قطار آخن 44

علي دريوسي
2022 / 12 / 28

وصلَ القطار على الثانية ـ طبقاً للموعد الزمني المحدّد في جدول الوصول ـ إلى محطة السكك الشرقية في باريس، نزلوا منه ومشوا باتجاه أحد أبواب الخروج الذي يقودهم إلى الدرب الصحيح، كانت دوريات الأمن والحماية الثلاثية مُوَزَّعة في أرجاء المحطة وخارجها.

ـ الديمقراطية هي الأساس للحياة المشتركة، لا يمكن بناؤها والحفاظ عليها ومتابعة تطويرها إلا إذا تكاتفت قوى الأمن الداخلي مع المواطنين لحمايتها ومساندتها. لا يمكن مجابهة الإرهاب في بلد لا يحترم الحريات الأساسية لمواطنيه. فقط الدول التي تحترم الإنسان تبني منظومات دفاعية وطنية لحماية كياناتها ومؤسساتها الوطنية.

نبس إبراهيم هازئاً:
ـ يجلس الأوروبي في أرقى المقاهي ثم يأخذ بالكلام عن الإنسانية والعدالة والحرب. السعي لإيجاد حلول للأزمات السياسية في العالم والعمل على تقليل الفجوة بمعانيها المتعددة بين البلدان الفقيرة والبلدان الغنية هو أيضاً مساهمة مهمة من أجل بناء وتطوير الديمقراطية والأمن الداخلي في بلدان الغرب. دون أن ننسى بأن الفقر ليس سبباً أو تبريراً لممارسة الإرهاب، ولا الاختلافات الدينية.


**
أمطرت السماء فجأةً ، أشعلوا سجائرهم، ساروا على الأقدام دون مظلة لبضعة دقائق وهم يجرون حقائب أغراضهم حتى بلغوا محطة القطارات الشمالية في باريس التي سينطلق منها قطار "أويرو-ستار" باتجاه مدينة لندن.

في مدخل المحطة وقف إبراهيم مدهوشاً عاجزاً عن التعبير.

بحثوا عن مقهى يتناولون فيه "سندوتش" وفنجان قهوة، الساعة الثانية والثلث ظهراً، ولجوا مبكراً بعض الشيء إلى كوردورات الانتظار.

ثمة ممرات ولوج للبريطانيين وممرات ولوج للأوروبيين بما فيهم الألمان، وهناك أيضاً ممرات أخرى للأجانب من بلدان كثيرة.

لمّا رأى إبراهيم الازدحام الكبير أمام نقاط وحواجز تفتيش الأجانب حمد الله في سره أنه قد حصل في السنة الماضية على الجنسية الألمانية بعد عذاب مرير.

في أقل من دقيقة تتفحّص شرطة الأمن الحدودية بطاقة السفر وجواز السفر عن طريق مسح المعلومات إلكترونياً ومقارنتها مع معلومات مخزّنة، في نهاية الممر ثمة حاجز تفتيش وفريق مراقبة يعمل على تفتيش حقائب السفر والأشخاص، ليدخل بعدها المسافر إلى ردهات الانتظار وصالات التسوُّق ودورات المياه.

كان الازدحام في الردهات والصالات على أشده، المئات من البشر تنتظر رحلة قطار الساعة الثالثة الذي تأخر عن موعده، كان قد تم إعلامهم بوجود حادث في مدينة لندن، لم تكن هي المرة الأولى التي يرمي فيها شخص يائس بنفسه أمام قطار مسافر، ولن تكون الأخيرة، تأخر الوقت واعترت المسافرين حالة من التأفُّف والملل، بدأ بعضهم مغادرة المحطة دون رجعة.

**

ـ خبر مزعج، لحسن حظنا أننا من ركاب رحلة الساعة الرابعة. قالت هنيلوري.

ـ لا تفرحي كثيراً، سيتأخر قطارنا أيضاً. قالت سابينه.

ـ قبل أسبوع قفز عراقي هارب من الحرب من نافذة أحد القطارات المسافرة في مدينة ميونخ، كان قد سافر بالأسود، دون بطاقة ركوب، بعد أن أخذ المفتش على متن القطار أوراقه لفحصها قفز الدرويش دون أن يستطيع الوقوف من جديد، لعله نسيَ لصغر سنه مفهوم السرعة. قال إبراهيم غير آبه حقيقة لمصير الشاب.

**

ذهبت سابينه وهنيلوري إلى دورة المياه، جلسَ إبراهيم أرضاً في إحدى زوايا بهو صالة الانتظار، راح تارة يقرأ في مجلة أحضرها معه وتارة أخرى يراقب الوجوه من حوله، لمح وجوهاً من كل بقاع العالم، من مختلف الأعمار والتقاسيم، بعضهم يمر من أمامه فيتبادل معهم نظرات حيادية، البعض الآخر يتجاهله ليس عمداً. لم يشعر بشيء غير عادي إلا حين نظرَ إلى إحداهن، سمراء بشفاه متخمة وجسد أعوج جذّاب، امرأة تجر خلفها حقيبتها الحمراء، تحمي عيونها بنظارة فوضوية كبيرة وتتكلم بجهازها الخليوي، خاطبته تخمة الشفتين وأعجبه اعوجاج الجسد لديها، شعرَ بأنها لا تشبه الآخرين كثيراً، ابتسمتْ له وتابعت سيرها وحديثها التلفوني، بعد قليل عادت، ابتسمتْ له من جديد ثم تابعت السير وأهملته. مقابله تماماً جلستْ صبية في عمر الحب على بلاط بهو الانتظار، تقرأ وتنتظر، أتعبها الانتظار، نهضت من جلستها، صبية جميلة ورقيقة، طويلة ونحيلة الجسم، شعرها أشقر طويل وشفاهها وردية، نهضت وراحت علانية تداعب وتدلك فردتي مؤخرتها، أعجبته فعلتها، نظرَ إلى عينيها، تبادلا النظرات والابتسامات، قالت شيئاً عطراً بلغة غريبة لم يفهمها، لَعنَ اللغات الأجنبية في سره، هزّ رأسه وتابعَ سرقة النظرات إليها.

وضع سماعات جهاز التسجيل الصوتي في أذنيه وراح يستمع للمغني الألماني "قسطنطين فيكر"، المعروف بنقده للنظام العالمي الرأسمالي:
"عندما الصيف ليس ببعيد والسماء أرجوانية أعلم أن هذا هو وقتي ..."

**

رجعت سابينه برفقة هنيلوري تحمل في يديها كوبين من القهوة، جلستا على الأرض تتكئان على حقيبتيهما.

ـ اِحْكِ لنا يا إبراهيم شيئاً مسلياً ينسينا وقت الانتظار. قالت هنيلوري.

ابتسم إبراهيم وقال:

ـ اسمعا هذه النكتة:

أنهى أحد الشباب العرب دراسته الجامعية في بريطانيا، عاد إلى وطنه، تزوج لاحقاً من ابنة خالته وأنجب منها أطفالاً. سألته زوجته ذات مرة: لماذا رفضتَ الزواج بالشابة البريطانية الحلوة، تلك التي أرسلتَ صورتكَ معها لأهلك؟ أجابها: لقد أصبح هذا الأمر من الماضي. قالت الزوجة: أعرف ذلك ومتأكدة منه، لذا أتمنى منك أن تخبرني الحقيقة. أجابها: اكتشفتُ يومها أنها لم تحبني فعلاً، بل كانت طامعة في الزواج مني للحصول على جنسيتي العراقية وحسب!

نظرت المرأتان إلى إبراهيم وقهقهتا حتى أدمعت عيونهم.

ـ هل لديك المزيد من هذه النكات المرحة؟ سألت هنيلوري.

شعر إبراهيم بالفخر لقدرته على إيصال النكتة إليهما بلغة ليست لغته الأم، عدّل جلسته وقال:

ـ لديّ الكثير من النكات، ها هي نكتة ثانية، إقتربا مني واسمعاني جيداً:

وصل هارب عربي إلى محطة قطار في ألمانيا. هناك سأل أحد مفتشي المحطة بالإنكليزية: قل لي من فضلك أين أجد الرصيف رقم خمسة؟ أجابه المفتش الأشقر بسخرية: أعتقد أنّه بين الرصيفين الرابع والسادس!

ـ توقف من فضلك عن المتابعة، هذه نكتة بائحة. قاطعته سابينه.
**

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت