وداعا أيها الموت

رائف أمير اسماعيل
2022 / 12 / 31

لم تسجل كل مستشفيات العالم حالة وفاة، ولا حتى واحدة.
ولم تبلع كل مقابر العالم جثة واحدة.
هكذا انقضى اليوم الأول من السنة الميلادية الجديدة، لكن دون أن ينتبه أحد. لأن الموت هو حدث، والناس تنتبه للحدث، ولا تنتبه لأول وهلة لما لم يحدث، رغم أنهم انتبهوا لحوادث فردية تعجبوا فيها ألاّ يموت أشخاص في حوادث خطرة جدا.
لكنهم انتبهوا بعد أيام ثم تأكدوا بعد أشهر ثم سنوات بأن الموت لم يعد متمكنا من البشر، أو أنه اكتفى أو انشغل بالتلذذ بأجساد باقي الكائنات الحية. بل هو يبدو صار يستطعم أكثر بالبكتريا التي كانت تستطيب جسد الإنسان فتحلله بعد موته.
لم تعد الظاهرة الأرعب للبشر هي المشكلة الأولى وإنما حالة التكيف لحياة صارت حياة فعلا.. وحدها لا شريك لها.
وحدها تسير دون شريك لا تعرف متى وأين يظهر فيعطل سيرها دون مبرر.
أن يبقى الإنسان عائشا أو دون مرض هي الحالة الأعم للفرد، فهو لا ينتبه إلا لموت غيره، ولا ينتبه لنفسه أنه لم يمرض لفترة طويلة إلا نادرا، لكن ألايخاف من الموت بدت حالة غريبة.. بقي هاجس لفترة ألاّ تدوم، ثم زال تماما.
فبقيت النار الهندوسية تدام بالأخشاب لفترة أشهر حتى انطفأت.
خيّرت حكومات العالم الأطباءَ والكوادر الطبية وملحقاتهم في دولها وظائفا تناسبهم، بعد أن أصبحوا عالة على مجتمعاتهم.. بعد أن تناسى الناس التفرس في وجه الطبيب قبل أن يخبرهم عن مصيرهم، وإبعاد الشك بعد أن يطمئنهم وهو يرفع نظارته، وكأنه وكيلا للرب.
وتحولت كل المشافي إلى مختبرات زراعة وصناعة ومدارس، بعد أن صار تنظيفها وادامتها وهي خالية ترفا لا مبرر له.
فضل أغلب رجال الدين أن يتوظفوا في المراصد الفلكية. برر أحد علماء النفس هذا التفضيل بأنهم لا شعوريا صاروا يريدون فهم الله أكثر.. بالذات فهم عبارة أن الله قادر على كل شيء.. وإلا، ماذا سيقولون للناس وبم يخيفونهم.
بينما بقي الأخرون يمارسون طقوسهم العبادية كي لاتزول النعمة الإلهية الجديدة، معتقدين أن الموت حتى لو تأخر ملايين السنين فهو حتم لا مفر منه.
اختفى كثير مما كان يؤلم الناس ويبكيهم. اختفى منظر العائلة التي تجلس باكية حول طفل يحتضر. منظر الطرف المقطوع وصراخ صاحبه.
ولم تعد الحروب التي لا يستطيع فيها أحد أن يقتل الآخر أو يجرحه مجدية، بل غير ممكنة عندما أزيلت الحدود بين الدول عمليا، حيث لم يعد ثمة من يستطيع منع أي انسان من عبورها بكل يسر.. صار بالإمكان فقط متابعة المواطن العالمي المخالف للقانون أينما فر والقاء القبض عليه وسجنه.
أما الترسانة النووية فقد أستفيد منها في إنشاء قوة فضائية نووية تحافظ على الكوكب من الكويكبات التي قد تصدمه. بعد أن جهدوا في رفعها إلى خارج مجال جاذبيته.
لكن، ما الذي حدث؟ لماذا صار البشر لا يموتون؟ لماذا لم تعد النار تحرق أجسادهم، وكيف تتكون طبقة عازلة بسرعة في بشرتهم؟ .. كيف تقاوم أجسادهم الصدمات القوية في حوادث السيارات دون أن تتكسر عظامهم أو تجرح لحومهم؟
وحتى الجوع، لم يعد سببا لموت إنسان؛ فهو يجعله مغميا عليه حتى لو بقي لآلاف السنين، محاطا بهالة من الطاقة غير المرئية، ثم يجبر بالاستيقاظ وتناول وجبة غذاء؟
والامراض؟ السرطان الشرير؟ كيف استقرت الجينات الوراثية في كل الخلايا ولم تتقسم الخلايا مهما تعرضت إلى اشعاع؟
افترض علماء الأحياء في اجتماع شاركهم فيه علماء الفيزياء الحيوية أن جسد الإنسان صار يملك طاقة جديدة تنبعث من دماغه، فتمرعبر كل جهازه العصبي، تتحسس جسده أكثر، ترشده أكثر، تصححه أكثر. والطاقة الفائضة نتجت عن تراكم التحولات البايوكيميائية في الخلايا منذ نشوء أول خلايا حية على الكوكب.
لكنهم اعترفوا انهم لم يفهموا كيف ان الطاقة قد انبعثت عند كل البشر بيوم واحد.. فمال كثير من البشر إلى رواية أحد البحارة: كنت في قاربي على ساحل البحر ليلا، فاحسست بحرارة تدخل من قمة رأسي وعندما نظرت إلى الأعلى ضرب عينيَّ شعاع أخضرخفيف قادم من السماء، ثم خفَّت الحرارة حين رأيت الشعاع وقد كُبر وتمدد، ثم توسع فغطى كل البحر وكل اليابسة من حولي، ثم اختفى.
ثم زاد تصديق روايته حين تم فحصه وتبين أن قدراته البصرية أكبر بكثير من قدرات باقي البشر، حتى أنه أحيانا يرى بعض الأطوال الموجية تحت الحمراء.
تم تحديد النسل، فقد يزيد عدد سكان الكوكب إلى مائة مليار خلال مائة سنة، وهذا لابد أنه سيؤدي إلى شحة الموارد والغذاء، رغم أنهم باشروا بعد مئة سنة في غزو استيطاني لكواكب وأقمار بمستوطنات مغلقة، والمكوث طويلا في مركبات فضائية استيطانية. ويرافق هذا ثقافة تتناسب مع غريزة تقول أن الغاية من الإنجاب الرئيسة هي الحفاظ على النوع أو تقوية موقف الفرد تجاه صعوبات الحياة، مع بعض التجديد، وهذه الحاجة ضعفت كثيرا أمام قوة الإنسان الجديدة وروعة وجمال تقنيات الحياة الجديدة وسلميتها. فقد سادت قيم الحرية والديمقراطية في كوكب بات موحدا سياسيا وثقافيا، وصارت المحبة بين الناس هي الخط الأحمر المقدس التي تصطدم به حالات الأنانية والتنافس؛ وعليه، وبعمر لا نهاية له، وبهندسة وراثية ضمن مواليد جدد أصحاء وأذكياء صار الأنسان يحقق ما يريد خلال فترة ضئيلة بالنسبة للعمر المفتوح، وإن تعثر أو فشل يكرر المحاولة مرات ومرات حتى ينجح.
صار يكرر الحب، ويكرر الزواج لئلا يمل، وينال ما يحلو له من شهادات أكاديمية.. يبني مايعجبه من مساكن، ويستمتع بزيارة أقاصي الأماكن.
تفاجأ بصحوة طفله من غيبوبة احتضاره، وانتبه لنفسه أنه كان غارقا بخيالات مهدئة، سريعة وغير منظمة،بدت أفكاراً لبوادر فلسفة بشرية جديدة وهائلة وهو يمسك بيده جبين طفله الذي قال الأطباءعنه أنه سيموت بعد ساعات. ثم اخذته الغبطة حين نهض طفله من الفراش وقبله وهو يقول: هيا أبي لنذهب إلى البيت فقد شفيت تماما.
ثم ذهل عندما علم أن اليوم قد انقضى دون أن تسجل كل مستشفيات مدينته حالة موت... ولا حالة واحدة. وحين سمع بالأخبار أن نيزكا كبيرا شديد الوهج قد عكَّر صفو المحيط الهادئ قرب مدينته ليلة عيد الميلاد.
27/ 12/ 2022

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت