد العلم الحديث قد يعيبها وينتقص من جديتها البحثية أن تتصدى إلى نص بالنقد والتحليل وهي تعتقد في كونه كلام الله أو رسول الله بينما هو في الحقيقة وبالحرف الواحد كلام بشر مثلهم قد سبقوهم، وكان لزاماً عليهم أن يمرروا كلامهم ذلك من تحت الرمز والطقس الإسلاميين- الله ورسوله- حتى يُسمع إليهم، بصرف النظر عن صدقهم من كذبهم.

* إن بشرية النصوص الإسلامية كافة لا ينتقص من أهميتها، بل على العكس. هي تراث بشري وضعته ولا تزال بعض من ألمع العقول الفكرية في شتى المجالات تحت مظلة دينية ويحوي بين صفحاته غير المنتهية آلام وآمال وأدق تفاصيل حياة أمة بأسرها.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت